كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة مساءً حين دخل طارق من باب الشقة، يلقي بمفاتيحه على الطاولة بصوت حاد، ليرى سارة مستندة بظهرها إلى أريكة الصالة، ممسكة ببطنها المنتفخ في شهرها السابع، ووجهها شاحب يكسوه إرهاق عميق لم تخفه ابتسامتها الباهتة حين رفعت بصرها إليه.
لم تكن سارة تطلب سوى كلمة طيبة تخفف عنها ثقل الحمل وألم الظهر الذي يلازمها ليل نهار، لكن نظرات طارق تجاوزت ملامحها المتعبة فوراً نحو طاولة الطعام الخالية، ثم إلى الصالة التي لم تكن مرتبة بالكامل. تنفس طارق بضيق وقال بنبرة لائمة: “هو أنتي طول النهار بتعملي إيه؟ الشقة مكركبة والغدا لسه مش جاهز، كل ما أرجع ألاقيكي مريحة ومقصرة في كل حاجة!”
سكتت سارة للحظات، وابتلعت غصة مريرة في حلقها، محاولة التماسك وهي تنهض بصعوبة لتكمل طهي الطعام. لم يرَ طارق أنها استيقظت منذ الفجر تعاني من الغثيان والدوار، وأنها قضت ساعات طويلة في تنظيف ما استطاعت وغسيل الملابس وهي تقف على قدمين متورمتين، لتنهار قواها قبل عودته بساعة واحدة فقط. كان يرى الحمل مجرد “حالة طبيعية تمر بها كل النساء” ولا تستدعي هذا التراخي من وجهة نظره.
مرت الأيام واللوم يتكرر على كل تفصيلة صغيرة: كوب ماء متروك، قميص تأخر كيه، أو وجبة بسيطة أعدتها لعدم قدرتها على الوقوف طويلاً. تحول البيت إلى مساحة من الصمت الثقيل، حيث تشعر سارة بالوحدة التامة والخذلان، وبأن ألمها الجسدي والنفسي غير مرئي لأقرب الناس إليها.
جاءت نقطة التحول في موعد زيارة الطبيبة المتابعة، حيث اضطر طارق لمرافقتها بعد إصرار والدتها. في عيادة الطبيبة، وأثناء الفحص، لاحظت الطبيبة شحوب سارة الشديد وهبوط ضغطها، وقالت بلهجة حازمة موجهة كلامها لطارق: “المدام بتعاني من إجهاد حاد ونقص حاد في الراحة، جسدها شايل ضغط مضاعف، ومحتاجة راحة تامة ودعم مستمر عشان سلامتها وسلامة الجنين. الحمل مش مجرد بطن بتكبر، ده مجهود عضوي ونفسي ضخم.”
وقع كلام الطبيبة على طارق كالصدمة، ونظر إلى سارة ليرى عينيها الدامعتين وهي تحاول مداراة وجهها. تذكر فجأة كل ليلة استيقظت فيها تتألم بصمت، وكل وجبة أعدتها وهي تكاد تسقط من التعب، وكيف كان يقابل ذلك بالانتقاد بدل العون والتقدير. في طريق العودة، كسر طارق الصمت وأمسك بيدها معتذراً بصدق عن قسوته وعماه عما كانت تمر به، مدركاً أن دور الشريك ليس مراقبة التقصير، بل المشاركة وحمل العبء في أوقات الضعف. ومنذ ذلك اليوم، بدأت تتغير تفاصيل البيت، لتصبح المودة والتفاهم هما الأساس في رحلتهما المشتركة لاستقبال طفلهما.