روايات

الفصل الأول: صقيع في قلب الدفء

الفصل الأول: صقيع في قلب الدفء
لم يكن صوت المطر المنهمر على زجاج النافذة سوى ستارة موسيقية تُخفي خلفها عاصفة من نوع آخر. جلست مريم على حافة الأريكة، تتحسس بطنها المنتفخ في شهرها التاسع بحنان، بينما كانت عيناها معلقتين بـ حسام، زوجها الذي لم يمر على زواجهما سوى عامٍ واحد.
كانت تظن أن اقتراب موعد ولادة طفلهما الأول سيكون تتويجاً لقصة حبهما، لكن نظرة حسام تلك الليلة كانت خالية من أي بريق أبوي. وضع فنجان قهوته ببرود قـ,ـاتل، ثم رمى كلماته كقـ,ـنبلة موقوتة:
“وأنتِ بتولدي.. اطلبي من الدكتورة تعملك عملية ربط.”

تصلبت أطرافها، وابتسمت بارتباك تحاول تكذيب أذنيها:
“ربط؟! ربط إيه يا حسام؟ ده أول طفل لينا، وأنا لسه صغيرة ومن حقي أخلف تاني!”
ردّ حسام بنبرة حادة كالشفرة:
“أنا مش هخلف تاني.. وده قراري، وأنا راجل البيت وكلمتي هي اللي هتمشي!”
اشتعلت الكرامة في عروق مريم، ووقفت مستندة على ذراع المقعد، رافعة رأسها بتحدٍّ لم يعهده منها:
“كلمتك تمشي على البيت.. على الفلوس.. على أي قرار في الدنيا، إلا أحشائي وجسمي! جسمي مش ملكك يا حسام.”
انصرف حسام صافقاً الباب خلفه، لتبدأ هدنة ملغومة سادها صمتٌ أثقل من الجبال.
الفصل الثاني:

فخ في ثوب رعاية
في اليوم التالي، فاجأتها آلام المخاض مبكراً. تحرك حسام بلهفة غريبة، لكنها لم تكن لهفة أبٍ ينتظر مولوده، بل كانت أشبه بحركة منفّذ لعملية محسوبة بدقة.
حملها إلى سيارته وانطلق نحو مستشفى خاص بعيد عن وسط المدينة، كان قد اختاره بنفسه وسدد تكاليفه الخيالية مسبقاً، مشترطاً طبيبة محددة وجناحاً معزولاً في أقصى الرواق.
في غرفة التجهيز، اشتد الألم، لكن حدس الأمومة كان يصرخ في عقل مريم بأن هناك شراً يُحاك. ومع خروج الممرضة لجلب بعض الأدوات، قررت مريم أن تتحامل على آلامها لتبحث عن الطبيبة وتؤكد رفضها القاطع لأي إجراء خارج نطاق الولادة القيصرية.

الفصل الثالث: المؤامرة خلف الباب الموارب
مشت مريم متكئة على الجدران الباردة، تكتم أنينها وخطواتها تلتصق بالأرض. توقفت عند باب مكتب الطبيبة الذي كان موارباً بضع سنتيمترات، وشلت الصدمة أطرافها حين سمعت صوت حسام المنخفض وهو يقول:
“زي ما اتفقنا يا دكتورة.. الفلوس اللي طلبتيها وصلت لحسابك كاملة. أول ما تفتحي القيصري والولد ينزل، تعملي ربط الأنابيب فوراً.. ويتكتب في التقرير إن كان فيه نزيف طارئ وإنقاذ حياتها تطلب ده، مش عايزها تشك للحظة.”
ردت الطبيبة بصوت خافت:
“متشيلش هم.. التقرير هيكون جاهز والمسؤولية الطبية متغطية تماماً.”

شعرت مريم ببرودة المـ,ـوت تسري في جسدها، لكن في تلك اللحظة بالذات، انقشعت سحابة الضعف، وحلّ مكانها وحشٌ مستعد للدفاع عن كرامته وحياته.
الفصل الرابع: المواجهة المدوية
عادت مريم إلى غرفتها بخطوات سريعة متجاهلة آلام المخاض، وسحبت هاتفها من حقيبتها، ثم اتصلت برقمين في غاية الأهمية:
والدها وأشقاؤها ليكونوا على علم فوري بكل ما يدور.
محامٍ من العائلة لإبلاغه بنيّة إجراء عملية دون موافقة كتابية منها.
وعندما دخلت الطبيبة برفقة الممرضات ومعهن حسام الذي اصطنع ملامح القلق، نظرت مريم في عيني حسام بابتسامة جليدية جعلت الدم يهرب من وجهه، وقالت بصوت مسموع ملأ الرواق:

“أنا مسجلة مكالمتك مع الدكتورة برة، وإقراري الطبي اللي وقعت عليه مفيش فيه غير الولادة وبس.. لو حد منكم لمس شعرة في جسمي برة نطاق القيصري، المستشفى دي هتتقفل والنيابة هتعرف السر اللي إنت مخبيه ورا رغبتك المجنونة دي!”
ارتجفت الطبيبة وتراجعت للوراء خوفاً على ترخيصها المهني، بينما تسمر حسام في مكانه كالصنم بعدما أدرك أن مخططه انهار بالكامل، وأن مريم التي كان يظنها استسلاماً قد انقلبت إلى بركان لا يُقهر.
الفصل الأخير: سر الحقيقة
تمت الولادة القيصرية بسلام، وتحت إشراف طبيب آخر بحضور عائلة مريم، وخرج طفلها إلى النور سليماً معافى.

ولم يمر وقت طويل حتى تكشفت الحقيقة المظلمة التي كان يخفيها حسام:
كان متزوجاً في السر من امرأة أخرى ثرية اشترطت عليه ألا ينجب سوى طفل واحد يرث منه ليضمن ولاءه لها، في مقابل حصوله على ممتلكاتها بالكامل.
خرجت مريم من المستشفى حاملة طفلها بين ذراعيها، تاركة وراءها رجلاً سقط في فخ طمعه، وعاقدة العزم على بداية حياة جديدة، قوية، تملك فيها وحدها جسدها ومصيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى