روايات

خيط الرفيع بين الأمل والخداع

1 خيط الرفيع بين الأمل والخداع
كانت “حنان” تعيش سنواتها الثلاث الأخيرة على أمل واحد يضيء لها حياتها: أن تسمع كلمة “ماما”. رحلة طويلة قضتها بين عيادات الأطباء، صعوداً وهبوطاً على سلالم المستشفيات، تحمل في أكياسها الصغيرة روشتات وأدوية ومنشطات، وكلها رضا ويقين بأن الفرج قريب. زوجها “سامح” كان يبدو لها السند والأمان طوال تلك الرحلة. لم يمل يوماً من توصيلها للعيادة، وكان يحفظ مواعيد الأدوية بدقة أشد منها. وفي كل شهر، ومع بداية مرحلة جديدة من خطة العلاج، كان الطبيب يكتب لها حقناً تثبيتية أو منشطة تُؤخذ في مواعيد محددة لا تقبل التأخير.

وكان “سامح” باهتمام بالغ يتولى هو بنفسه إعطاءها هذه الحقن، محاطاً بهالة من الحنان والحرص، وهو يقول لها دائماً: “اطمني يا حبيبتي، أنا جنبك وهعمل المستحيل عشان نشوف ابننا بينا.” ليلة الصدمة الكبرى
في ليلة هادئة، بينما كان “سامح” في عمله المتأخر، احتاجت حنان إلى بعض القطن والمطهر من درَج المكتب الخاص به. وأثناء بحثها، لفت انتباهها صندوق صغير مغلق بعناية في ركن مظلم بالدرج. وبدفع من الفضول العفوي، فتحت الصندوق لتجد بداخله علبة دواء تشبه تماماً علب الحقن التي يأتي بها لها كل شهر، لكنها تحمل اسماً مختلفاً.

أخذت العلبة بيديها المرتجفتين، وفتحت الهاتف لتتحرى عن اسم الدواء عبر الإنترنت. كانت السطور الأولى كافية لتفقد القدرة على الوقوف: “هذا الدواء يُستخدم لمنع الحمل، ويعمل على إيقاف التبويض تماماً…” تجمّد الدم في عروقها. عاودت قراءة اسم الدواء الموجود على العلبة في يدها، ثم تذكرت علب الحقن الفارغة التي كان يتخلص منها سامح بنفسه بحجة إلقائها في سلة مهملات بعيدة. أدركت حينها أن كل حقنة حنان كان يتلقاها قلبها بفرحة، وكل أمل كان يزرعه فيها، لم يكن سوى سمٍ بطيء يق.تل حلمها بوعي وتخطيط منه.

المواجهة
فتح باب الشقة ودخل سامح متعباً، لكنه توقف مكانه عندما رأى حنان جالسة في منتصف الصرفة، وأمامها العلبة المفتوحة، وعينيها متسعتان بنظرة تجمع بين الرعب والذهول والكسرة. اقترب بخطوات بطيئة، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يرى الدموع تنحدر في صمت على وجنتيها. قالت بصوت مخنوق بالكاد يخرج: “إيه ده يا سامح؟ دي حقنة إيه..؟ فهمني، فهمني أني بفهم غلط والنبي!” حاول سامح أن يتهرب بنظرات زائغة، لكن انهياره السريع أكد الحقيقة المرّة. جلس على ركبتيه أمامها، ودموعه تسيل، وبدأ يدافع عن نفسه بصوت مهتز:

“أنا عملت كده عشان بحبك يا حنان! كنت خائف.. خائف نخلف والدنيا تضيق علينا، خائف المسؤولية تسرقنا من بعض، وخايف أكون أب مش قد الكلمة. كنتِ هتروحي مني لو دخلنا في دوامة المصاريف والأطفال.” لكن كلماته لم تكن سوى خناجر إضافية تغرز في قلبها. لم تعد ترى أمراضا أو ضغوطا مادية؛ بل رأت شخصاً غريباً يسرق منها عمرها، ويخدعها في أغلى أمانة أودعتها لديه، ويستغل ضعفها وثقتها العمياء لتحقيق رغبته في حرمانها من الأمومة دون علمها.

وقفت حنان فجأة، وابتعدت عنه كأنها تراه لأول مرة في حياتها، وقالت بصوت حاسم يملؤه الهدوء القاتل: “العلاج اللي كنت بتاخدني عشانه، كنت باخده عشان أرضيك.. لكن اللي ق.تلته جوّايا دلوقتي، مفيش أي دواء في الدنيا ممكن يرجّعه.” ‫

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى