روايات

«مرات ابني استغلت غيابه، وحولتني لخدامة عندها

«مرات ابني استغلت غيابه، وحولتني لخدامة عندها… كانت تأمرني أطبخلها وتجهزلها الأكل، ولو اتأخرت دقيقة كانت تزعقلي وتذلني قدام نفسها، وأنا ست كبيرة جسمي خلاص مبقاش مستحمل. وكنت كل يوم أدخل المطبخ ودموعي بتنزل من القهر، وأسأل نفسي: هو أنا عملت إيه عشان أتحط في الموقف ده؟!»
دي كانت أكتر فترة حسيت فيها إني غريبة في بيتي، رغم إن البيت ده أنا اللي ربيت ابني فيه وكبرت سنين عمري وأنا بخدمه وبقف جنبه. كنت بستحمل كلام مرات ابني عشان ما أكونش سبب في مشكلة بينه وبين مراته، وكل ما يكلمني في التليفون كنت أقول له:

«أنا كويسة يا ابني، مراتك بتعاملني زي بنتها»، وأنا من جوايا كنت بمـ,ـوت كل يوم حتة.
مرات ابني كانت بتستنى أول ما يقفل معايا التليفون وتبدأ تأمرني من جديد:
«يلا يا ماما، الأكل لسه ما خلصش!»
«المطبخ عايز يتنضف.»
«اعمليلي حاجة سخنة أشربها.»
كنت بسكت وأعمل اللي بتقوله، مش خوفًا منها، لكن عشان ابني ما يعرفش ويزعل، وكنت بقول لنفسي: «يمكن لما يرجع كل حاجة تتصلح.»
لكن اللي حصل في يوم وأنا واقفة في المطبخ بطبخ، ودموعي بتنزل غصب عني، خلاني أعرف إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد مرات ابن قاسية.

دخلت عليا فجأة، وقفت ورايا من غير ما تتكلم، ولما لفيت وبصيت لها، لقيت على وشها نظرة غريبة خلت قلبي يدق بسرعة.
قربت مني وقالت بصوت هادي لكنه مرعب:
«إنتِ فاكرة إني مش عارفة الحقيقة؟ أنا عرفت السر اللي مخبياه عن جوزي وعن كل الناس بقالك سنين…»
اتجمدت مكاني، وإيدي وقفت عن التقليب، وبصيت لها وأنا مش فاهمة هي بتتكلم عن إيه.
لكنها ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
«وأنا مش بس عرفت السر… أنا عرفت كمان مين الشخص اللي إنتِ مستعدة تعملي أي حاجة عشانه.»
ساعتها، لأول مرة من يوم ما دخلت بيتي، أنا اللي بصيت لها من غير خوف…

لأني عرفت إن السر اللي بتتكلم عنه لو خرج للنور، مش بس حياتي أنا اللي هتتدمر… دي حياة ابني وكل اللي بنيته في سنين هتتهد فوق دماغنا كلنا في ثانية واحدة. مسحت دموعي بطرف طرحتي، وحاولت أجمع كل ذرة قوة كانت لسه باقية في عضمي الضعيف. بصيت في عينيها مباشرة، شوفت فيهم نظرة انتصار خبيثة، نظرة واحدة فاكرة إنها خلاص مسكت رقبتي بإيديها.

قربت خطوة كمان، وصوت نفسها كان عالي، وقالت وهي بتوطي صوتها بـلؤم: «إيه؟ ساكتة ليه يا حماتي؟ فاكرة إن الأوراق والتحاليل القديمة اللي شايلاها في قاع الدولاب ومقفول عليها بمية قفل هتفضل مستخبية للأبد؟ فاكرة إني لما كنت بفتش في غيابك كنت بدور على دهب وفلوس؟ أنا كنت بدور على نقطة ضعفك… والحمد لله، لقيتها.»

رجليا مكنتش شيلاني، حسيت كأن الأرض بتلف بيا، لكن مسكت في حافة الرخامة بكل قوتي عشان ما أقعش قدامها. الصورة القديمة والسر اللي دفـ,ـنته تلاتين سنة رجعوا يجروا قدام عيني زي شريط سينما… السر اللي بسببه ضحيت بعمري وشبابي، ودفعت تمنه من صحتي وكرامتي عشان ابني يكبر رافع راسه، وميحسش في يوم إنه مكسور الجناح أو ناقصه حاجة. «عايزة إيه يا بنتي؟».. خرجت الكلمة من بين شـ,ـفايفي بالعافية، مرتعشة ومخنوPathقة.

ضحكت ضحكة صفرا خفيفة رنت في أركان المطبخ، وقالت: «عايزة إيه؟ لأ، قولي مش عايزة إيه! البيت ده… الشقة دي اللي باسمك، تتنازلي عنها لابنك وليا الأسبوع ده. وكل مليم محطوط في البنك باسمك يتبعتلي. مش بس كده… المعاملة اللي شوفتيها الأيام اللي فاتت دي كانت مجرد عينة، من هنا ورايح إنتِ هنا بحساب، وتتنفسي بإذني، ولو فكرتي تشتكي لابنك نص كلمة، أو حتى تلمحي بحرف… الورق ده هيكون على موبايله قبل ما يرجع من السفر.»

كملت كلامها وخرجت من المطبخ وهي بتتمايل وواثقة من نصرها، وسابتني واقفة وحدي بين نارين: نار إني أعيش مذلولة ومسلوبة الإرادة في بيتي، ونار إن الحقيقة تظهر وابني يتدمر نفسيًا لما يعرف إنه عاش عمره كله في وهم، ويعرف الحقيقة عن الشخص الوحيد اللي كان فاكر إنه سنده في الدنيا.

في الليلة دي، منمتش دقيقة واحدة. كنت قاعدة على طرف سريري في الضلمة، باصة في السقف وبفكر… الست لما بتكبر وتضعف بتفتكر إن خلاص ملهاش حيلة، لكن الأم جوايا كانت لسه صاحية. افتكرت كل اللي عشته، وكل تضحية ضحيتها عشان أوصل ابني لبر الأمان، وسألت نفسي: «هل أستسلم للابتزاز وأسيبها تدمرنا بالبطيء؟ ولا أواجه العاصفة بنفسي؟» مرت يومين، وكانت معاملتها بتزيد قسوة وتجبر، كل شوية تفكرني بالأوراق وتطلب مني أجهز عشان نروح للشهر العقاري. كنت بهز راسي بـ «حاضر» واستكانة مصطنعة، بينما عقلي كان بيرتب لحاجة تانية خالص.

لحد ما جه اليوم الموعود، اليوم اللي ابني قرر يرجع فيه فجأة من غير ما يبلغها، عشان يعملها مفاجأة… لكن المفاجأة الحقيقية مكنتش في رجوعه، المفاجأة كانت في الصندوق اللي أنا نفسي حطيته على ترابيزة الصالون قدام الباب قبل وصوله بنص ساعة. فتحت هي الباب لابني وهي بتتصنع الفرحة والضحكة العريضة: «حبيبي! وحشتني، جيت بدري ليه ومقولتليش؟ ماما جوه في الأوضة مريحة شوية، أصلها تعبانة وأنا من الصبح بلف حواليها وبخدمها برموش عيني!» ابني دخل، وشاف الصندوق اللي مفتوح على الترابيزة وفوقه الأوراق اللي كانت مرات ابني فاكرة إنها سـ,ـلاحها الوحيد.

وقفت أنا على باب أوضتي، ضهري مفرود لأول مرة من شهور، وبصيت لابني وقولتله بصوت ثابت ومسموع: «حمد لله على سلامتك يا ابني… تعالى، عشان في حكاية قديمة مراتك كانت حابة تسمعها، ولازم إنت كمان تسمعها مني أنا… مش من حد تاني.» وفي اللحظة دي، شوفت وش مرات ابني بيتحول من ابتسامة نصر مصطنعة، للون الخوف والرعـ,ـب الحقيقي… لأنها مكنتش تعرف إن في أسرار، لما بتنكشف، بتحـ,ـرق اللي حاول يستغلها الأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى