كنت لسه مخلصة ولادة قيصري ووالدة التلات توائم بتوعنا، لما لقيته داخل عليا أوضة المستشفى في التجمع ومعاه عشيقته في إيد، وفي الإيد التانية شنطة “هيرميس بيركن” سوداء شايلها كأنها كاس بطولة، ما جاش عشان يشوف ولاده اللي لسه شرفوا الدنيا، ده جه مخصوص عشان يك.سر نفسي ويدوس على كرامتي. “امضي على ورقة الطلا.ق دي يا منة، لأنك بالمنظر ده خلاص صلاحيتك انتهت، ومش هتنفعي حتى تربي عيالي”، دي كانت أول كلمات أسمعها من جوزي شريف بعد ما عديت من المو.ت وشوفت المو.ت بعيني عشان أجيب له التلات توائم.
أنا كنت لسه ممددة على سرير المستشفى، في أوضة خاصة والمحاليل في إيدي، العرق مغرق جبيني، وشعري ملزق على قورتي، والجرح بيصرخ في بطني مع كل نفس باخده، بقالي يومين مانمتش دقيقة واحدة، وولادي التلاتة، ملايكتي الصغيرين اللي جم الدنيا بمعجزة، كانوا نايمين في السراير الأزاز اللي جنبي، ملفوفين في كافولات بيضاء زي الحمام. وفجأة الباب اتفتح ودخل شريف علام، جوزي، الراجل اللي عشت معاه خمس سنين على المرة قبل الحلوة، ما جاش ببوكيه ورد، ولا دمعة فرحة في عينه، ولا حتى لهفة أب، ده دخل والست دي متعبطة في دراعه، فريدة، داخلة بضوافرها المتلونة باللون الأحمر الد.موي، وشعرها اللي معمول كيرلي على الفرازة، وضحكتها الصفراء اللي مالية وشها، وساندة الشنطة البيركن على وسطها كأنها بتغيظني بيها، كانت بتبص للأوضة ولعيالي وليا بقرف، وكأننا ذبابة عكرت عليها يومها، وشريف لابس بدلته الكحلي الشيك والجز م الإيطالي اللي بتبرق، وريحة برفانه الغالي اللي كانت زمان بتحسسني بالأمان، خلتني يومها عايزة أرجع من قرفي.
فريدة بصتلي من فوق لتحت وقالت بضحكة مستفزة: “هي دي بقى الهانم الشيك اللي كنت مالي الدنيا كلام عنها؟ يا حرام، دي بقت شبه المقتول في حادثة”، وشريف سخر بضحكة عالية رنت في الأوضة، والصوت ده وجعني في قلبي أكتر من وجع غرز القيصرية مية مرة. بصيت في عينه وأنا مستنية أشوف أي حاجة تدل إنه بني آدم، ندم، كسوف، خوف، لو حتى ثانية واحدة من تأنيب الضمير، بس مفيش، الراجل كان بايع تماماً، طلع فايل جلد أسود من جيبه ورماه فوق بطني على اللحاف وقال لي بنبرة ناشفة: “امضي هنا”، صوابعي اترعشت وأنا بلمس الورق وسألته بصوت مخنوق: “إيه ده؟”، قال لي وبروده بيق.تلني: “ده الطلا.ق، والتنازل عن حضانة العيال، وعن شقة الزوجية، كل حاجة متبهدلة وجاهزة، محامين الشركة ظبطوا كل حاجة عشان ما تتعبناش وتتعبي نفسك”.
في اللحظة دي واحد من العيال عيط عياط خفيف، حاولت أترمي عشان أشوفه بس بطني اتقطعت من الألم، وشريف حتى ما هانش عليه يلتفت يبص للطفل، سألته بدموع مغرقة وشي: “هنا؟ في المستشفى؟ وأنا لسه قايمة من بنج ووالدة قيصري بالعافية؟”، شريف قرب من السرير ووطى صوته بس بقسوة تخوف: “يا منة فوقي لنفسك وبصي في المراية، أنتِ خلاص انتهيتي، لا ليكي شغل، ولا معاكي قرشين على جنب، ومعاكي تلات لحم كوم لحم لسه مولودين، خليكي ذكية، امضي بالذوق وأنا هعملك مؤخر ومصروف شهري يمشيكي”، وفريدة هبشت الشنطة وقالت: “شريف من حقه يبدأ حياته من جديد مع حد يناسب مقامه الاجتماعي والبيزنس بتاعه”.
د.مي هرب من عروقي، شهور وأنا مصدقة حجة اجتماعاته اللي مابتخلصش، ومأموريات الإسكندرية والمحلة المستعجلة، وسكاته وبُعده عني اللي كنت بقول ده ضغط شغل، كنت بلوم نفسي وبقول أنا مقصرة، أنا تعبانة من الحمل، أنا شكلي اتغير، لكن الحقيقة المرة كانت واقفة قدامي بلحمها ود.مها، ولابسة هيلز بيج وماسكة شنطة براند. همست له: “أنت مرتب لكل ده من بدري”، شريف ضحك وقال: “لأ، أنا بس قررت أرمي الحمولة الزيادة وأصلح غلطتي”. الممرضة فتحت الباب ودخلت وتسمرت مكانها من المنظر، شريف دار عليها وبصوته الرخيم بتاع رجال الأعمال قال لها: “دي مسألة عائلية يا فندم، اتفضلي برة وسبينا لوحدنا”، الممرضة خافت وترددت بس خرجت، وقبل ما تقفل الباب بصت لي بنظرة شفقة ك.سرتني زيادة.
بصيت في الورق، حضانة مشتركة والعيال يعيشوا مع الأب، وتنازل عن الشقة، وشرط جزائي بعدم الكلام عن حياتنا، ونفقة متواضعة متسواش حاجة، كل سطر مكتوب عشان يتمحي اسمي من حياته تماماً، شريف رمى القلم على صدري وقال لي: “خلصينا وامضي، بلاش فضايح وشو في المستشفى”، وفريدة مالت عليا وقالت ببرود: “وعشان خاطري بلاش عياط، الستات اللي عندها كرامة بتعرف تنسحب في هدوء”. بصيت لها، وبعدين بصيت لولادي التلاتة النايمين، حتت لحم حمرا مالهمش ذنب في الغدر والوساخة اللي دخلت عليهم الأوضة دي، مسكت القلم، شريف ابتسم بارتياح وفريدة ضحكت، بس بدل ما أمضي، رزعت القلم على الكومودينو وقولت بجمود: “مش هيمضي”.
وش شريف قلب مية لون وعروقه نفرت وقال لي: “ما تلعبيش معايا يا منة”، قولت له وأنا باخد نفسي بالعافية: “مش هيمضي يا شريف”، قرب مني لدرجة إن عرق جيله كان بينبض في جبهته وقال بفحيح: “هاخد منك كل حاجة، الشقة، الفلوس، والعيال، ولما أفرتكك وأخليكي مش لاقية تاكلي، هتيجي تبوسي رجلي عشان أمضيكي على الورقة دي”، اتنفست بصعوبة وقولت له: “ده اللي المحامين بتوعك قالوهالك؟”، لأول مرة شوفت الشك في عين شريف، وفريدة حواجبها عقدت واتضايقت، ما نطقتش ولا كلمة تانية، وهما لفوا وخرجوا وهما فاكرين إنهم سابوني جثة هامدة، شريف وقف عند الباب وبص وراه وقال: “عيشي ليلتك الأخيرة وأنتِ اسمك مدام شريف علام”.
أول ما الباب اتقفل، انفجرت في العياط، عيطت على منة اللي ما.تت، على السنين اللي ضاعت، على البيت اللي اتهد، وعلى ك.سرة نفسي إن جوزي يجيب الست بتاعته تتفرج عليا وعلى عيالي وأنا مش قادرة حتى أصلب طولي. سحبت الموبايل من جنب المخدة وايدى بتترعش، وطلبت أمي، ردت من أول رنة، قولت لها بصوت مذبوح: “ماما.. كان عندكم حق، شريف عمره ما حبني، شريف داس عليا”، الأوضة سكتت ثواني، وجاني صوت أبويا من ورا السماعة، صوته القوي الصامد اللي عمرو ما اتهز، وقال لي: “العيال في حض.نك يا بنتي؟”، قولت له: “آه يا بابا”، قال لي بنبرة تخوف من قوتها: “يبقى ابكي النهارده براحتك واغسلي قلبك.. ومن أول ما الشمس تطلع بكره، الحساب هيجمع، واللعب هيبدأ على كبير”. شريف كان فاكرني مقطوعة من شجرة وماليش ضهر، وميعرفش إن الستر اللي كان حاميه مني خلاص ارفع، واللي جاي هيخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يك.سرني.لمتابعه القصه اذكروا الله وانتظروا الباقي
الليل كان أطول ليل في عمري. الساعات كانت بتعدي كأنها سنين، والجرح في بطني بينبض مع كل دقة قلب. بصيت لولادي التلاتة وهما نايمين في أمان، ولقيت جوايا قوة غريبة اتولدت من قلب الوجع. شريف كان فاكرني الست الضعيفة اللي هتقبل بالذل عشان خايفة على اسمها أو خايفة من بكرة، بس ماعرفش إن وجع الولادة وك.سرة القلب عملوا مني ست تانية خالص.. ست مش هتبكي تاني، دي هتحاسب.
الساعة بقت سبعة الصبح، والنور بدأ يدخل من شباك الأوضة المطل على كورنيش التجمع. مع أول ضوء شمس، سمعت صوت دبدبة رجلي في الممر، والباب اتفتح من غير حتى ما يخبطوا. مش ممرضة ولا دكتور.. دول كانوا أبويا، الحاج محمود المصري، وراه أخويا الكبير “طارق” بملامحه الصارمة وعيونه اللي مليانة شرارة غضب، ومعاهم محامي العيلة القديم الأستاذ رأفت بشنطته الجلد وملفه العريض.
أبويا دخل الأوضة، كأنه جنرال نازل أرض المعركة. ما بصش لشنطة هيرميس ولا للسراير الأزاز، عينيه اتثبتت عليا أنا.. على وشي الباهت ومحاليل الإبر في إيدي. قرب مني بهدوء، وباس جبيني بحنان هدّ كل السدود اللي جوّاايا وخلاني أنف.جر في عياط مكتوم. أبويا مسح دموعي بإيده الخشنة وقال بصوت حاسم: “بطلي عياط يا منة.. الرجالة ما بتبكيش على ناس باعت، ودموع الغاليين خسارة في اللي ما يستاهلش. قومي معايا.. كرامتك وكرامة عيالك خط أحمر”.
قبل ما أنطق، الأستاذ رأفت فتح ملفه وطلع ورقة وقرار من النائب العام، وبص لي وقال: “ألف مبروك يا منة هانم، الولاد دلوقتي مسجلين رسمي في السجل المدني بأساميهم، وأبوكي وأخوكي خلصوا إجراءات التأمين والولاية المؤقتة عشان محدش يقدر ياخد خطوة قانونية ضُدك”. بصيت لأخويا طارق بدهشة، وهو ابتسم وقال لي: “كنتِ فاكرة يا منة إن أبوكي وأنا هنسيبك لوحدك؟ من يوم ما الجوازة دي تمت وأنا قلبي مش مطمن لشريف، وكنت سايبك على براحتك عشان ما أفتحش بيتكم، بس لما الواد ده غدر.. لعبنا بالمكشوف”.
طارق كمل كلامه وقال: “شريف علام فاكر نفسه ملك السوق عشان شركته للمقاولات كبرت السنتين اللي فاتوا وبنى كمبوند في التجمع.. بس نسي إن أكبر مقاول في مصر هو خالك، وإن الفلوس اللي شريف بيتمنظر بيها دي كلها قروض بضمانات شركاتنا وأملاك أبوكي القديمة اللي كانت واقفه في ضهره من أول يوم! ده غير إننا عرفنا إن ‘فريدة الهانم’ دي هي اللي كانت بتدير أموال شركته في الصفقات المشبوهة اللي على الحرف”.
قلبي دق بسرعة.. صدمة ورا صدمة. يعني شريف ما كانش بس خاين، ده كمان كان بيلعب لعبة خطر توديه في داهية، وفاكر إنه هيطلع منها على ظهر مراته الغلبانة اللي رمتها في المستشفى! أبويا قال بصوت رزين: “جه وقت الحساب يا منة. البيه طالع دلوقتي من بيته رايح مكتبه في الشارع التجاري، فاكر إنه هيصحى يلاقي ورقة الطلا.ق على مكتبه موقعة، وهيبعت أمن المستشفى يطردوكِ.. بس اللي مايعرفوش، إننا رايحين له بعزبة كاملة، والمكتب والشركة والفلوس والشنطة اللي الست بتاعته بتتباهى بيها، هيرجعوا زي ما بدأوا.. حفايا”.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة وهي مرعوبة وقالت: “يا جماعة.. أمن المستشفى برا بيقولوا إن جوز حضرتك.. أقصدي.. الباشمهندس شريف باعت رجالة عشان يخرجوكِ بالقوة لو ما مضيتيش!” طارق ضحك ضحكة قاسية وقال: “حسن جداً.. وفروا علينا مشوار الندوة. قولي لهم يدخلوهم.. ويستنوا المفاجأة الكبيرة”. أبويا بص لي وقال: “يلا يا بنت الغالي.. البسي عبايتك، وركبي أولادك العربيات.. رايحين نفتح الدفاتر القديمة والجديدة، وشريف علام هينزل على ركبه يبوس إيدك عشان تسامحيه.. بس المرة دي، لا سماح ولا رجوع”.