روايات

الخدمة الشاقة توقفت “فريدة” على أول الشارع لتلتقط أنفاسها

الخدمة الشاقة
توقفت “فريدة” على أول الشارع لتلتقط أنفاسها. كانت السلسلة الفقرية لظهرها تؤلمها بقوة بعد تسع ساعات متواصلة من العمل في مركز خدمة العملاء، ناهيك عن ساعة ونصف من مواصلات القاهرة الخانقة. أرخت قبضتها عن كيس الخضار واللحمة الثقيل الذي اشترته من بائع الخضار بآخر ما تبقى في محفظتها من راتبها، ثم صعدت السلالم ببطء وهي تتمنى فقط أن ترتمي على الفراش لدقائق. فتحت باب الشقة، فاستقبلتها رائحة التبغ المكتومة، وصوت التلفاز العالي في الصالة.

كان “رمزي” يجلس على الأريكة بأريحية تامة، يرتدي ملابسه المنزلية، وممسكاً بهاتفه يُقلّب في ألعاب الفيديو. لم يرفع عينيه ليرى وجهها الشاحب أو الحقائب الثقيلة في يدها، بل قال ببرود وهو يتابع اللعب: “تأخرتِ ليه يا فريدة؟ أنا جائع من الساعة 5، ادخلي بسرعة اعملي الأكل عشان مش قادر أستنى أكثر من كده!” اللامبالاة المطلقة
قبل ستة أشهر، ترك رمزي عمله في إحدى الشركات بعد مشادة بسيطة مع مديره. في البداية، ظنت فريدة أن الأمر مجرد نوبة غضـ,ـب وسيبحث عن عمل جديد، لكن الأيام تحولت إلى أشهر، ورمزي لم يحرّك ساكناً.

أتقن رمزي دور “الضحية”، وبمرور الوقت، لم يعد يبحث عن عمل أساساً. والأدهى من ذلك، أنه لم يُظهر أي نوع من الشفقة أو الشعور بالذنب تجاه فريدة: إنكار المسؤولية: كان يرى أن عمل فريدة “واجب عليها” طالما هو لا يعمل. الرفاهية على حسابها: يطلب أكلات معينة ومشروبات متواصلة وكأنه في فندق، دون أي اعتبار للميزانية المجهدة. الاستعلائية: لم يفكّر يوماً حتى في غسل كوب شاي شربه، بل كان يترك الشقة في حالة غوضى عارمة لتنظفها هي بعد عودتها من العمل!

الصدمة في المطبخ
خلعت فريدة حذاءها بتعب، ودخلت المطبخ لتضع الأغراض. وجدت الحوض طافحاً بالأطباق المتسـ,ـخة من الأمس، والقمامة ملأت الزاوية. وقفت في منتصف المطبخ، تنظر إلى يدها المرتجفة من الإجهاد، وإلى الصوت القادم من الصالة وهو يصرخ بحماس بسبب لعبة على الهاتف! في تلك اللحظة، لم تعد فريدة تشعر بالارتخاء، بل شعرت بـ إنذار بالانهيـ,ـار. خرجت من المطبخ ووقفت أمام التلفاز مباشرة، حجب الرؤية عنه. قال رمزي بانزعاج: “في إيه يا فريدة؟ أوعي من قدام الشاشة، المباراة شغال!”

انفجار الخزان
نظرَت إليه بعينين تملؤهما الدموع والذهول من هذه السلبية، وقالت بصوت يرتجف من القهر: “رمزي.. أنت شايفني إزاي؟ شايلني إزاي في عقلك؟ أنا بطلع من الساعة 7 الصبح، بشتغل وبتهان في المواصلات عشان أجيب المصاريف اللي أنت بتبددها هنا، وأرجع ألاقي الشقة زبالة وأنت قاعد مستني الهانم تطبخلك؟!” ردّ رمزي ببرود مستفز:
“جرى إيه يا فريدة؟ أنتِ هتذلينا عشان كام جنيه بتجيبيهم؟ ما أنتِ عارفة إن السوق واقف وأنا مالقتش شغل يناسب مقامي!”

هنا لم تتمالك فريدة نفسها، وقالت بحزم لم يعهده منها من قبل: “مقامك؟! مقامك اللي يخليك سايب مرتك تتطحن وأنت قاعد تطلب وتتأمر؟ أنت مش مجرد قاعد من غير شغل يا رمزي.. أنت لا حاسس بذنب، ولا حاسس بيا، ولا حتى بتقدم لي كلمة طيبة أو مساعدة بسيطة تسندني! أنت شايفني الخدامة اللي بتصرف على البيت!” القرار الصادم
وضعت فريدة حقيبة يدها على الطاولة، وأمسكت بمفاتيحها مجدداً، وقالت بنبرة حاسمة خالية من الأنـ,ـوثة المكسورة:

“الأكل في الكيس جوة.. لو جائع، ادخل المطبخ واطبخ لنفسك واغسل الأطباق اللي وسختها. أنا مش هعمل حاجة النهاردة، ومش هصرف على البيت ده قرش واحد تاني طول ما أنت قاعد حاطط رجل على رجل ومستني المعجزات.” دخلت فريدة الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح، تركت رمزي في حالة ذهول وصدمة لأول مرة. كانت هذه الليلة هي اللحظة التي أدرك فيها رمزي أن استغلاله وصمته لم يعد مجدياً، وأن البيت يوشك على الانهيار الكامل إن لم يستفق من غـ,ـيبوبة الأنانية التي عاش فيها.

العبرة: الضغوط المادية يمكن لأي زوجين تجاوزها بالصبر والتعاون، لكن الاستغلال وعدم التقدير هو السـ,ـم الذي يقـ,ـتل أي علاقة، فلا يمكن لشخص أن يحمل السقف لوحده بينما الآخر يقلع الأعمدة! ساد الصمت الشقة لعدة ثوانٍ بعد صوت إغلاق الباب الحاسم. صمتٌ لم تعهده الجدران منذ أشهر، صمتٌ قطع صوت التلفاز الذي كان يضجّ بحماس وهمي لم يعد له أي معنى. وقف “رمزي” مذهولاً في منتصف الصالة، يمسك بهاتفه الذي كان يضجّ بأصوات الألعاب، لكن أصابعه تجمدت. كانت كلماتها الأخيرة كالطبل يتردد في أذنيه: “أنا مش هعمل حاجة النهاردة، ومش هصرف على البيت ده قرش واحد تاني…”

حاول في البداية أن يكابر، ينفخ بدخان سيجارته ويتأفأف بغضب:
“فاكرة نفسها بتلوي دراعي؟ بكره تبرد وتخرج تعمل الأكل لما تجوع!” صنع لنفسه كوباً من الشاي، وعاد للأريكة، لكن شيئاً ما كان قد تغير. البرودة التي اعتاد أن يقابل بها تعبها تحولت إلى شعور ثقيل بالغربة داخل بيته. مرّت ساعة، ثم ساعتان، ولم يخرج من الغرفة أي صوت. لم تفتح الباب، ولم تبكِ بصوت عالٍ كما كانت تفعل سابقاً، وهذا الصمت الذكي والمرعب هو ما أربكه حقاً.

بحلول الساعة العاشرة مساءً، قرص الجوع بطنه بقوة. نهض متثاقلاً ودخل المطبخ، ولأول مرة منذ ستة أشهر، نظر إلى المكان بعيني “فريدة”، لا بعيني السطحي المستهلك. رأى الحوض الطافح بالصحون التي خلع هو معظمها، رأى كيس الخضار واللحم الملقى على الطاولة، ورأى الفاتورة الصغيرة المتبقية بجانبه… كان المبلغ المكتوب فيها هو كل ما تبقى من راتب شهري كامل لطحنة تسع ساعات يومياً!

أمسك ببطاطس وثومة، وحاول أن يطبخ أي شيء يسدّ جوعه. نجح بصعوبة في إعداد وجبة بسيطة، لكنه استخدم نجوماً وأواني جديدة زادت الطين بلة. وعندما جلس ليأكل وحده على طاولة المطبخ المظلمة، لم يشعر بطعم الطعام، بل شعر بطعم القهر الذي كانت تتجرعه فريدة كل ليلة وهي تراه يأكل بدم بارد. في تلك الليلة، لم ينَم رمزي على أريكته المريحة. ظل يتقلب حتى الفجر، تفكيره يتضارب بين كبريائه الجريح وبين الحقيقة المرة: فريدة لم تعد تراه “سنداً”، بل أصبحت تراه “عبئاً”.

بداية الاستفاقة
في الصباح الباكر، سمع رمزي صوت باب الغرفة يفتح. خرجت فريدة وهي ترتدي ملابس العمل، وجهها شاحب ولكن عينين فيهما نظرة حزم صلبة لم يرَها من قبل. لم تنظر إاليه، ولم تعاتبه، بل أخذت حقيبتها واتجهت نحو الباب. تأتأ رمزي وهو يقف متلعثماً: “فريدة.. أنتِ نازلة؟ مش هتفطري؟” التفتت إليه بنظرة هادئة وجافة وقالت: “المصروف اللي فاضل معايا يكفيني مواصلاتي وأكلي في الشغل لنص الشهر. الفواتير والبيت مسؤوليتك من النهاردة. لو تحب تاكل، الأكل في التلاجة اعمل لنفسك.” ثم أغلقت الباب ورحلت.

نزلت الكلمات عليه كالصفعة. لم تصرخ ولم تتصنع الدراما، بل قطعت الإمداد ببساطة، وتركت له إدارة الفوضى التي صنعها بنفسه. جلس رمزي في الصالة، ينظر إلى اللاشيء. لأول مرة منذ استقالته، شعر بالخوف الحقيقي. خوف من الفقد، وخوف من السقوط الكامل. قام من مكانه، وبطاقة غريبة تولدت من الخجل والندم، بدأ بتحريك يديه: تجميع الفوضى: غسل كل طبق في الحوض، مسح سطح المطبخ، وجمع القمامة. إعادة الترتيب: نظم الصالة، ومسح الغبار الذي تراكم على أثاثه لأشهر.

البحث الحقيقي: فتح حاسوبه المحمول الذي غطاه التراب، وقام بتحديث سيرته الذاتية، وبدأ يراسل كل الشركات بلا استعلاء، قبل بأي وظيفة تقابله حتى لو كانت أقل من “مقامه” الموهوم. المواجهة والهدم الأخير لجدار الجحود
عندما عادت فريدة في المساء، كانت تتوقع خناقة جديدة أو بيتاً أشد قذارة. لكنها فتحت الباب لتجد الشقة نظيفة، ورائحة التبغ المكتومة استُبدلت برائحة معطر جو هادئ. كان رمزي يجلس على الطاولة، وأمامه دفتر وقلم وحاسوبه المحمول.

نظر إليها، ولم يكن في عينيه ذلك البرود المستفز، بل كان فيهما خجل انكسار الرجال حين يدركون خطأهم. قام من مكانه ووقف على مسافة منها، وقال بنبرة خافضة:
“أنا غسلت الصحون ونضفت البيت، وعملت غدا بسيط.. ومستنيكي عشان ناكل سوا لو تحبي.” سكتت فريدة، لم تبتسم ولم تندفع لنشوة النصر، بل ظلت نظرتها حذرة.

أكمل رمزي وهو يبتلع غصته:
“أنا أسف يا فريدة.. الكلمة دي صغيرة أوي على اللي عملته فيكي الكام شهر اللي فاتوا. أنا اتعمت عيني وسقت فيها، ونسيت يعني إيه راجل يعين مراته مش يهدّها. أنا بعت C.V النهاردة لأكثر من 10 أماكن، ونزلت المقابلة الأولى بكره الصبح في شركة صغيرة، صحيح المرتب مش قد كده.. بس مش هقعد في البيت تاني يوم واحد.” طأطأ رأسه وأضاف:
“أنا مش طالب منك تسامحيني دلوقتي.. أنا بس طالب تديني فرصة أصلح اللي بوظته، وأثبتلك إنك مش خدامة.. إنك شريكة عمري اللي أنا ظـ,ـلمتها.”

الحصاد: ألم الصيانة وإعادة البناء
نزلت دمعة صامتة من عين فريدة، لم تكن دمعة ضعف، بل كانت دمعة ارتياح لأن ألمها لم يذهب جفاءً، وأن جدار صمتها وحزمها أيقظ العقل الذي كان غائباً. اقتربت من الطاولة، وضعت حقيبتها، وقالت بصوت هادئ ومستقر:
“أنا مش عايزة منك معجزات يا رمزي، ولا عايزة قصور.. أنا كل اللي كنت عايزاه هو إننا نشيل الشيلة سوا. القرش اللي بتجيبه بكرامة أحسن عندي من أي حاجة، والمشاركة في البيت مش عيب ولا بتقلل منك.. بالعكس.”

جلس الاثنان على الطاولة، وأكلا معاً لأول مرة منذ أشهر في صمت مريح، صمت البدايات الجديدة. في الأشهر التالية: العودة للعمل: استلم رمزي عمله الجديد، ورغم أن الراتب كان متوسطاً، إلا أنه أعاد له كرامته وشعوره بالمسؤولية. تقاسم الأعباء: أصبح رمزي يشارك في أعمال المنزل دون خجل؛ يغسل الأطباق يوم السبت، ويجهز الإفطار صبيحة كل جمعة. استعادة التقدير: لم يعد يدخل البيت دون أن يبتسم في وجهها ويقول: “الله يعينك يا فريدة”، وهي بدورها عادت تبتسم له وتنسى تعب تسع ساعات من العمل بمجرد أن تجد يداً تحمله عنها.

خاتمة:
العلاقات لا تنهدم بقلة المال، بل تنهار عندما يتوقف أحد الطرفين عن العطاء ويبدأ في امتصاص حياة الطرف الآخر. فريدة لم تنقذ بيتها بـ “الخضوع والتضحية المطلقة”، بل أنقذته بـ موقف حاسم وكرامة مرفوعة، ورمزي لم يسترد رجولته إلا عندما اعترف بذنبه وترجم أسفه إلى أفعال. فالبيت الذي لا يُبنى على التقدير المتبادل، تهدمه أول ريح، أما البيت الذي يشيل فيه الإثنان السقف.. فلا ينهدم أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى