— أريد منكِ أن تراجعي غدًا عقد الإقامة الخاص بمنزل المعادي.
ساد الصمت للحظات.
— هل حدث شيء؟
رفعت عيني نحو نافذة الطابق الثاني.
كانت أضواء غرفة النوم التي كنت أشاركها مع كريم مضاءة.
قلت:
— لقد غيّروا القفل وأدخلوا شخصًا ثالثًا إلى العقار دون إذن.
فهمت داليا الأمر فورًا.
— سأجهز الملف بالكامل.
أضفت:
— وأريد أيضًا مراجعة السيارة، والبطاقات الإضافية، وكل مصروف حمّله كريم على حسابات أو اتفاقيات الشركة.
سألت بدهشة:
— كل شيء؟
أجبت:
— كل شيء.
أغلقت الهاتف.
في تلك اللحظة فتح كريم الباب قليلًا وسأل:
— بمن كنتِ تتحدثين؟
نظرت إليه.
— بشخص سيشرح لك غدًا أشياء كثيرة أفضل مني.
ضحكت نوال بسخرية.
— كالعادة… سلمى تحب الدراما.
لم أرد عليها.
طلبت سيارة أخرى، وانتظرت تحت سقف غرفة الحراسة عند مدخل العقار.
وقبل أن أركب، وصلني بريد إلكتروني تلقائي على هاتفي.
كان من شركة تأمين خاصة.
عنوان الرسالة:
“طلب إضافة مستفيدة جديدة: رنا محمود.”
فتحت المرفق.
توقفت أنفاسي للحظة.
كريم كان قد قدم مستندات لإضافة رنا إلى التأمين الطبي الخاص بالشركة، وهو تأمين مرتبط بشركة النور للتطوير العقاري.
والأخطر…
أنه كتب في الطلب أن رنا هي زوجته.
شعرت بشيء مختلف تمامًا عن الألم.
لأول مرة في تلك الليلة، شعرت بالوضوح.
كريم لم يكن يحاول استبدالي فقط.
بل بدأ يستخدم أموال وموارد ومستندات شركتي لبناء حياة جديدة مع المرأة التي قرر أن يضعها مكاني.
والأسوأ بالنسبة له…
أنه ترك كل الأدلة بنفسه في أيدي الشخص الوحيد القادر على مراجعتها وكشف حقيقتها.
لو كنتِ مكاني، ماذا كنتِ ستفعلين بعدما تكتشفين أن زوجك لا يكتفي بخيانتك، بل يستخدم أموال شركتك ومواردها ليبني حياة جديدة مع امرأة أخرى؟
تابع الجزء الاخير هينزل بعد ساعة
اترك تعليق وهرد عليك باللينك فوراً بعد قليل باقي القصة مدهشة هتنزل بعد قليل
وصلتُ إلى الفندق وأنا أحمل حقيبتي الصغيرة، لكن عقلي لم يكن في التعب أو في قسوة ما حدث. كان يعمل بكل طاقته مثل آلة حاسبة دقيقة تُعيد ترتيب الحسابات والملفات. لسنوات طويلة كنتُ أختار أن أكون زوجة هادئة، متواضعة، تدعم زوجها وتتحمل تذمر حماتها، مظنةً أن الحياة الزوجية تبنى على التنازلات البسيطة. لكن اكتشافي لمدى استغلال كريم لكل ما أملكه — بدءاً من الشقة وحتى بطاقات الائتمان وموارد شركتي التي يديرها خلف ظهري — محا كل شعور بالضعف أو الحزن، ولم يترك مكاناً سوى لبرود المحترفين وقسوة القانون.
في تمام الساعة التاسعة صباح اليوم التالي، كنتُ جالسة في مكتبي الرئيسي بالطابق الأخير من برج النور للتطوير العقاري. دخلت داليا، المستشارة القانونية، وبيدها ملف سميك يضم كافة المستندات الخاصة بشقة المعادي والبطاقات المصرفية وحسابات الاستخدام المهني لكريم. قالت داليا بجدية: — سلمى، لقد راجعتُ كل شيء. شقة المعادي مسجلة بالكامل كأصل عقاري باسم الشركة، وكان كريم يقطن فيها بناءً على عقد انتفاع وظيفي مرتبط بمستثمر أو مدير في الشركة، وهو العقد الذي انتهى قانوناً بمجرد محاولته تغيير الأقفال وإدخال أطراف غير مصرح لها.
أما بالنسبة للبطاقات والمصاريف الطبية، فهناك استخدام غير قانوني للموارد وتزوير في حالات الاستفادة الطبية نظراً لأنه سجل رنا كزوجة دون عقد زواج رسمي معتمد من الجهات المختصة، بل اعتمد على أوراق مزورة أو تلاعب إداري.
نظرتُ إلى الملف بهدوء تام، ثم قلت: — لا أريد أي تهاون يا داليا. نفذي كل الخطوات القانونية فوراً: إنذار رسمي بالطرد من العقار خلال أربع وعشرين ساعة بتهمة الاغتصاب القانوني للملكية الخاصة وتغيير الأقفال دون إذن، وبلاغ رسمي للنيابة العامة بشأن التلاعب في مستندات الشركة والتأمين الطبي واستخدام أموال الشركة لأغراض شخصية دون وجه حق. وإذا لزم الأمر، فليتم توقيفه من مقر عمله الحالي بالشركة التي توسطنا له فيها من الباطن.
قالت داليا بابتسامة عملية: — الملف جاهز تماماً للتوقيع. في خلال ساعات ستكون الشرطة ومعها محضر التنفيذ أمام شقة المعادي.
في حدود الساعة الواحدة ظهرًا، كان هاتفي يصدح بالاتصالات المتتالية. رقم كريم يظهر على الشاشة مرة تلو الأخرى، ثم يليه رقم حماتي نوال. تجاهلت الاتصالات كلها. لكن بعد خمس دقائق، وصلني مقطع فيديو قصير على تطبيق “واتساب” من رقم كريم. فتحته؛ فظهر كريم واقفًا أمام شقة المعادي، ومعه شرطي ومعاون تنفيذ الأحكام ومستشار قانوني من الشركة، وبصوته المرعوب والمرتبك كان يصرخ في الفيديو: — سلمى! أرجوكِ ردي! البوليس هنا على الباب بيقول إني محتل شقة مش بتاعتي وإني مطرود منها فورًا! ورنا منهارة ومش عارفة تعمل إيه! إيه اللي بيحصل ده؟! دي هزار سامخ ولا جنون؟!
لم أرد على الفيديو، بل أرسلت له رسالة نصية واحدة قصيرة وبسيطة: “الشقة ملك لشركة النور للتطوير العقاري… وأنا المديرة التنفيذية للشركة. مئة ألف جنيه التي عرضتها عليَّ بالأمس كتعويض، ستدفع أضعافها غرامات وتعويضات قضائية أمام النيابة العامة بسبب التلاعب بأموال وممتلكات الشركة. أراك في المحكمة.”
بعد دقائق معدودة، انقطع الاتصال تماماً. علمت لاحقاً من داليا أن الشرطة نفذت الإجراءات بالكامل، وأخرجت كريم ورنا وحقائبهما إلى الشارع أمام الجيران والمارة، بينما قامت الشركة بتغيير الأقفال بأخرى رقمية لا تفتح إلا ببطاقات الإدارة العليا للشركة. أما نوال، فحين حضرت لتنقذ الموقف، تفاجأت بالواقعة واكتشفت أن ابنها الذي كانت تتباهى به أمام الجميع ليس سوى موظف صغير تم طرده من عمله ومسكنه في يوم واحد، وأن رنا وعائلتها اختفوا تماماً بمجرد أن علموا أن الرجل لا يملك شيئاً على الإطلاق وأن الشقة ليست ملكه.
جلستُ على كرسي مكتبي الفاخر، نظرتُ من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على مدينة القاهرة وهي تتسع تحت قدمي، وتذكرت تلك الفتاة التي كانت تقف بالأمس على الرصيف تمسك حقيبتها بلا حيلة. أدركتُ حينها أن أكبر خطأ ارتكبته طوال حياتي لم يكن اختيار الشخص الخطأ، بل كان تنازلي عن قوتي ومكانتي لإرضاء من لا يستحقون. غادرتُ الشركة في المساء، وأنا أبتسم بهدوء، مستعدة للبدء من جديد، ولكن هذه الشراكة لن تكون أبداً مع من يستخفون بقيمتي.