يا ستي، تعالي أحكيلك على اللي حصل في اليوم الشوم ده.. كان عندي حفلة صغيرة في البيت، ملمومين فيها أنا وأصحابي وبنضحك ونتصرف على براحتنا، ومن ضمنهم صاحبتي الأنتيم “نهى” (أو اسميها زي ما تدلعوها).. اليوم كان ماشي زي الفل، أغاني وضحك وأكل، وكل حاجة تمام، لحد ما الحفلة خلصت والناس كلها بدأت تمشي. جيت أدور على موبايلي عشان أطمن على الساعة وأشوف اللي ورايا.. الموبايل فص ملح وذاب!
أدور يمين، أدور شمال، تحت الكنب، بين المخاد، في المطبخ.. مفيش أثر! جوزي واقف يراقب الوضع وساكت، وفجأة لقيته بيشدني على جنة وبيقولي بصوت واطي بس حاسم: – “بقولك ايه يا جيهان.. صاحبتك فلانة هي اللي سـ,ـرقته! ما مفيش حد دخل الأوضة دي غيرها وهي ماشية.” أنا طبعاً دمي غلى وقطعت كلامه فوراً: – “أنت بتقول ايه يا أحمد؟! دي صاحبة عمري! مستحيل تعمل حركة زي دي، أنت أسرع حد بيتهم الناس بالباطل!”
بس الشك لما يدخل العقل بيبوظ الدنيا. كلمت صاحبتي وتليفونها طبعاً غير متاح، كلمتها على التليفون الأرضي لبيتهم وقولتلها تجيلي فوراً. جاتلي جري، وبصيت في عينها وقولتلها بصراحة: – “يا فلانة.. أنا موبايلي ضاع بعد الحفلة، هو أنتِ خدتيه بالغلط أو حصلت حاجة؟” أول ما سمعت الكلمة، البنت عينيها اتملت دموع وقعدت تعيط بانهيار وتقولي: – “أنا يا جيهان؟! أنا أسـ,ـرقك أنتِ؟! والله العظيم ما لمسته، اكيد فيه حاجة غلط، دوري كويس وحياة أغلى حاجة عندك ما تظلمينيش!”
صعبت عليا جداً وحسيت بذنب رهيب إني شككت فيها. قعدنا ندور تاني الثلاثة في كل شبر في الشقة، ونرن على الرقم من تليفون أحمد، التليفون صامت ومفيش فايدة.. الجو بقا متوتر جداً والشكوك عمالة تزيد. هنا أحمد جوزي قال بثقة: – “بقولكم ايه.. الرغي ده مش هيجيب نتيجة. الشقة فيها كاميرات عند المداخل وفي الصالة.. تعالوا نرجع الكاميرات ونشوف مين اللي حط إيده عليه، والحقيقة تبان!” قعدنا كلنا قدام الشاشة، وأحمد بدأ يرجع تسجيلات الساعة الأخيرة من الحفلة. البنت قاعدة جنبنا أيديها بتترعش من القلق، وأنا قلبي بيلعب..
شغلنا الفيديو.. شفنا الناس وهي ماشية، وشفنا صاحبتي وهي بتسلم عليا وبتاخد شنطتها، وشنطتها كانت مفتوحة ومفيش فيها أي حاجة! خرجت من الباب بريئة وزي الفل.. صاحبتي اتنفست الصعداء ونظرت لي نظرة فيها عتاب وارتياح. بس المفاجأة كانت في الكاميرا اللي كاشفة زاوية الصالة القريبة من المطبخ!
ظهر في التسجيل إن وأنا ملهية بوزع العصير على الضيوف، ابننا الصغير (إياد – 4 سنين) مشي على أطراف صوابعه، سحب الموبايل من على الترابيزة بكل هدوء وشقاوة.. ومشيت الكاميرا وراه وهو داخل المطبخ، فتح باب غسالة الأطباق، وحط الموبايل جوة بين الأطباق، وقفل الباب بمنتهى الثقة ورجع يلعب باللعب بتاعته ولا كأن حاجة حصلت! أنا وأحمد وبنت صاحبتي برقنا في الشاشة.. الصمت سيد المكان لمدة 5 ثواني، وبعدها فركنا كلنا من الضحك بشكل هيستيري!
جريت على المطبخ فتحت الغسالة، لقيت الموبايل مستخبي جوة وسط الفناجين والطباق! طبعاً اتكسفت من صاحبتي جداً، قعدت أعتذر لها وأبوس رأسها، وأحمد كمان اعتذر لها وقالها حقك عليا أنا اللي استعجلت.. وعزمتها على عشاء محترم عشان أصلح الغلطة دي، وأخدنا إياد الصغير قعدنا نغلس عليه ونضحك على المصيبة اللي كان هيتسبب فيها! كلام أحمد كتم صوته، بس مشاعره القديمة ما ماتتش بالساهل.
مرت الأيام بعد ليلة الفاتحة، ورغم إن الترتيبات كانت ماشية، إلا إن أبويا مكانش ساكت. كان بيحوم حوالين منطقتنا، وكل يوم يبعت حد من كبار العيلة: “أنا اتعلمت الدرس.. أنا ندمان على كل كلمة وكل تصرف عملته، وأمكوا دي حبيبتي وأصل بيتي.” وفي يوم، لفينا ولقيناه واقف تحت البيت بيستناني وأنا نازل شغلي. وشّه مكانش فيه التحدي بتاع ليلة العريس، كان باين عليه الانكسار والتعب. المواجهة تحت البيت
قرب مني، وبصلي في عيني وبدأ يكلمني بصوت مكسور أول مرة أسمعه منه:
“يا ابني.. أنا عارف إنك زعلان مني، وعندك حق. أنا غلطت في حقكوا وفي حق أمك، وشيطاني عماني. بس أنا مش قادر أستوعب إن ست تانية تاخد مكان أمك أو إن بيتي يتهد للأبد. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان ترضى عني وترجعلي.” أنا وقفت متكتف، جُواي صراع بين وجعي منه وبين إني شايف أبيا بيترجى. قلتله بجمود: “بعد إيه يا بابا؟ بعد ما جرحتها وفضّلت نسوان الغريب علينا؟ بعد ما جيت فضـ,ـحتنا قدام العريس وأهله؟ أمي صدقت تلاقي راجل يحترمها ويعوضها.”
رد عليا بلهفة وهو بيحلف كل أيمانات المغلوب: “والله العظيم اتغيرت! مسحت كل حاجة، وقطعت كل علاقاتي، ومستعد أحط إيدي تحت جزمتها. أنا مش عايزه غير فرصة واحدة أثبتلكوا فيها إن كلامي ده مش مجرد هسّة وخلاص.” الشرط التعجيزي
القصة مكانتـش سهلة، أمي عاشت سنين بتعاني، والرجوع مش بالكلمات. فكرت لحظة، وقررت أحط شرط يختبر مدي صدقه، ويجيب لأمي ولينا اعتبارنا قدام المنطقة كلها. بصلت له وقلتله بصرامة:
“عايز ترجع؟ وعايزنا نصدق إنك اتغيرت بجد وعايز ترفع رأس أمنا؟ قدامك شرط واحد ومفيش غيره.. تعمل لأمي فرح كبير جداً، زي فرح أي عروسة جديدة، وتكتبلها مؤخر محترم، وتعتذر لها قدام كل العيلة والناس اللي اتكلمت في حقها. تعوضها عن السنين اللي زعلتها فيها، وتعملي أنا وإخواتي حفلة ونفرح بيكوا من جديد وكأنكوا بتتجوزوا لأول مرة!” أبويا اتفاجئ بالشرط. الفرح مصاريفه تقيلة، وفوق ده كله هيهز كبرياءه النرجسي اللي كان عايش بيه، لأنه هيقف قدام الناس كلها يعلن إنه بيطلب رضاها وبيبدأ معاها صفحة جديدة.
القرار والتحول
قعد يسكت شوية، وبص للأرض، وبعدين رفع رأسه وقال بنبرة صادقة لأول مرة في حياتي أسمعها منه: “موافق يا ابني.. لو الفرح ده هو اللي هيرجعلي عزتي وبيتي، ولو ده اللي هيغسل ذنبي قدام أمك وقدمكوا، أنا مستعد أعمل أفضّـل فرح في البلد، وأجيب لها كل اللي تتكتم بيه.” الخبر نزل على العيلة زي الصاعقة. العريس “أحمد” لما عرف باللي بيحصل، انسحب بشهامة وقال: “أنا كنت داخل أستر وأصون، طالما أبوكوا ندم وعايز يلم شمل البيت وأمكوا لسه لها حنيّة ليه، أنا بالخير وبدعي لكم بالتوفيق.”
النور والبداية الجديدة
أبويا حط كل حيلته وإمكانياته عشان يفي بعهده. أجر القاعة، وجاب لأمي فستان جميل يليق بيها، وعمل عزومة كبيرة جمع فيها كل قرايبنا وجيرانا. في ليلة الفرح، أمي كانت طالعة زي الملكة، والدمعة في عينها بس المرة دي كانت دمعة رد الاعتبار. أبويا مسك المايك قدام الكل، وقدم اعتذار صريح لها ولينـا، ووعدها إن اللي فات مات، وإن الصفحة الجديدة مش هيدخلها أي إنسان يخـ,ـربها. الموقف اللي بدأ بـ “خناقة وخراب بيت”، انتهى بدرس قاسي غير أبويا للبد، ورجّع لأمي كرامتها وفرحتها اللي انسـ,ـرقت منها لسنين.