أنا لست “حالة إنسانية”.. أنا إنسانة! 🤚🏻🚨 “اختلاف ألواننا مش مبرر أبداً للتنمر! الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.” كانت “ريهام” و”ندى” أختين تفصلهما سنتان فقط، لكنهما كانتا بمثابة روح واحدة في جسدين. ريهام هي الأخت الكبرى، هادئة، تحب الرسم وتأمل التفاصيل، بينما ندى هي الصغرى، مليئة بالحيوية، تعشق الحركة والضحك وتملأ البيت حركة ونشاطاً. بدأت القصة في صيف إحدى السنوات، عندما لاحظت الأم بقعة بيضاء صغيرة جداً على يد ريهام اليمنى. في البداية، ظنت أنها مجرد جفاف في الجلد، لكن مع مرور الأسابيع، بدأت البقعة تتسع وتظهر بقع أخرى صغيرة على وجه ندى أيضاً.
بعد زيارة الطبيب، جاء الخبر ليغير مسار حياتهما: “إنه البهاق”. في بادئ الأمر، لم تفهم الصغيرتان معنى الكلمة. لكن مع مرور الوقت، وبداية العام الدراسي الجديد، بدأت معالم التجربة تتشكل. لم تكن المشكلة يوماً في البهاق نفسه؛ فالبهاق لم يكن يؤلم، ولم يمنعهما من اللعب أو الدراسة. كانت المشكلة الحقيقية في “عيون الآخرين”. في المدرسة، بدأت الهمسات. نظرات العطف الممزوجة بالخوف، والأيدي التي تسحب أصحابها بعيداً ظناً منهم أن البهاق مرض “معدٍ”.
في أحد الأيام، عادت ندى من المدرسة وهي تبكي بحرقة. اعتزلت الجميع في غرفتها ورفضت تناول الطعام. جلست ريهام بجانبها وسألتها بصوت هادئ: “ما الذي حدث يا ندى؟” ردت ندى بصوت متهدج: “اليوم في فسحة المدرسة، رفضت زميلاتي مشاركتي اللعب. إحداهن قالت لي: ‘وجهك أصبح غريباً، ولا نريد أن نعدى منك!’. حتى المعلمة، عندما لاحظت حزني، عاملتني كأنني ‘حالة إنسانية’ محطمة تحتاج الشفقة، وقالت للجميع بصوت عالٍ: ‘ارحموا ندى يا أولاد لأنها مريضة!’. أنا لست حالة إنسانية للشفقة يا ريهام.. أنا إنسانة! أريدهم أن يعاملوني كصديقة، لا كشخص مكسور!”
شعرت ريهام بغصة في حلقها، لكنها كانت تعلم أن دورها كأخت كبرى يتطلب القوة. أخذت نفسًا عميقاً، وأمسكت بيد ندى المكتسية بتلك اللمسات البيضاء الجميلة، وقالت لها: “تذكري يا ندى دائماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ‘إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم’. اختلاف ألوان جلدنا ليس عيباً ولا ذنباً، وهو أبداً ليس مبرراً للتنمر أو للشفقة الرخيصة! البهاق ليس إلا لوحة فنية ارسمها الله على أجسادنا بشكل مختلف. من يرانا ‘حالة إنسانية’ فهو لا يرى إلا السطح، أما من يمتلك عقلاً وقلباً سينظر إلى روحنا وأعمالنا.”
قررت الأختان من ذلك اليوم ألا تستسلما لنظرات الخوف أو الشفقة. بدأت ريهام تفرغ طاقتها في اللوحات، ورسمت وجوهاً ممتلئة بألوان وثقافات وأنماط جلدية مختلفة، وكانت تضع في منتصف كل لوحة عبارة: “الجمال في الاختلاف”. أما ندى، فاستعادت شجاعتها وقررت أن تطرق باب التوعية بنفسها.
في يوم النشاط المدرسي، طلبت ندى الكلمة أمام الطابور الصباحي كاملًا. وقفت بثبات، وبصوت واثق أمام جميع الطلاب والمعلمين، وقالت: “صباح الخير جميعاً. أنا ندى، وهذا وجهي وهذه يداي. البهاق ليس مرضاً مخيفاً، وليس عدوى، وليس نقصاً في شخصيتي. هو مجرد تغير في لون الجلد. أنا لست مريضة تحتاج شفقة، ولست غريبة تحتاج تجنباً.. أنا إنسانة، أضحك، وأدرس، وألعب، وأحلم تماماً مثلكم. اختلاف ألواننا ليس مبرراً للتنمر، بل هو تذكير بأن الله خلقنا مختلفين لنتعارف ونحترم بعضنا البعض.”
ساد الصمت لثوانٍ معدودة في ساحة المدرسة، قبل أن تنطلق عاصفة من التصفيق. تقدمت المعلمة والزميلات للاعتذار، وبدأت النظرات تتغير تدريجياً من الخوف والشفقة إلى الاحترام والتقدير. مرت السنوات، وأصبحت ريهام فنانة تشكيلية تُقيم معارض تعكس جمال التنوع البشري، بينما أصبحت ندى ناشطة ومتقنّة للخطابة، تعمل على نشر التوعية وتقبل الذات في المدارس والجامعات. لم تتغير ألوان جلد ريهام وندى، لكنهما غيرتا طريقة رؤية العالم لهما. لقد أثبتتا للجميع أن القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من داخله، من عقله وقلبه وأعماله، وأن الجمال الحقيقي يبدأ عندما نتقبل أنفسنا ونفرض احترامنا على العالم كـ “إنسان” كامل، وليس مجرد “حالة
تدور القصة حول الأختين “ريهام” و”ندى” اللتين تتغير حياتهما بعد إصابتهما بمرض البهاق. لم تكن الصعوبة في المرض نفسه، بل في مواجهة التنمر ونظرات الشفقة والجهل من المجتمع، خاصة عندما عُوملت ندى في المدرسة كـ “حالة إنسانية” للرحمة لا كإنسانة طبيعية. بدعم أختها الكبرى ريهام وتذكيرها بالحديث الشريف: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”; قررت الشقيقتان مواجهة الواقع بثبات: ندى: وقفت بشجاعة في طابور المدرسة لتشرح لزملائها ماهية البهاق وتصحح المفاهيم الخاطئة، مطالبة بعدم الشفقة أو التنمر.
ريهام: وجهت شغفها نحو الرسم لإبراز جمال التنوع واختلاف ألوان البشر. العبرة: مرت السنوات وأصبحت ريهام فنانة تشكيلية وندى ناشطة توعوية، لتثبتا أن قيمة الإنسان تكمن في جوهره وأعماله لا في لون جلده أو مظهرة الخارجي. المشهد: غرفة المكتبة في المنزل – وقت المساء (إضاءة هادئة. تجلس “ندى” على طرف السرير تبكي بصوت مكتوم، ممسكة بكتبيها المدرسيين. تدخل “ريهام” وتلاحظ حزن أختها، فتغلق الباب بهدوء وتقترب منها). ريهام (بنبرة دافئة وهادئة):
ندى.. ما الأمر؟ هربتِ من الجميع فور عودتكِ من المدرسة. ما الذي حدث اليوم؟
ندى (ترفع رأسها وعيناها ممتلئتان بالدموع):
تعبت يا ريهام.. تعبت من هذه النظرات! اليوم في الفسحة، ابتعدت عني البنات وكأنني أملك مرضاً معدياً. وإحدى زميلاتي قالت لي علناً: “وجهكِ أصبح غريباً، لا نلعب معكِ!” ريهام (تجلس بجانبها وتأخذ يدها بين يديها):
وماذا تفعل المعلمة؟ ألم تتدخل؟ ندى (بصوت ينشج بالحزن):
تدخلت.. ولكن بطريقة أسوأ! وقفت أمام الفصل وقالت بصوت عالٍ: “ارحموا ندى يا أولاد لأنها مريضة وحالة إنسانية!”. أنا لست “حالة إنسانية” للشفقة يا ريهام! أنا إنسانة.. أريدهم أن يعاملوني كصديقة، لا كشخص مكسور نحبه بدافع الرحمة!
ريهام (تمسح بقعة بيضاء على يد ندى بلمسة حانية، وتتحدث بثبات ويقين):
اسمعيني جيداً يا ندى. مَن ينظر إليكِ بجهل، يرى السطح فقط. ومَن ينظر إليكِ بشفقة، لا يفهم معنى الابتلاء ولا معنى الاختلاف. تذكري دائماً كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. ندى (تنظر إلى يديها بنوع من الخيبة):
ولكن الجهل يحيط بنا في كل مكان.. كيف سنغير كل هذه العيون؟
ريهام (تستقيم في جلستها وتنظر لها بثقة):
لن نغير العيون حتى نغير كيف نرى أنفسنا أولاً! البهاق ليس عيباً، بل هو لوحة أراد الله أن يرسمها على أجسادنا بشكل مختلف. أنا سأرسم هذا الجمال في لوحاتي وأرفعه أمام العالم، وأنتِ بكلامكِ وشجاعتكِ ستعلمينهم كيف يحترمون عقولنا وأرواحنا بدلاً من التحديق في ألواننا. ندى (تمسح دموعها ويبدأ صوتها يستعيد قوته):
تظنين أنني قادرة على الوقوف أمامهم والحديث بوضوح دون خوف؟ ريهام (تأخذ يد ندى وتشد عليها):
لستِ قادرة فقط، بل أنتِ من سيرغمهم على التصفيق لكِ. غداً ستفقين في طابور الصباح، وتقولين لهم بثبات: “أنا ندى.. لست حالة إنسانية، أنا إنسانة!”
ندى (بتسمة هادئة تظهر على وجهها مع تنهيدة ارتياح):
أنا إنسانة.. ولست مجرد لون. شكراً لكِ يا ريهام. (تتعانق الأختان بثبات وإصرار، ويُسدل الستار).