جلسة صغيرة، ورقة مزـ,ـوّرة، وحق عذارى انهضم.. لكن الزمن ما ينسى، والديّان ما يمـ,ـوت. 1. جلسة “تقسيم الحلال” بعد وفاة الحاج عبد التواب -الله يرحمه ويغفر له- صاحب المحلات والأراضي اللي تغني عوايل، أظلم البيت وحيّل الحزن على القلوب.. بس الحزن عند “مصطفى” الابن الأكبر ما طول. مصطفى كان من العيّنة اللي ما يترس عينها إلا التراب، شايف إن البنات مردهم يعرسون ويشيلون خير العايلة لبيوت غريبة. يوم التقسيم، جمع خواته الثنتين: سمر الكبيرة، الحنونة الطيبة اللي قضت شبابها تخدم أبوهن وتعيش على البركة، ونهى الصغيرة اللي كانت توها تتسلق درج الجامعة.
دخل عليهن مصطفى بابتسامة صفرا، وحط ملف أسود على الطاولة: مصطفى: “يا بنات.. أنتن عارفات إن أبونا قبل لا يتوفى كتب كل حلاله بيع وشراء باسمي.. الأراضي، والمحلات، وحتى البيت هذا. أنا طبعاً ما أرميكن في الشارع، كل وحدة لها قرشين حليوين تبدأ فيهن حياتها، بس الورق رسمييي ومختوم!” سمر انربط لسانها وانصدمت، أما نهى فصرخت بوجع: نهى: “بيع وشراء كيف يا مصطفى؟! أبونا كان يعدل بيننا حتى في المصروف، يجي الحين ويحرمنا من ورثنا؟! هذي الأوراق مزورة!”
ضـ,ـرب مصطفى على الطاولة ببرود وقال: مصطفى: “اللي عندها كلام تروح للمحاكم! الورق عليه توقيع وبصمة المروح أبوجن.. ووروني كيف بتثبتون التزويـ,ـر!” مصطفى كان مرتب كل شيء بظلم.. اتفق مع محامي قليل ذمة، وزوّر البصمة والتوقيع قبل وفـ,ـاة أبوه بأيام وهو في فراش المـ,ـوت ولا يدري عن الدنيا. البنات مالهم ظهر، والمحاكم مصاريفها تجرح والسنين طويلة. سمر مسكت يد أختها، وبكت بغصة مكتومة وقالت: سمر: “حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا مصطفى.. الحق ما يضيع، والفلوس اللي تأخذها بالباطل بتمحق صحتك وعافيتك.”
طرد مصطفى خواته، ورمى لكل وحدة مبلغ بسيط ما يسوى، وقفل الباب بوجههن. 2. سنين العز والمظاهر
مرت 10 سنين.. كبّر مصطفى تجارته، ودخل في مشاريع واستثمارات بالمليارات، بنى قصر فخم وركب أحدث الموديلات من السيارات. كان عايش بالطول والعرض، ويتكبر على خلق الله، وناسي تماماً إن فلوسه قايمة على سُحت وحق أيتام. في المقابل، سمر ونهى مرن بأيام سودا وتعب لا يعلم فيه إلا الله. نهى اضطرت تترك دراستها
فترة عشان تشتغل، وسمر فتحت مشروع “مطبخ منزلي” صغير في شقتها الإيجار عشان تصرف على نفسها وعلى أختها. ذاقن المر وتعبن، بس كانن راضيات.. وسبحان من بارك في القليل! مطبخ سمر كبر وصار شركة متخصصة في تجهيز البوفيهات والمناسبات، ونهى رجعت كملت دراستها وتخصصت في العناية المركزة وطب الطوارئ، وصارت من شاطرات الطاقم الطبي في أكبر مستشفى استثماري. كان مصطفى يسمع عن نجاحهن من بعيد، ويتطنز ويقول: “هذي آخرة اللي ما يسمعون الكلام.. طالعات يكدن على لقمة العيش بشقا!”
3. يوم دارت الدواير
في ليلة ممطرة وظلمة، كان مصطفى راجع بسيارته من موقع أرض جديدة اشتراها. كان يسوق بسرعة جنونية ومغرور كالعادة، رن تلفونه.. كان المحامي يبلغه بظرف طارئ: الحكومة حطت يدها على قطعة أرض كبيرة من أملاكه لأن أوراقها فيها شبهة تزوير، والبنوك جمدت حساباته ورصيده! انصدم مصطفى، والشرر طلع من عيونه، وانشلت أفكاره.. وفجأة وهو طالع على الجسر، قطعت عليه شاحنة كبيرة الطريق! سيارة مصطفى انعدمت وتصادمت وانقذفت من فوق الجسر!
نزلو الناس بالطقاق، وطلعوه من بين الحديد قطعة لحم ينزف.. بين الحياة والمـ,ـوت!