أبويا أصر يربط مصيري ببنت عمي رغم رفضي الشديد، وفي ليلة الدخلة اكتشفت حاجة غيرت مجرى الأمور.. ومع إني كنت متأكد من أصلها وتربيتها، إلا إن طمعي في إنهاء الزيجة دي وكسـ,ـر كلمة أبويا عماني عن الصح والغلط.
أبويا كان شايف إن الدنيا كلها عبارة عن حسابات ودفاتر؛ الشراكة بينه وبين عمي في البيت والأرض والشغل مكانتش كفاية بالنسبة له، كان عايز يوثق الشراكة دي بـ “نسب”. وعشان يحقق ده، قرر يضحي بيا. اخترلي “منار” بنت عمي، البنت اللي وقتها كانت يا دوب لسه خطوة أولى في الجامعة، خام وتايهة وبنت ريف بسيطة. منار مكانتش وحشة، بس مكانتش طموحي ولا الشغف اللي كنت عايزه.. أنا كان نفسي في حياة تانية خالص، عايز أسافر العاصمة، أعيش بحريتي، وأتجوز واحدة من زمايلي اللي فاهمين دماغي وتطلعاتي.
لما وقفت قدام أبويا وقلتله “لا”، حسيت إنه اتفاجئ إن لسه في حد في البيت ده عنده لسان يتكلم بيه. جابها لي صريحة ومن الآخر: “يا تتجوز منار وتاخد مكانك في كل حاجة، يا تطلع بره البيت ده عريان، لا ليك أب ولا ليك أهل، وما تعتبش العتبة دي تاني طول ما أنا حي”.
التهديد مكانش سهل. الفلوس والشغل هما السند اللي كنت واقف عليه، ولولا فلوس أبويا مكانش هيبقى ليا وجود أصلا. وافقت بقلة حيلة، بس من جوايا قلت لنفسي: “أنا هكسـ,ـر كلامه بطريقتي، هعيش معاها شهر ولا اتنين بالكتير، أعمل أي مشكلة على أي سبب، وورقة طلاقها تروح لعمي، وأبقى عملت اللي عليا قدام أبويا وراضيته وفي نفس الوقت أهرب وأسافر”. وجه يوم الجواز، وجت ليلة الدخلة اللي غيرت كل حاجة.
أنا شاب متعلم وقاري كويس، وعارف إن التفاصيل طبياً بتختلف من بنت للثانية، وعارف إن فيه حالات طبيعية جداً ومشروحة طبياً.. خصوصاً إن منار دي أنا مربيها معايا في البيت، لا بتخرج ولا بتدخل غير معانا، وأخلاقها وتربيتها كلنا عارفينها، بس الشيطان لما يحضر، بيلبس عباية الفرصة الذهبية! أول ما لقيت الوضع كده، عقلي صورلي إن دي فرصة نازلة لي من السما! قلت بس.. هي دي اللي هتخلصني من السجن ده للأبد! لو شككت فيها، مش بس هطلقها، ده أنا هخرس أبويا ومحدش في العيلة كلها هيقدر يفتح بقه بنص كلمة ولا يلومني على حاجة.
بدأت المشاكل.. صرخت فيها وجبت عاليها واطيها. هي كانت لسه صغيرة، مش فاهمة حاجة من اللي بيحصل حوالين منها، بقت تبكي بنشيج يقطع القلب، وتحلفلي بأغلى ما عندها إن محدش لمسها ولا تعرف حد غيري. أنا كنت مصدقها في سري، عارف إنها شـ,ـريفة وأنقى من المية، بس طمعي في حريتي وفي إنهائي للجوازة دي بسرعة عمى عيني. بعتها برخيص عشان مصلحتي. مسكت التليفون واتصلت بعمي في أنصاص الليالي: “تعالى خد بنتك، بدل ما أخلص عليها دلوقتي!”.
الدنيا قامت وما قعدتش. عمي جاب أبويا وجرى، حصلت خـ,ـناقة وشد وجذب يهدوا جبال.. عمي كان بيدافع عن بنته بمنتهى الاستماتة، وأبويا نفسه وقف وقال: “لو أنت مش مصدق يا ابني، نروح لدكتور ونشوف، والطب يقطع الشك باليقين”. بس أنا كنت عارف إن لو رحت لدكتور اللعبة هتتكشف، وحلم حريتي هيروح، فقفلت الباب في وشهم كلهم وقلت بحدة: “أنا مش هلف معاكم على دكاترة!”. لفيت ليها وقتها.. لقيتها منهارة على الأرض، بتتنفض زي العصفور المدبوح. بصتلي بنظرة عمرها ما فارقت خيالي، ولا أظنها هتتفارق حتى وأنا بمـ,ـوت. نظرة كانت بتقول كلام كتير أوي، كان أشدها: “افتكر اليوم ده كويس”.
ورميت عليها يمين الطلاق في ساعتها. عمي أخد بنته ومشي وهو شايل كسـ,ـرة الدنيا، وأبويا قعد مكانه مكسـ,ـور الخاطر، عينيه في الأرض، مش قادر يتكلم ولا يرفع عينه في عين أخوه ولا يواجه الناس. وفي الصباحية.. بدل ما أكون عريس، كنت مجهز شنطي، ودعتهم بحجة إني مصدوم ومش قادر أتحمل كلام الناس، وطلعت على العاصمة.. سبتها هي تلتهمها ألسنة الخلق، وتواجه المصير المحتوم.
عدت السنة الأولى، والتانية.. وأنا عايش في العاصمة في عالم تاني خالص. فسح، وسهر، وحياة طول وعرض، ولا على بالي ولا كأني دمـ,ـرت حياة إنسانة. وهي هناك في البلد، عايشة في كرب، تحت نظرات القسـ,ـوة والشك من القريب والبعيد. بس رغم كل ده، عرفت إنها مكانتش بتستسلم، كانت بتقاوم وتروح جامعتها كل يوم، عشان ما تخسرش كل حاجة.
وبعد سنتين من الحياة اللي اخترتها، اتعرفت على زميلتي في الشغل، البنت اللي كنت بحلم بيها بجمالها وثقافتها. اتصلت بأبويا وقلتله إني هتجوز. أبويا وأمي جوم وحضروا الفرح، وشوشهم كانت باهتة ومكسـ,ـورة، مش راضيين عن الجوازة، بس مكانش عندهم القدرة ولا الحيل إنهم يعارضوني بعد المصيبة اللي حصلت بسببي. مرت 5 سنين كاملة على ليلة الطلاق السودا دي.. 5 سنين وأنا مقطوع عن البلد، عايش حياتي ومطمن إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
وبعد الـ 5 سنين قررت أرجع البلد، أخدت مراتي في إيدي ورحت وانا للحقيقة مكنتش عارف ازاي هشوف منار وأحط عيني في عينها بعد اللي حصل، بس كان لازم أرجع.. دخلت البيت وأنا فاكر إني حققت كل اللي نفسي فيه.. لكن اللي كان مستنيني هناك، صدمة عمرها ما جت على بالي، ولا تخيلت إنها ممكن تحصل…
أول ما حطيت رجلي على عتبة دوار العيلة ومراتي في إيدي، حسيت بجو غريب.. هدوء تقيل يخنق الأنفاس، ومفيش الزفة ولا الترحيب اللي متعود عليه زمان. دخلت الصالة الكبيرة، لقيت أبويا قاعد في صدر المجلس، ووشه فيه تجاعيد زادت أضعاف كأنه كبر عشرين سنة مش خمسة بس. وعمي قاعد جنبه، رافع راسه بمنتهى الثبات والوقار، مفيش أي أثر لانكسار كان موجود زمان.
سلمت ببرود وبدأت أعرّفهم بمراتي اللي كانت بتبص للبيت والبلد بقـ,ـرف واستعـ,ـلاء. فجأة، الباب اتفتح ودخلت عربية فخمة جداً في حوش البيت، ونزل منها شاب وسيم بهيبة ولابس بدلة شيك وواضح عليه المركز المالي والاجتماعي المرموق، ومعاه طفلة صغيرة زي الملاك.. وفي إيده التانية ماسك إيد “منار”. منار.. مكنتش مصدق عيني! مكنتش البنت البسيطة الخايفة اللي سبتها زمان بتترعش على الأرض. كانت لابسة شياكة ملفتة، محتشمة وواثقة في نفسها، وشها منور بنجاح ورضا غريب، الدكتورة منار اللي اتخرجت وبقت معيدة في الجامعة وفتحت مركز طبي كبير باسمها، ومتجوزة واحد من أكبر المستشارين في المحافظة.
أول ما عينيها جت في عيني، ملقيتش نظرة عتاب ولا حقد، لقيت نظرة “فراغ”.. كأني مش موجود في الدنيا أصلاً، أو مجرد هوا مش متشاف! النظرة دي لوحدها نزلت على قلبي زي الجمر. عمي وقف واستقبل جوزها وبنتها بحب وفخر، وأبويا قام يرحب بيهم بحفاوة شديدة. وفضلنا قاعدين.. مراتي القاهرية اللي كنت فاكرها قمة طموحي، بدأت تتكلم وتطلب فلوس وتشتكي من الريف ومن عيشتي معاها، وتبين حقيقتها كإنسانة مادية مفيش في قلبها أي مشاعر ولا اهتمام بيا، كان همها بس المظاهر والمصالح.
قعدت وسطهم وحسيت إني القزم الوحيد في القعدة. أنا اللي بنيت حريتي على ظلم وبهتان، لقيت حياتي عبارة عن خواء ونكد مع واحدة مش شايفاني غير بنك متحرك، بينما منار اللي حاولت أدفـ,ـنها وأكـ,ـسرها، ربنا رفعها لأعلى مكانة وعوضها براجل حقيقي يصونها ويعرف قيمتها. وفجأة عمي وجهلي الكلام قدام الكل بابتسامة هادية بس سكاكينها بتقطع في الصدر: “الدنيا بتلف يا ابن أخويا.. والظلم ظلمات، بس ربك لما بيعدل، بيجبر المظلوم ويكشف الحقيقة قدام عين الظالم وهو واقف يتفرج ومكسور”.
خرجت من البيت وأنا حاسس بالهـ,ـزيمة الكاملة.. الندم كان بياكل في عظامي، وعرفت وقتها إن مفيش ظلم بيمر بالساهل، وإن الحساب في الدنيا بيجي أسرع بكتير مما الواحد يتخيل.