روايات

«دائماً بسأل نفسي ليه زوجتي ما تكونش مثل السيدة التي مع صديقي

«دائماً بسأل نفسي ليه زوجتي ما تكونش مثل السيدة التي مع صديقي.. السيدة التي نظرتها تجعلني أنسى زوجتي وبيتي وكل حياتي. من داخلي أتمنى أن ينفصل عنها وأنا أتزوجها.. سيدة متحررة، شكلها أصغر من عمرها، الحياة معها لها طعم آخر.. عكس زوجتي تماماً.»

كانت هناء واقفة أمام المرآة تحاول تعديل حجابها وهي مستعجلة، كانت حاملة حقيبة ثقيلة فيها أغراض الأطفال، وشكلها مجهد من قلة النوم. باهر كان واقفاً يسند ظهره على الباب، ينظر إليها بنظرة فحص باردة، نظرة خالية من أي مودّة، كأنه يعايرها بكل تجعيدة بسيطة تحت عينها. نظر للساعة وقال بتأفف: — “ألا نتجه الآن؟ أصدقاؤنا بانتظارنا في المطعم.. لا أريد أن أذهب إلى هناك وأجدها قاعدة كالملكة وأنتِ داخلة بحقائب المؤونة!”

هناء نظرت له بك.سرة وقال: — “هذه حقيبة ملابس الأطفال يا باهر، لكي تحميهم لو انخفضت الحرارة.. وبعدين أنا لسه عائدة من العمل وأعددت الغداء، طبيعي أكون متعبة.”

باهر ضحك بسخرية، وتحركت عيناه على ملابسها الواسعة التي تخفي تعب جسمها، وقارنها في خياله بالسيدة الأخرى التي شاهد صورتها الرقمية وهي ترتدي زياً يحدد قوامها، وشعرها الذي تصل رائحته إليه من وراء الشاشة. — “العمل ليس حجة يا هناء.. السيدة زميلة العمل مركزها أكبر من مركزك، ومع ذلك تعرف كيف تهتم بنفسها وبزوجها. انظري للفرق في المظهر، في المشية، حتى في طريقة الكلام.. هكذا يكون الاهتمام الحقيقي، لستِ سوى مديرة منزل تتحرك.”

الكلمة نزلت على هناء كالسيف، وقفت مكانها عاجزة عن الحركة، والدموع تحبست في عينها. باهر لم يكمل كلامه، تركها وخرج ليركب السيارة وهو يفكر: “يا حظك يا صديقي، تأخذ من تفتح النفس على الحياة، لا من تذكرني بالهم والمسؤولية كلما نظرت إلى وجهها.” وصلوا المطعم، وأول ما قامت الصديقة لتسلم عليهم بابتسامتها الساحرة، باهر حس بقلبه يدق، ونظر لصديقه بحسد.. كان يقارن بين يد تلك السيدة الناعمة ورائحتها الفاخرة، وبين يد هناء التي ما زالت تحمل أثر المطبخ والمنظفات مهما حاولت إخفاءه.

طوال السهرة، باهر كان غائباً عن زوجته تماماً، عينه كانت تراقب كل حركة، كل ضحكة، وكل نظرة.. وفي كل مرة كان ينظر لهناء التي تجلس جنبه، كان يحس بظلم لنفسه لأنه متزوجها، وظلم أكبر لهناء لأنه لم يعد يرى فيها إلا خدمة لبيته وأطفاله، لا شريكة لحياته. على الطاولة، كان الضحك طالعاً من قلب السيدة وهي تحكي عن رحلتها الأخيرة: — “يعني لا أستطيع أن أقول لكم يا جماعة، السفر كان طوق نجاة.. الروتين يمت أي علاقة، وليس عيباً أن تهتم السيدة بنفسها وتفصل قليلاً عن هموم البيت والأطفال، أليس كذلك يا باهر؟”

قالتها وهي ترمي نظرة ذكية مليئة بالدلال والغزل المبطن ناحية باهر، نظرة جعلت قلبه يدق بعنف. باهر بلع ريقه وابتسم بغباء وقال بسرعة: — “عندك حق.. ألف مية حق، الناس التي تفهم الحياة صح هي التي تعرف تعيشها، وليس من ترفع شعار التضحية طوال الوقت.” الصديق ضحك بصوت عالٍ وهو يأكل من طبقه وقال بلا مبالاة: — “اتركك منهم يا باهر.. الذكية هي التي تريح دماغها وتعرف تأخذ حقوقها بالحب والدلع، لا بالشكوى المستمرة.”

هناء كانت قاعدة تسمع كل كلمة، الحروف كانت تنزل على قلبها كالقطران الساخن. نظرت لطبقها وسكتت، لم تحاول الدفاع عن نفسها ولا قول إن الاهتمام يحتاج لمال وموارد، ويحتاج لزوج حقيقي يعين ويساند، لا يحاسب على كل لقمة ونفس! الصمت كان أبلغ وأوجع، والدمعة المحبو.سة في عينها بدأت تحرق صدرها.

انتهت السهرة، وركبوا السيارة للعودة للبيت. الجو داخل السيارة كان مرعباً، صمت تام يقطعه صوت الموسيقى الخفيفة. باهر كان سائقاً وعقله مع الضحكة ورائحة العطر العالقة في ذهنه. أحس بضيق شديد وهو ناظر لطريق الكورنيش، ورمى كلمة مؤلمة بدون أن ينظر إليها: — “ابقي تعلمي طريقة الكلام يا هناء.. انظري قليلاً كيف تجلس السيدات وتسحر من حولهن، بدل قاعدة النكد التي تبفس أي خروجة.”

هناء لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك، التفتت إليه وقالت بهدوء شديد، لكن صوته كان مليئاً بوجع السنين والكرامة المهدورة: — “تصدق يا باهر؟ عندك حق.. السيدة التي تتحدث عنها تعيش ملكة.. لأن وراءها رجلاً حقيقياً، رجلاً يكفيها، لا يبخل عليها بكلمة طيبة ولا بمال يريحها، رجلاً لا يضع يده في جيبه ويتفرج عليها وهي تحمل مسؤولية البيت والعمل بمفردها.. ليست خادمة، ولذلك تبدو في أفضل حال كما تقول.”

الكلمة أثارت غرور باهر كأنها صدمة. لف مقود السيارة بعنف وتوقف على جانب الطريق في مكان مظلم نسبياً، ونظر إليها بعيون غاضبة وقال بصوت عالٍ: — “نعم؟! هل ترين نفسك تكلمين من؟! احترمي نفسك.. هل أنا حرمتك من شيء؟ أليس مرتبك في يدك، ولم أخذ منك قرشاً واحداً؟!”

هناء ضحكت ضحكة ألم وقالت: — “مرتبي؟! مرتبي الذي أصرفه كله على البيت والدواء والدروس والأطفال، وأنت جالس تضع ساقاً فوق ساق وتحصي عليّ اللقمة! هل تعتقد أنني لا أعرف أنك منذ أيام منحت صديقك مبلغاً مالياً كبيراً لأجل رحلته السياحية؟ وأنا ابني محتاج لحذاء جديد ومصاريفه متأخرة لأشهر، وأنت تصرخ وتقول لي اصتير حتى يفرجها الله!”

وجه باهر انقلب للون الأحمر من الصدمة والغضب.. كيف عرفت؟! وكيف تجرأت لتعاتبه؟! — “أنت تراقبينني يا سيدتي؟! هل صرتِ تفتشين في جيوبي وورائي وتأخذين أخبار أموالي من الآخرين؟!” — “لم يخبرني أحد يا صديقي.. هو نفسه من كان يتباهى أمام أخي في جلستهم وقال له إنك كريم ومساعد له في رحلته، ساعتها حسستني أن زوجي ينفق على الخارج ويقصر على بيته!”

باهر أحس أن الأرض تميد به، كرامته أمام نفسه اهتزت، وصوت الحقيقة وجعه كثيراً، لكن الكبرياء الأعمى ساقه وقال بقسوة: — “نعم أساعد صديقي، وأصرف على ما يعجبني، وأموالي حرة فيها.. ما حكايتك أنتِ؟ صرتِ مثل اللواتي يحصين على أزواجهن الأنفاس؟ أنتِ من سودتِ عيشتي بتصرفاتك!” هناء هزت رأسها ببطء، ومسحت دمعة نزلت رغماً عنها، وقالت بهدوء مخيف: — “عندك حق.. أنا من سودت عيشتك.. وأنا آسفة يا باهر أني كرهت الحياة معك.. لكن اطمئن، تعبك هذا كله سينتهي قريباً.”

باهر نظر لها بشك وقال بسخرية: — “ماذا تقصدين؟ هل ستفعلين مسرحية جديدة أم تنكدي عليّ في البيت؟” — “لا مسرحية ولا نكد.. اذهب لحياتك يا باهر.. اعتبرني غير موجودة، وغداً الصباح كل واحد يعرف طريقه.” رجعت البيت وهي حاملة الحقائب الثقيلة، دخلت على الأطفال في الغرفة، قبلتهم واحداً واحداً وهي تدعي الله أن يعوضهم، وفتحت دولابها، وطلعت حقيبة ملابسها القديمة.

في اليوم التالي باكرًا، قبل أن يصحو باهر من نومه، كان شقيقها واقفاً بالسيارة تحت البيت، وهناء نازلة ومعها أطفالها وحقائبهم. عندما صحى باهر على صوت إغلاق الباب، خرج وجرى نحو الشرفة، فوجد هناء راكبة السيارة وماشية.. أحس بلخبطة في البداية، وسأل نفسه: “يعني هي فعلاً رحلت؟ وماذا ستفعل لوحدها؟” لكنه رجع قال بغرور: “أحسن.. أرتاح من وجهها النكد، واليوم سأخرج وأرتاح وحدي.” مرت أسبوع.. باهر كان يعيش بلا إزعاج، الشقة هادئة بلا صوت أطفال ولا طلبات، كان ينزل للعمل ويرجع ليسهر مع أصحابه، وكان طائراً بالسعادة، وحاسس أنه أصبح حراً.

لكن في يوم، وهو قاعد في مكتبه، دخل عليه زميله بوجه شاحب وقال له: — “الحق يا باهر.. محامي زوجتك هنا بالخارج ويسأل عنك بخصوص قضايا نفقة وتمكين ومسكن الحضانة، وهناك محضر مقدم ضدك بخصوص مستحقات مالية!” باهر وقف مكانه كأن جبلاً سقط فوق رأسه.. نفقة ماذا؟ وتمكين من الشقة؟! نزل جائراً خارج المكتب، ووجد المحامي يقف ويسلمه الإعلانات القانونية ببرود، وقال له: — “ألف مبروك.. المدام هناء قررت ألا تترك حقها ولا حق أطفالها.. والإجراءات قانونية تماماً وجاهزة.”

باهر فقد صوابه، أخرج هاتفه بسرعة واتصل برقم هناء وهو يكاد يصرخ من العصبية: — “أنتِ جننتِ يا هناء؟! ترفعين عليّ قضايا ومحاكم؟! هل تظنين أنك ستخيفينني؟!” جاءه صوت هناء هادئ وقوي، لأول مرة يسمعه بهذه الطريقة.. صوت امرأة انتهى صبرها: — “أنا لا أخاف يا باهر.. أنا فقط أخذت حقي الذي ضاع سنين.. سلام يا باهر.”

أغلقت الخط في وجهه، وباهر وقف في منتصف الطريق والهاتف في يده، وعقله لا يستوعب ما يجرى.. اتصل بصديقه القديم ليفهم ماذا يحدث، فإذا به يفاجأ أن صديقه الآخر بدوره يواجه مشاكل عائلية طاحنة وأن زوجته غادرت هي الأخرى بعد انكشاف الأمور، ليجد باهر نفسه وحيداً بلا عائلة ولا زوجة رعت بيته، ولا حياة استقرت له، ولم يتبقَ له سوى الندم والخسارة من كل اتجاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى