ظل الشجرة الأولى
كانت “أم أحمد” (أم حسين) تتجلس كعادتها كل عصريه قبالة الدريشة المطلة على أول الفريج، تمسك فنجان الشاي الخادر بيديها الثنتين، وتتأمل اللي رايح واللي جاي. كان البيت وسيع.. وسيع أكثر من اللاجم، وسكوته يضيق الصدر ويطري على البال ذكريات قادمة من زمان أول. من اليوم اللي تزوج فيه ولدها الوحيد “أحمد” وانشغل بحياته وببيته الجديد، صارت الأيام كلها تتشابه، كأنها يوماً واحد يتكرر. ما عادت تفاصيل يومها تروح وتجي على حشرة ولدها وشقاوته وهو صغير، ولا على مساعدته في دروسه ومستقبله، بل صار حلمها وأكبر انتصار بـيومها هو صوت نغمة التلفون، وتكون المكالمة منه هو.. أحمد.
الأعذار اللي ما تخلص
في يوم الجمعة، يوم اليمة واللمة، طقت أم أحمد رقم ولدها، ورد عليها وصوت الشوق يسبق كلامها:
“يا بعد عمري يا أحمد.. أسبوعين ما شفنا وجهك ولا حسك! ترا جهزت لك ولعيالك الأكل اللي تحبونه، والمجدب طاب على النار.. متى بتسيّرون علينا اليوم؟” جاها صوته من الطرف الثاني وهو مستعجل ومتوتر، وصياح العيال ولويتهم واصلة لأخر الفريج:
“والله يا يمه، شقولك بس؟ الضغط في الدوام هالأيام مو طبيعي، وفي الويكند الحرمة مجهزة برنامج كامل للعيال.. تدريب سباحة وروحة للحديقة، وتعرفين بعد متطلبات هالجيل ما تخلص! أوعدك يمه، أول ما ألقى فرصة وتفضى الأمور بمر عليك.”
تبسمت أم أحمد بكسرة، وحاولت تخفي غصتها:
“مسموح يا بني، الله يقويك ويحفظ لك عيالك.. أهم شيء تكونون بخير وسهالة.” قفلت الخط، ونزلت التلفون على الطاولة بشويش. طالعت السفرة الممدودة، والدلال والمطابيق المجهزة، وأدركت إنها بتكون ليلة ثانية بتقضيها بروحها مع صوت السكوت اللي مالي أركان البيت. الشجرة اللي أثمرت جفاء
مرت الأيام والأسابيع، وأحمد غارق في زحمة الحياة: بين صراعات العمل، ومجاملات الأصحاب، وتلبية طلبات العيال اللي ما تنتهي. كان يحسب إن كفاية أمه كلمة “شلونك يمه” في السريع كل كم يوم، ونسى إن الكبير ما يبي فلوس ولا هدايا، يبي بس شوفتهم وقعدتهم.
وفي يوم من الأيام، وهو قاعد في صالة بيته، شاف ولده الصغير “عمر” ماسك ألعابه ومشتط يبي يطلع.
قال له أحمد: “تعال يا عمر، قعد معي نسولف ونلعب شوي.. مشتاق لك يا بني.”
رد عليه الولد وهو حتى ما طالع فيه ومستعجل يبي يطلع مع ربعه:
“أبوي أنا مشغول الحين، مواعد ربعي ونبي نروح، وما عندي وقت أقعد معاك.. إذا فضيت بعدين بمر عليك!” وقع الكلام على قلب أحمد مثل الصدمة! صدى الصوت، والكلمات، وحتى طريقة الرد.. كانت نسخة طبق الأصل من كلامه هو لأمه كل ما اتصلت تترجاه يسيّر عليها!
صحوة بعد فوات الأقت
وقف أحمد مكانه مصدوم، حاس بنغزة حادة في صدره. تذكر أمه، تذكر نظرتها، وصوتها الدافئ اللي كان يرد بـ “مسموح يا بني” وهي تتألم في صمت. فهم في هاللفتة إن البر دين، وإن اللي غارسه اليوم في أمه، بيجنيه بكره من عياله.. وإن الشجرة الأولى اللي أظلته صغيراً، قاعد يتركها تمـ,ـوت في العطش. بدون ما يفكر لحظة، مسك مفاتيح سيارته، ونادى زوجته وعياله بصوت جازم:
“جهّزوا نفسكم الحين.. بنروح كلنا لبيت الجدة.”
لما وصلت السيارة عند البيت القديم، ونزلوا العيال، فتح أحمد الباب ولقى أمه قعدتها المعتادة قبالة الدريشة، ماسكة فنجانها اللي برد.
أول ما شافته، فزت وركضت عينها تطالع عيال ولدها وهم يدخلون البيت، وسالت دمعة دافية على خدها، بس هالمرة كانت دمعة فرح. قرب أحمد منها، انحنى وربض عند رجليها، وباس إيدها وراسها وهو يقول وصوته مخنوق:
“سامحيني يا يمه.. سامحيني على كل لحظة قصرت فيها، ترا البيت ما يسوى بدونك، والدنيا كلها مالها طعم بعيد عن رجولك.”
مسحت أم أحمد على راسه، وتبسمت بقلب الأم اللي يغفر كل شيء:
“مسموح يا بعد روح أمك.. دامكم حولي وفي بيتي، الدنيا كلها بخير.”