بنتي عندها ١٥ سنة، وعندها متلازمة داون. وفجأة اكتشفنا إنها حامل…وماحدش كان يعرف مين أبو الطفل…الكل كان بيتكلم عن اللي لازم يتعمل، وكل واحد كان عنده رأي في الحمل.
أما هي… كانت كل شوية تحضن بطنها، وتقول بصوت كله براءة: البيبي هييجي يا ماما…وأنا بحبه.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة هتواجهني هي إني أعرف مين الإنسان اللي أذى بنتي بالشكل ده.
لكن إسورة ورق صغيرة، كانت مخبياها جوه جيب البيجامة…خدتني لطريق عمره ما جه في بالي.
اسمي منى عبد الرحمن، عندي تلاتة وأربعين سنة، وبعيش في مدينة المنصورة…بنتي اسمها رحمة، عندها ١٥ سنة.
اتولدت بمتلازمة داون، واتولدت كمان بقلب أنضف وأطيب قلب شوفته في حياتي. كانت تسلم على كل الجيران، حتى اللي ماكانوش بيردوا عليها…كانت تخبي بونبوني في جيوبها، ولما تشوف حد زعلان تطلع له واحدة وتديهاله بابتسامة.
وكانت بتقعد تبص للسما وتسمي السحاب بأسماء من خيالها. وكل ليلة تنام وهي حاضنة نفس العروسة القماش اللي معاها من وهي عندها خمس سنين.
أبوها سابنا وهي لسه رضيعة…قال وقتها إنه مش مستعد يربي بنت “زي دي”.
ومرجعش سأل عنها ولا مرة، ومن يومها وأنا اتعودت أشيل كل حاجة لوحدي. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
كنت بشتغل موظفة إدارية الصبح، وبعد الضهر أوصل رحمة جلساتها، وأوديها مدرسة التربية الفكرية، وألف معاها على كل نشاط يساعدها تعتمد على نفسها أكتر.
كنت عارفة كل تفاصيل يومها…وعشان كده، أول ما بدأت تتغير، حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
في الأول بقى يجيلها دوخة…وبعدين بطلت تفطر.
وبقت تنام ساعات طويلة…وأوقات كتير كنت ألاقيها حاطة إيدها على بطنها، وكأنها بتحاول تسمع حاجة محدش غيرها سامعها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
افتكرت إنها تعبانة…خدتها الوحدة الصحية يوم التلات الصبح…بعد الكشف، الدكتورة طلبت تتكلم معايا لوحدنا…وقتها حسيت قلبي وقف.
قالت بهدوء: يا مدام منى…بنتك حامل.
الدنيا لفت بيا…. هزيت راسي وأنا بقول: مستحيل…
سكتت الدكتورة لحظة، وبعدين قالت:
لازم نعرف مين والد الجنين.
بصيت على رحمة…كانت حاضنة شنطتها الوردية على صدرها…ماكانش باين عليها إنها متفاجئة.
كانت بس مرعوبة…قربت منها بهدوء.
قلت: يا حبيبتي…
مين بابا البيبي؟
انفجرت في العياط، وقالت وهي بترتعش:
معرفش يا ماما…الكلمتين دول كسروني.
“معرفش.”
في نفس اليوم، الدكتورة بلغت الأخصائية الاجتماعية، وتم تحرير محضر، وإبلاغ النيابة، لأن رحمة قاصر.
وحددوا لها كل الفحوصات اللازمة بشكل عاجل.
والناس كلها كانت بتتكلم عن التحقيقات، والمحاضر، والإجراءات.
وأنا كل اللي كنت شايفاه هو بنتي…مش قادرة أفهم إزاي ده حصل…أول ما رجعنا البيت، التليفون مبطلش يرن… أختي كانت بتضغط عليّ عشان ننزل الحمل.
واحدة من الجيران قالت أكيد حد استغل رحمة.
وواحدة تانية لمحت إن العيب مني، وإني مقصرة في تربيتها…الكل كان عنده كلام…لكن ولا حد سأل رحمة عاملة إيه…بالليل دخلت أوضتها.
لقيتها قاعدة على السرير…بتمسح بإيدها على بطنها برقة… أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة كلها وجع.
مسكت إيدي…وحطتها على بطنها، وقالت:
البيبي هييجي يا ماما…وأنا بحبه.
حسيت قلبي بيتقطع، قلت لها: يا حبيبتي…إحنا قدام حاجة صعبة جدًا.
هزت راسها وقالت:
عارفة…بس البيبي معملش حاجة وحشة.
حضنتها وأنا بعيط…بصتلي وقالت بخوف:
إنتِ زعلانة مني؟
هزيت راسي بسرعة، وقلت: أبدًا…أنا زعلانة من اللي ظلمك…مش منك إنتِ.
ابتسمت ابتسامة خفيفة…وبعدين مدت إيدها في جيب البيجامة…وطلعت إسورة ورق متنية…ناولتهالي.
وقالت: هو قالي ماوريهاش لحد.
فتحتها بهدوء…كانت إسورة دخول لمدينة ملاهي كبيرة، كانت عاملة يوم ترفيهي لذوي الهمم وأهاليهم.
التاريخ المكتوب عليها رجعني فورًا لليوم ده.
افتكرت إنه كان يوم جمعة…أنا كنت في الشغل طول اليوم…وأخت جوزي، أمل، هي اللي عرضت تاخد رحمة مع مجموعة من أولاد المركز.
بصيت لها وسألتها: مين اللي اداكي الإسورة دي؟
وطت راسها وقالت: راجل طيب.
قلت: اسمه إيه؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت جملة جمدت الدـ,ـم في عروقي:
قال لي ماقولش اسمه…عشان هو بيشتغل هناك.
ولو حد سأل…أقول إن كل اللي حصل كان مجرد لعب.
تاني يوم الصبح، أخدت الإسورة وروحت بيها على النيابة. كنت فاكرة إنها مجرد دليل جديد.
لكن أول ما وكيل النيابة شاف شعار المكان، ملامحه اتغيرت…فتح ملف قديم.
وطلع كام صورة…وحطهم قدامي.
كلها كانت لأساور بنفس الشكل.
جاية من بلاغات اتقدمت خلال السنة اللي فاتت.
كلها لأسر عندها بنات أو أولاد من ذوي الهمم.
وكلهم كانوا راحوا نفس مدينة الملاهي.
وكلهم، بطريقة أو بأخرى…
اتكلموا عن راجل.
راجل…اسمه عمره ما اتسجل ضمن العاملين الرسميين في المكان. حكايات_مني_السيد
صلي على حبيب الله القصه مدهشه للمتاابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار الافتراضات هي أكبر عدو للحقيقة… وقفت في مكتب وكيل النيابة، والرعـ,ـب بيتحول لبرود تام في جسمي. الصورة وضحت: اللي أذى رحمة مش مجرد شخص استغل لحظة ضعف، ده “شبح” بيتصيد الأطفال من ذوي الهمم في أماكن المفروض إنها أمان ليهم، وبيستغل براءتهم وطيبتهم عشان يضمن سكوتهم.
وكيل النيابة تبادل نظرات سريعة مع الضابط المسؤول، ورجع بصلي وقال بصوت جاد:
“يا مدام منى… الأساور دي بتتصرف خصيصاً للمرافقين أو العاملين في الفعاليات الخيرية. الإسورة اللي معاكي عليها ختم برقم تسلسلي خاص بالفعالية اللي أخت زوجك أخدت رحمة ليها.”
على طول كلمت أمل، أخت جوزي السابق. جابوها النيابة للشهادة، وكانت بترتعش ودموعها نازلة:
“والله يا منى ما سيبتها! أنا كنت معاها، بس في نص اليوم رحمة قالتلي إنها عايزة تدخل الحمام… وأنا كنت مساكة إيد ابني الصغير، فطلبت من مشرفة هناك تأخدها وترجعها لي… المشرفة خدتها ورجعتها بعد ربع ساعة، ورحمة كانت بتضحك ومعاها غزل بنات، وما قالتش أي حاجة غريبة!” من هنا بدأت الخيوط تتجمع. النيابة طلبت تفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بمدينة الملاهي من اليوم ده – ورغم إن التاريخ كان من كام شهر، إلا إن البلاغات القديمة كانت مجبرة الإدارة تحتفظ بالجيل القديم من التسجيلات.
طوال الأيام دي، كنت برجع البيت ألاقي رحمة قاعدة في أوضتها، بتلون صور عرايس وحاملات أطفال، وبتغني بصوت واطي للطفل اللي في بطنها. كانت الدكاترة في المستشفى بيحذروني من خطورة الحمل على صحتها، وأختي لسة بتضغط عليا عشان “ننهي المهزلة دي”، لكن رحمة كانت بتتمسك ببطنها بطفولة وتقولي: “البيبي حبيب رحمة يا ماما… ربنا بعتهولي عشان يلعب معايا.”
كان قلبي بيتقطع بين خوفي على حياتها وجسمها الصغير، وبين براءتها اللي شايفه الوجود ده هديّة مش جريمة.
بعد أسبوع من البحث والتفتيش، استدعاني وكيل النيابة تاني.
على الشاشة، كان يعرض فيديو لتفريغ الكاميرات… ظهرت رحمة وهي طالعة من منطقة الحمامات، وواقف جنبها شخص لابس زي الشخصيات الكرتونية (دبدوب كبير) اللي بتوزع هدايا على الأطفال. الشخص ده خد رحمة من إيدها وغابوا عن عين الكاميرا لمدة 20 دقيقة في ممر خلفي للمخازن غير مغطى بكاميرات. الضابط قال: “الشخص ده مش شغال في الشركة الرسمية للملاهي… ده متطوع من جمعية أهلية شاركت في تنظيم اليوم ده!”
وبالرجوع لكشوف المتطوعين وتتبع بصمات الأساور والتسجيلات… انكشفت المفاجأة الصادمة. الراجل ماكانش غريب… كان شغال “مساعد أخصائي نفسي” في إحدى الجمعيات المجاورة للمنصورة، وبيحضر الأيام الترفيهية دي بصفة منتظمة كـ “متطوع خير”! شخص بره الشبهات تماماً، بيمتلك وجه ملائكي وسمعة طبية، وبيستغل قدرته على التعامل مع ذوي الهمم لكسب ثقتهم الشديدة وسرعة تنفيذه لجريمته دون ما يثيروا أي ضجة. القبض عليه تم في نفس اليوم. وفي المواجهة بالدليل المادي وبصمات الـ DNA اللي اتأكدت بعد الفحوصات… انهار واعترف بجرايمه كلها، وبإستغلاله لبراءة رحمة وغيرها من الأطفال.
بس النهاية ماكانتش هنا… القضية أخدت مجراها القانوني وحُكم عليه بأشد العقوبات، لكن المعركة الحقيقية كانت عندي في البيت.
الفحوصات الطبية أثبتت إن كتمان الحمل وتقدمه مخلي خيار الإجـ,ـهاض يشكل خطورة أكتر على حياة رحمة بسبب مشاكل في قلبها. قررت أحمي بنتي، وأقف في وش كلام الناس والجيران والشرق والغرب. وبعد شهور صعبة، شيلت فيها حمل النظرات والهمسات قبل حمل بنتي… ولدت رحمة بنوتة صغيرة زي القمر. أول ما رحمة شالت الدكتورة البنت وحطتها في حضنها، بصتلي ودموعها نازلة بابتسامة ناعمة وقالت:
“بصي يا ماما… البيبي بيبصلي إزاي؟ أنا هبقى أم شاطرة صح؟”
في اللحظة دي، عرفت إن اللي أذى بنتي أخد عقابه في السجن… لكن رحمة ببراءتها ونقاء قلبها، قدرت تحول أكبر جـ,ـرح في حياتنا لأمل جديد، وطفلة هتربيها إيدين أطهر إنسانة في الدنيا، وتحت حمايتي أنا… الأم اللي مش هتسمح لأي ظالم يلمس عيلتها تاني.