كانت مريم تقف في المطبخ تُعد العشاء المفضل لزوجها عاصم، ترتب الأطباق بابتسامة هادئة رغم التعب الذي يثقل كتفيها. خمس سنوات مرت على زواجهما، كانت فيها نعم الزوجة الصابرة، وقفت بجانبه حين بدأ من الصفر، وشاركته مرارة البدايات حتى استقرت أحواله واغتنى. كانت نقطة ضعفها الوحيدة التي يعرفها الجميع، ويعلمها عاصم أكثر من أي شخص، أنها يتيمة الأبوين، نشأت في دار للرعاية ولم يكن لها في هذه الدنيا سند ولا ظهر سوى هذا الرجل الذي اختارته ليكون عائلتها وعالمها بأكمله.
انفتح باب الشقة فجأة، فخرجت مريم ترحب به بوجه مشرق:
«حمد لله على السلامة يا عا…»، لكن الكلمات تجمدت في حلقها، ووقفت مشدوهة والدموع تحتبس في عينيها. لم يكن عاصم بمفرده؛ كانت تقف إلى جواره امرأة ترتدي ثياباً فاخرة، تتبختر بكبرياء وتنظر لأرجاء البيت بتعالٍ واضح، ويدها تستقر بثقة داخل ذراعه.
ابتلعت مريم ريقها بصعوبة وقالت بصوت يرتجف: «مين دي يا عاصم؟»
نظر إليها عاصم ببرود قاسٍ، دون أن تطرف له عين، وقال بنبرة خالية من أي رحمة: «دي نورهان…
مراتي الجديدة.»
سقطت الملعقة من يد مريم على الأرض برنين حاد شق صمت الشقة، وتراجع جسدها إلى الخلف وهي تضع يدها على صدرها كأن أنفاسها سُحبت منها دفعة واحدة. نظرت إليه بعدم تصديق، عيناها تتسعان بذهول ومرارة، ثم انفـ,ـجرت بالبكاء والنحيب، وانهارت على ركبتيها وهي تردد بصوت متقطع يحـ,ـرقه القـ,ـهر: «مراتك؟! حرام عليك يا عاصم… بتعمل فيا كدا ليه؟ عملتلك إيه عشان تدبـ,ـحني بالطريقة دي؟ أنا شيلتك في عيني، ضحيت بعمري ووقفت جنبك في الفقر والمر والديون… ليه الغدر دا كله؟
ليه تكـ,ـسر قلبي بالسهولة دي وتدخلها بيتي قدام عيني؟»
تقدمت نورهان خطوة للأمام ونظرت لمريم بازدراء، بينما ظل عاصم واقفاً مكانه، يرمق انهيار زوجته بملامح جامدة كالجليد. لم يتحرك ليهدئها، ولم يرف له جفن أمام دموعها التي كانت في الماضي تهزه، بل تنهد بضيق وكأن دموعها مجرد إزعاج لا طائل منه.
اقترب منها خطوتين وقال بنبرة جافة لا تحمل ذرة عطف: «صوتك ميعلاش هنا، والتمثيلية دي تخلص حالاً. البيت دا بيتي وأنا حر أعمل فيه اللي يعجبني.
ونورهان من النهاردة سيدة البيت دا وليها الجناح الرئيسي.»
رفعت مريم رأسها المبتل بالدموع، تنظر إلى وجه الرجل الذي ائتمنته على عمرها، وقالت بصوت يخنقه الألم: «عايزني أعيش مذلولة وأشوفك معاها في نفس المكان؟ مش هقبل دا يا عاصم، أنا مش هقدر أتحمل.»
ابتسم عاصم بسخـ,ـرية لاذعة، ونظر إليها بتحدٍ مقيت قبل أن ينطق بكلمات كانت أشد قسـ,ـوة من الخـ,ـيانة نفسها: «مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل، لو مش عاجبك امشي دلوقتي حالاً… بس متنسيش، هتروحي فين يعني؟
انتي كدا كدا ملكيش أهل عشان تروحيلهم، ملكيش حد في الدنيا يسأل عنك ولا ضهر يسندك، فالأحسن ليكي توطي صوتك وترضي بالأمر الواقع وتدخلي أوضتك تسكتي.»
ترددت كلماته في أذنيها كوقع السهام: «كدا كدا ملكيش أهل». كانت تلك هي الضـ,ـربة القاضية التي انتزعت ما تبقى من حب في قلبها، واستبدلت به مرارة ويقظة صادمة. نظرت إلى وجهه الذي تجرد من كل مروءة، وإلى تلك الواقفة بجانبه تبتسم بشماتة، وفجأة، توقفت دموع مريم عن الانهمار.
مسحت عينيها بظهر يدها ووقفت ببطء، رغم ارتجاف جسدها، لكن نظرتها تغيرت تماماً؛ اختفت نظرة الاستعطاف والانكـ,ـسار، وحل مكانها صمت بارد وعميق.
لم تقل كلمة واحدة، ولم تصرخ، بل استدارت بهدوء ودخلت غرفتها، متيقنة في تلك اللحظة بالذات أن من استضعف غياب سندها البشري قد نسي أن لها رباً لا يغفل عن قلب انكسر ظـ,ـلماً، وأن رحلتها الحقيقية لاستعادة كرامتها بدأت للتو.