روايات

قصة بعنوان: “الميزان غير المضبط” ​في منزل هادئ،

قصة بعنوان: “الميزان غير المضبط” ​في منزل هادئ، كانت “سارة” تمضي يومها في سباق دائم مع الزمن. تبدأ يومها مع أذان الفجر، لتجهيز وجبات الأطفال، وتنظيم المنزل، ومتابعة دروسهم، فضلاً عن تلبية متطلبات زوجها “خالد”. ​وعلى الجانب الآخر، كان خالد يعود من عمله كمحاسب في إحدى الشركات وهو يشعر بالإرهاق الشديد. وما إن يطأ قدمه عتبة الباب، حتى تبدأ الشكوى المعتادة: “أنا راجع ميت من الشغل والتفكير، إنتِ قاعدة في البيت طول اليوم مرتاحة، إيه التعب يعني؟!”. ​نظرة قاصرة وظلم غير مقصود ​كان خالد يرى أن “العمل الحقيقي” هو فقط ما يجلب المال ويتم خارج جدران المنزل.

أما تنظيف المنزل، وتربية الأطفال، وإعداد الطعام، ومواجهة الضغوط النفسية المستمرة لإدارة شؤون الأسرة، فكان يعتبرها أموراً ثانوية أو “فراغاً” تملأ به سارة وقتها. ​كانت سارة تحاول مراراً وتكراراً أن تشرح له حجم المسؤولية، وأنها لا تجلس دقيقة واحدة راحة، لكن كلماته كانت تلاحقها دائماً كظل ثقيل: “تعبك؟ تعب إيه وإنتِ في التكييف؟!”. مع مرور الوقت، تسلل الإحباط إلى قلب سارة، وبدأ شغفها واهتمامها بالتراجع،

ليس عن كسل، بل لأن روحها كانت تذبل من جحود التقدير. ​التجربة العكسية: يوم في عالم سارة ​في أحد الأسابيع، قررت شقيقة خالد الكبرى زيارتهم، ولاحظت حالة الإرهاق الشديد التي تسيطر على سارة، والتوتر المستمر بين الزوجين. وقفت سارة وقالت بانهيار لطيف: “يا ريت خالد يقعد يوم واحد بس مكاني، ويعرف أنا بعمل إيه!”. ​هنا، التقطت الأخت الفكرة واقترحت تحدياً: “ما تقضي إنتَ يوم إجازتك يا خالد في البيت لوحدك من غير سارة، وهي تروح تقضي اليوم ده عند ماما ترتاح، وتجرب تشوف اليوم ماشي إزاي”. ​قبل خالد التحدي بثقة تامة، وهو يبتسم بسخرية ويقول في نفسه:

“ومااله، يوم راحة من الشغل ونتسلى شوية في البيت”. ​صدمة الواقع ​ صل على النبي واكتب تم وتابع باقي القصة استيقظ خالد صباح يوم التحدي وهو يمني نفسه بيوم هادئ ومريح؛ تناول قهوته ببطء بينما كان يتابع هاتفه، موقناً أن إدارة المنزل لا تعدو كونها ترتيب بضع وسائد وإعداد وجبة سريعة. لكن ما إن غادرت سارة متوجهة إلى منزل والدتها، حتى بدأ “الميزان غير المضبط” يميل بعنف ليصدمه بحقيقة لم يكن يتخيلها.

لم تهنأ عينا خالد بالهدوء دקות معدودة؛ فما هي إلا لحظات حتى استيقظ الصغيران في توقيت واحد، أحدهما يبكي بصوت مرتفع بحثاً عن أمه، والآخر يسأل بإلحاح عن وجبة الإفطار المفضلة التي لم يكن خالد يعرف حتى مكان مكوناتها في المطبخ. حاول خالد أن يحافظ على هدوئه، فدخل المطبخ ليعد الحليب والفطور، وبينما هو منشغل بذلك، تفاجأ بصوت صراخ قادم من غرفة المعيشة؛ فقد سكب الطفل كوب العصير بأكمله على السجاد الجديد، وبدأ الاثنان في الشجار حول الألعاب.

في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الهاتف؛ كانت إدارة المدرسة تنذره بأن أحد الطفلين قد نسي كراسة الواجب الأساسية، وأنه يجب تدارك الأمر قبل الحصة الأولى. شعر خالد بوهج الحرارة يعلو وجهه، وتطايرت أوراق التخطيط الوهمية التي بناها في ذهنه عن “الراحة المنزلية” أمام رياح الواقع العارم. لم يكد ينتهي من تنظيف الفوضى وتهدئة الصغار حتى وجد نفسه محاصراً بطلبات لا تنتهي: هذا يريد ارتداء حذائه، وتلك تبحث عن لعبتها المفضلة الضائعة، والمنزل من حوله يتحول تدريجياً إلى ساحة معركة مصغرة.

ومع حلول منتصف النهار، وجد خالد نفسه عاجزاً عن التقاط أنفاسه؛ فلم يحظَ بالدقيقة الهادئة التي وعد بها نفسه، بل وجد ركبتيه ترتجفان من كثرة الحركة والانحناء والتنظيف المستمر وملاحقة الأطفال في كل أرجاء البيت. أدرك حينها أن العمل المكتبي الذي كان يرهقه، على صعوبته، يمنحه في النهاية ساعات محددة للراحة، بينما عمل سارة في البيت هو وظيفة بلا نهاية، بلا إجازات أسبوعية، وبلا أجر مادي يسند تعبها، والأقسى من ذلك كله أنه بلا كلمة شكر واحدة تخفف وطأته.

وعند غروب الشمس، فتحت سارة الباب عائدة لتجد منظراً لم تكن تتوقعه؛ خالد جالس على أريكة صالة المعكسة وقد بدت عليه علامات الإنهيار التام، وشعره أشعث، والصغار يلهون حوله بينما هو غارق في حالة من الصمت والذهول. وقفت سارة مترددة، فأنزل خالد رأسه بندم بالغ، ووقف ليتجه نحوها، وقال بصوت خفيض يقطر اعترافاً بالخطأ: “حقك عليّ يا سارة.. طلعت أنا اللي كنت عايش في راحة، والميزان في بيتنا كان مقلوب وميلته بجهلي.. سامحيني”.

ابتسمت سارة بصفاء، وأدركت أن قسوة الكلمات قد انكسرت أخيرًا، وأن العدل قد عاد ليضبط ميزان بيتهما على أساس من التقدير المتبادل والشراكة الحقيقية التي لا تسقط حق متعب ولا تبخس جهود محب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى