كان الصمت داخل جدران ذلك البيت أثقل من أن يُحتمل، ههدوء يسبق عاصفة يعرف الجميع موعدها لكن يجهلون حجم تأثيرها. في شقة حسام، كان الهواء مشبعًا بالترصد. جلست الحاجة “فوزية” على أريكتها في صدر الصالة، تتابع شاشة التلفاز بنصف عين، بينما النصف الآخر مُسلّط نحوي بدقة مَن يتربص بخطأ. لم تكن تبحث عن هدوء بقدر ما كانت تصنع ذرائع لتوتر تريده وتخطط له. خطوتُ بحذر نحوها حاملة صينية الشاي، وصوت ارتطـ,ـام الفنجان بالطبق الصغير كاد يُعلن عن نبضات قلبي المتسارعة: — “اتفضلي يا ماما.. الشاي سخن ومظبوط زي ما طلبتي.”
نظرت فوزية إلى الفنجان بانزعاج مقصود، ورفعت طرفه بأصابع متكلفة قبل أن تتركه يرتـ,ـطم بالصينية مجددًا ليتناثر الرذاذ: — “بارد ولا يعجبني! هو إنتِ مبتفهميش خالص؟ ولا طبع أهلك كده لا نافعين في تقديم شاي ولا في قعدة بيوت؟” ابتلعت التعليق القاسي كما اعتدت أن أفعل طوال شهور زواجي، وحاولت استعادة الصينية بهدوء: — “حقك عليا يا طنط.. هغيره لحضرتك حالا.”
لكنها لم تكن معنية بالشاي ولا بحرارته؛ كانت تريد فرض سيطرتها وإزعاجي. وقفت فجأة بجسدها وسدت ممر المطبخ، وعيناها تلمعان بغضب: — “طنط في عينك! وماما دي متقوليهاش على لسانك.. إنتِ فاكرة نفسك خلاص بقيتي ست الهوانم وعمرتي البيت؟ ده إنتِ جاية من بيت بسيط وداخلة على خير ابني!” تلك العبارة كَسرت آخر حاجز للصبر داخلي. تجمدت مكاني، ورفعت عيني نحوها مباشرة، وقلت بصوت خرج مرتجفًا لكنه مفعم بالكرامة: — “أنا متربية في بيت ناس شبعانين ومحترمين يا طنط.. والبيت اللي جيت منه أبويا الله يرحمه تعب فيه وشقيه، ومحدش ليه فضل عليا غيره.”
لم تكد الكلمة تستقر حتى احتد النقاش وارتفعت الأصوات بصورة حادة ومؤلـ,ـمة أطاحت باتزاني، وارتطم رأسي بحافة الباب الخشبي. تلاشت الرؤية للحظات وسط توتر حاد، بينما تعالى صوتها بالاعتراض والمشادة: — “وبتردي الكلمة بعشرة؟! ده أنا هعرفك الأصول من أول وجديد!” امتدت يدها فمزقت حجابي، وتوالت الكلمات الجارحة والاعتراضات العشوائية على كتفي وظهري كأنها تنتقم من سنوات عمرها الماضية. سقطتُ أرضًا، وتكومت حول نفسي أبكي من القهر، حتى تعبت وتركَتْني ملقاة على الأرض وهي تلهث وتحذرني من التفوه بكلمة لحسام حين يعود.
زحفتُ نحو غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح، وجسدي يرتجف بنوبة بكاء. مسكت الهاتف بأصابع مرتعشة، ولم أجد في هذا العالم ملاذًا ولا أمانًا سوى رقم واحد.. “الحاجة سناء”، أمي. جاء صوتها الرصين عبر الهاتف: — “ألو.. خير يا ندى يا بنتي؟” لم أستطع سوى أن أطلق صرخة مكتومة بين شهقات الدموع: — “الحقيني يا ماما.. حماتي زعقتلي جامد وهانت أبويا الله يرحمه!” سكت الخط تمامًا لثلاث ثوانٍ، ثم نطقت أمي بجملة واحدة هادئة لدرجة الحزم: — “اقفلي على نفسك أوضتك.. ومتفتحيش لحد.”
أغلقت أمي الهاتف، وساعتها أدركت أن أمورًا كبرى ستتغير. الحاجة سناء ليست من النساء اللواتي يستسلمن للضعف؛ إنها امرأة صلبة، شربت أصول الشهامة ورد الكرامة، لا تقبل الضيم ولا تسمح لكائنٍ أن يمس كرامة بناتها. لم تمضِ ساعة واحدة حتى اهتزت العمارة كلها بدقات عنيفة على باب الشقة، دقات لم تكن طلباً للدخول بل إعلاناً لوصول موقف حاسم. خرجت فوزية متبخترة نحو الباب، واثقة من أن أمي قادمة للحديث بهدوء خوفاً من المشاكل.
فتحت الباب بابتسامة ساخرة، لكنها لم تجد امرأة تترجى؛ بل وجدت سناء واقفة بكامل شموخها، بعباءتها السوداء الملفوفة بحزم، وعيناها تلمعان بصرامة. نظرت أمي فوق كتف فوزية، ورأتني أقف بعيداً بعين متورمة، ووجه شاحب، وحجاب ممزق على كتفي. تحولت ملامح أمي إلى قناع صارم، وسألت بنبرة هادئة باردة: — “إنتِ اللي تعاملتي بالشكل ده مع بنتي وبطريقة غير لائقة؟” أجابت فوزية بتبجح وغطرسة: — “آه أنا.. وبنتك قليلة الأدب وتستاهل اللي حصل و—”
لم تكمل الحرف الأخير. في جزء من الثانية، تدخلت أمي بحزم شديد ووقفت في وجه غرور حماتي لتبدأ مواجهة قوية وحاسمة أربكت الصالة بأكملها. حاولت حماتي الدفاع عن نفسها، لكنها أمام اندفاع أمي وغضبها تحولت إلى تراجع واضح، وتراجعت للخلف تستغيث بالجيران: — “الحقوني يا ناس! الست هتاخد حق بنتها بقوة!” وقفت أمي فوقها تضبط أنفاسها، ثم نظرت نحوها باحتقار أخير، والتفتت إليّ بصوت قاطع لا رجعة فيه: — “المي حاجتك كلها يا ندى.. البيت اللي ملوش أصل يحترم العشرة، ميشرفناش ولا نتشرف بيه دقيقة واحدة.”
خرجنا من البيت ورؤوسنا مرفوعة، بينما الجيران يتفرجون في ذهول. وسرعان ما اشتعلت الأمور في عائلة حسام؛ فالأم كُسرت شوكتها وفُضحت في المنطقة بأكملها. وتحت وطأة الضغط العائلي، أرسل حسام ورقة طلاقي الغيابي بعد أيام معدودة، ظناً منه أنه يعاقبني. مرت شهران، وتحول غضب حسام إلى ندم مرير؛ أدرك أن أمه كانت المخطئة، وأن خسارة بيته لم تكن سوى ثمن لتعنتها. بدأ الوسطاء يترددون على بيتنا، وجاء حسام بنفسه يجلس في صالوننا مطأطئ الرأس، يحاول ترميم ما تهدم.
تحدث حسام بنبرة اعتذار باهتة موجهة لأمي: — “يا حاجة سناء، إحنا شاريين ندى وعايزين نلم الشمل.. البيوت مبتتخربش بسهولة، وأنا مستعد أرجعها فوراً.. بس في شرط واحد عشان كرامة أمي ترتاح والناس تبطل كلام.” ضيقت أمي عينيها بابتسامة ذكية: — “وقولك إيه هو الشرط يا سي حسام؟” تنحنح وهو يفرك يديه بارتباك: — “أمي نفسيتها متأثرة وعايزة اعتذار رسمي.. عشان المية ترجع لمجاريها، تيجي حضرتك معانا البيت، وتعتذري قدام خالاتي، وتبـ,ـوسي على راسها.. وساعتها ندى ترجع معززة مكرمة.”
انتفض قلبي غضباً، وكدت أصرخ رافضة هذه المهزلة، لكن أمي رفعت يدها لتسكتني، وقالت بهدوء تام وابتسامة غامضة: — “عين العقل يا حسام.. الحق والواجب ميزعلش حد، وإحنا بتوع واجب.. بكرة العصر أنا وندى عندك في البيت عشان أنهي الموضوع بنفسي.” في اليوم التالي، توجهنا إلى منزلهم. كان الصالون هناك محتشداً بالخالات والقريبات، وفوزية تجلس على كرسيها كملكة منتصرة تنتظر مراسم الخضوع، تتصنع المرض وتضع شالاً حول كتفيها لتزيد من مظهر الضحية.
دخلت أمي بخطى واثقة وثابتة، وألقت السلام ببرود. تقدمت نحو فوزية التي رفعت رأسها بغـ,ـرور مفرط ومدت جبهتها باستهزاء قائلة بصوت متغطرس أمام الجميع: — “أهو عشان تعرفي إن الله حق، وإن المقامات محفوظة، وإنك جاية ترضي راسي صاغرة بعد اللي عملتيه!” وقفت أمي أمامها مباشرة، ومالت نحوها كأنها ستقبّل رأسها بالفعل، لكنها همست في أذنها بصوت خافت: — “أنا جيت عشان أكمل الموقف للاخر وما أسيبش حق بنتي!”
وقبل أن تستوعب فوزية الكلمات، أظهرت أمي موقفاً حازماً وقوياً جعل الصالون يشتعل بالتوتر والاعتراضات السريعة! تعالت صرخات الخالات، وتناثرت فناجين الضيافة، وسقطت فوزية مجدداً على المقعد تستغيث وسط ذهول الجميع، بينما أمي تلقنها درساً قوياً هز أرجاء المكان بصوتها الحاسم: — “الاعتذار ده عشان لسانك ما يتطاولش تاني، وبنتي أشرف منك ومن بيتك، ورجوع مش راجعين.. ولو شوفت وشك في سكتنا تاني هيكون لينا تصرف تاني خالص!”
سحبتني أمي من يدي وسط ذهول وصدمة حسام وعائلته الذين تجمدوا من هول المشهد، وخرجنا والباب يصفق خلفنا بقوة، تاركين خلفهم شروطهم وبيتهم وذكرياتهم، لتثبت الأيام أن الكرامة التي تحميها يدٌ شجاعة لا يمكن أن تنكسر أمام أي شرط أو تنازل.