روايات

كانت المرآة القديمة في غرفة ندى لا تعكس مجرد جسد

كانت المرآة القديمة في غرفة ندى تعكس ثقلاً نفسياً عميقاً؛ بل كانت مساحة للمحاسبة اليومية القاسية تفرضها عليها أمها بلا لين. في ذلك الصباح الضاغط، كانت أصابع أمينة تشد سحاب الفستان العاجي بقسـ,ـوة أوجعت كتف الفتاة، وصوتها يتردد بحدة: “رتبي مظهرك يا ندى! من ذا الذي سيهتم بوحدة ملامحها بسيطة، وزنها غير المنتظم، وعملها بين أوراق منسيّة؟! احمدي الله واشكريه كثيراً أن محمود وافق على خطبتك وبنائه لمستقبلك بشقته!”

لم تبكِ ندى. كانت دموعها قد جفت منذ سنوات طويلة أمضتها وهي تغرق بين وثائق دار المحفوظات، تبحث في حكايات الغرباء عن الدفء المفقود في بيتها. وضعت كفها على الفستان البسيط الذي خوّطت عيوبه بنفسها، ومشت بجوار ذلك الرجل الهادئ ذي الأيدي الكريمة إلى مكتب المأذون، ثم إلى سيارة الأجرة التي حملتهما معاً نحو حي شبرا العريق. كانت ندى تتوقع أن تنتقل من قسوة الكلمات الجـ,ـارحة إلى حياة بلا حرية؛ رجل يراها أقل من غيرها واستحوذ على حياتها، كما كانت أمها تردد دائماً: “الزوج له كل الاحترام، اطاعيه بصمت لكي تسير الأمور”.

وصلا إلى العمارة القديمة ذات السلالم الهادئة. فتح محمود باب الشقة بيدين ترتجفان بوضوح لم تلاحظه ندى من قبل. كانت الشقة مرتبطة بذكريات قديمة وأوراق مكدسة، وستائر بسيطة تدل على رجل عاش وحيداً بعد رحيل والدته. وقف محمود عند المدخل، ولم يتقدم خطوة واحدة حتى خلع حذاءه باحترام شديد، ثم نظر إلى الأرض وقال بصوت خافت تملؤه مشاعر صادقة: “نورتِ بيتك يا ندى… اعذرينا، المكان بسيط، ومنذ أن توفيت والدتي رحمها الله وأنا لا أملك سوى عملي بالمصنع وحياتي الهادئة. خدي راحتك تماماً، هذا بيتك قبل أن يكون بيتي.”

تنفست ندى بعمق لأول مرة منذ ساعات. خلعت حذاءها الذي ضايق قدميها، وحين عرضت عليه أن تعد الشاي، دخلت المطبخ الصغير لتجد كل شيء مرتجباً ومرتباً، إلا أن شيئاً لفت انتباهها على طاولة خشبية في زاوية المطبخ: ورقة قديمة مطوية بعناية وُضعت بجانب براد الشاي. بدافع الفضول فتحتها، لتجد خط يد محمود البسيط يكتب ملاحظات يومية قبل أسبوع من الزفاف: “شراء ورود جديدة، تغيير ستارة الصالة لللون الذي تحبه، تنظيف المكان جيداً لترتاح ندى فور وصولها”.

خرجت بصينية الشاي، وكانت يداها ترتعشان لكن هذه المرة بمشاعر متضـ,ـاربة لم تفهمها تماماً. وضعت الكوبين، وجلست في أقصى طرف الأريكة، متوقعة أن يبدأ بفرض شروطه وقوانين البيت كما حذرتها أمها مراراً. جلس محمود، وارتشف رشفة شاي دافئة، ثم وضع الكوب ونظر إليها مباشرة بعينين صافيتين تحملان الكثير من التقدير، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة في آنٍ واحد: “أنا سمعت والدتك اليوم وهي توصيك أمام الجميع، وسمعت حديثها قبل قليل… أريدك أن تعرفي شيئاً واحداً يا ندى: أنا لم أتزوجك تفضلاً، ولم أطلب الارتباط بك لكي تقومي بخدمتي.”

تسمرت ندى في مكانها، وعيناها معلقتان بوجهه الذي تعب من شقاء العمل الشريف. تابع محمود وهو يبتسم ابتسامة دافئة أضفت شعوراً بالأمان على المكان: “أنا كنت أراكِ كل يوم خميس وأنتِ خارجة من دار الوثائق، وأنتِ تسيرين بهدوء وتحملين كتبك، كنت أرى إنسانة نادرة في أدبها وطيبتها. أمك نظرت إليكِ بمنظورها الخاص، لكني رأيتك شريكة حياة كريمة جئت لتنيري بيتي. إذا كنتِ بحاجة لبعض الوقت لكي تشعري بالأمان، فلكِ كامل الحرية… هذا البيت ملكك، ولن تري فيه إلا كل تقدير واحترام.”

نهض محمود وفتح خزانة خشبية صغيرة في الممر، وأخرج منها غطاءً ووسادة إضافية ليتجه نحو الصالة بهدوء، تاركاً إياها في حالة من الارتياح والدهشة الجميلة. في تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنواتها السبع والعشرين، نظرت ندى إلى انعكاس صورتها في زجاج النافذة المطلة على شوارع شبرا الهادئة؛ لم ترَ الصورة المهزوزة التي رسمتها لها أمها، بل رأت امرأة تُولد من جديد، تستعد لبداية حياة كريمة ومشرقة تستحقها بكل جدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى