عدتُ من رحلة عمل قصيرة، فوجدتُ قفل باب منزلي قد تغيّر. وعندما طرقت الباب، جاءني صوت حماتي من الداخل:
— لا تواصلي الطرق يا سلمى… كريم اتخذ قراره. وصدقيني، هذا أفضل للجميع.
تعرّفتُ فورًا على صوت حماتي نوال، لكنني احتجتُ إلى ثوانٍ حتى أستوعب ما يحدث. كنت أقف على الرصيف أمام منزلي، أحمل حقيبة سفر وظهري يحمل حقيبة صغيرة، بينما كانت مفتاحي القديم عاجزًا عن فتح الباب.
كنت قد عدت للتو من رحلة عمل استمرت أربعة أيام في الإسكندرية.
كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف ليلًا.
وكانت شوارع القاهرة لا تزال مبتلة من المطر، بعدما غادر سائق السيارة التي أقلّتني، لأكتشف أن قفل منزلنا في منطقة المعادي أصبح جديدًا.
أدخلت المفتاح مرة أخرى.
لم يحدث شيء.
طرقت الباب بقوة.
— نوال… افتحي الباب.
جاءني صوتها ببرود:
— أنتِ لم تعودي تعيشين هنا.
انفتح الباب بضعة سنتيمترات فقط، بعدما أوقفته سلسلة الأمان.
ظهرت حماتي أمامي، ترتدي بلوزة وردية فاتحة، وفي أذنيها أقراط كنت أنا من أهداها لها في عيد الأم.
نظرت إليها مذهولة وسألت:
— أين كريم؟
ابتسمت ابتسامة غريبة.
— مع رنا.
لم أكن أعرف أي رنا.
وفي تلك اللحظة سمعت خطوات خلفها.
ظهر كريم.
زوجي.
الرجل الذي عشت معه ثماني سنوات كاملة.
كان حافي القدمين، وفي يده كأس.
نظر إليّ للحظات ثم قال:
— سلمى… لم أكن أريد أن يحدث الأمر بهذه الطريقة.
حدقت فيه.
— أن يحدث ماذا؟
مرر يده بين شعره بتوتر.
— رنا حامل.
لم أجب.
فأكمل:
— في الشهر الرابع تقريبًا. الأمر بدأ منذ فترة، وأنا كنت بحاجة إلى تكوين عائلة… وأنتِ تعرفين أن الأمور بيننا لم تعد على ما يرام.
تدخلت والدته قائلة:
— ابني يستحق بيتًا مليئًا بالأطفال، وليس منزلًا صامتًا.
كانت تلك الجملة مألوفة بالنسبة لي.
سمعتها طوال ست سنوات.
متى ستمنحينني حفيدًا؟
ماذا ستفعلين بكل نجاحك المهني إذا وصلتِ إلى الأربعين وحدك؟
كريم يحتاج إلى طفل يحمل اسمه ويكمل عائلته.
لكن ما لم يكن أحد يعرفه هو أنني قبل سنوات، وبعد سلسلة طويلة من فحوصات الخصوبة، اكتشف الأطباء أن المشكلة الأساسية كانت لدى كريم.
هو نفسه طلب مني أن أبقي الأمر سرًا.
قال لي وقتها:
— أمي لن تتفهم الأمر أبدًا…
أرجوكِ، دعيها تظن أن المشكلة مجرد نصيب لم يُكتب لنا.
وافقت.
وعندما بدأت نوال تلقي اللوم عليّ، التزمت الصمت أيضًا.
ليس خوفًا.
بل حبًا.
أو ربما كان ذلك ما كنت أعتقده حبًا في ذلك الوقت.
نظرت إلى كريم وسألته بهدوء:
— هل يمكنني الدخول لأخذ أغراضي؟
خفض عينيه.
— غدًا سنرسلها إليكِ.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه ومدّه نحوي.
— هنا مئة ألف جنيه. استخدميها لفندق أو إيجار شقة أو أي شيء تحتاجينه حتى ننتهي من إجراءات الطلاق.
نظرت إلى الظرف.
ثم رفعت عيني إليه.
— مئة ألف؟
قال وكأنه يمنّ عليّ:
— لا أريدك أن تقولي إنني تركتكِ بلا شيء.
وفي تلك اللحظة ظهرت امرأة خلف كريم.
كانت في أوائل الثلاثينيات، ترتدي ملابس بيضاء، ووضعت يدها على بطنها.
قالت:
— أنا لا أريد أي مشاكل معكِ. كريم أخبرني أن زواجه انتهى بالفعل.
أمسكت نوال بذراعها بحميمية، فعرفت فورًا أن وجود هذه المرأة في المنزل لم يكن وليد هذه الليلة.
بل كان هناك تخطيط منذ أسابيع.
قالت حماتي بفخر:
— رنا من عائلة محترمة في أسيوط. والدها يمتلك مصنعًا كبيرًا للأثاث.
هي وكريم يستطيعان بناء أسرة حقيقية معًا.
ابتسمت رنا وقالت:
— كريم أخبرني أيضًا أن هذا المنزل ملك للعائلة.
عندها فقط أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبوه.
ثماني سنوات كاملة، كان كريم يعيش وهو مقتنع بأن هذا المنزل جزء من ممتلكاته.
أنا لم أخبره الحقيقة.
لكنني أيضًا لم أصحح له عندما بدأ يقول أمام أصدقائه:
“بيتي.”
الحقيقة أن العقار كان مملوكًا لشركة النور للتطوير العقاري، وهي الشركة التي أسسها والدي، والتي أصبحت أنا أديرها منذ أكثر من أحد عشر عامًا.
كان كريم يعرف أنني أعمل في مجال “إدارة العقارات”.
لكنه لم يكن يعرف أنني المديرة التنفيذية، ولا أن عائلتي تمتلك الحصة الأكبر في الشركة.
عندما تعرفت إليه، كان مجرد موظف مبيعات في شركة صغيرة.
أما أنا، فكنت قد سئمت من الرجال الذين تتغير معاملتهم فور اكتشافهم لحجم ثروة عائلتي.
لذلك لم أخبره أبدًا بثروتي الحقيقية.
في البداية لم يكن الأمر مهمًا.
ثم بدأت الأمور تتغير.
ساعات باهظة الثمن.
رحلات فاخرة.
السيارة التي كان يقول إن “الشركة التي أعمل بها” وفرتها لنا.
وجبات وفواتير كان يسددها من بطاقة ائتمانية مرتبطة بحسابات الشركة، مدعيًا أن ذلك ضروري لعلاقاته المهنية.
ومع مرور الوقت، بدأ كريم يتصرف وكأن كل هذه الأشياء جاءت بفضله هو.
وقفت تلك الليلة أمام ثلاثة أشخاص خلف باب لا يملكون قانونًا حتى حق إغلاقه في وجهي، وفجأة لم تعد لدي أي رغبة في تبرير نفسي.
قلت فقط:
— حسنًا.
رمش كريم بدهشة.
— حسنًا؟
— نعم.
لم آخذ الظرف.
سحبت حقيبتي بعيدًا عن الباب، ثم أخرجت هاتفي.
اتصلت بـ داليا منصور، المستشارة القانونية والمديرة القانونية لشركة النور للتطوير العقاري.
أجابت من المكالمة الثالثة.
— سلمى، هل كل شيء بخير؟
قلت بهدوء: