روايات

ومضة في الظلام

ومضة في الظلام في بيت صغير يغشاه السكون، عاش “محمود” وزوجته “سناء”. كان محمود أعمى منذ طفولته، لا يرى من الدنيا سوى ظلال باهتة وأصوات يستشف منها ملامح الحياة. وعلى الرغم من عتمة بصيرته، كانت بصيرته نافذة ومشبعة بالحب الصادق لزوجته التي اعتبرها طوق النجاة وعصاه التي يتكئ عليها.

كانت سناء بالنسبة له هي الشمس التي لا تغيب، والصوت الذي يزيل وحشة الليل. قضيا سنوات معاً في شقة متواضعة، وكان محمود يعمل بجهد شاق في حياكة السجاد اليدوي، يكد الساعات الطويلة ليؤمن لها حياة كريمة، بينما كانت سناء ترعاه وتلبي طلباته الظاهرة، غير أن شيئاً خفياً كان ينخس قلب محمود أحياناً؛ نبرة متأففة تخفيها، تأخير غير مبرر خارج البيت، وأنفاس هاربة عندما يقترب منها ليضمها. لكنه كان يكذب ظنونه ويقنع نفسه بأنها ضغوط الحياة وتعب رعايته.

بصيص أمل في الأفق في أحد الأيام، جاءه صديق قديم يعمل طبيباً ليخبره عن تقنية حديثة جراحة عيون متطورة، أصبحت متاحة بنسبة نجاح عالية لحالته. لمعت في قلب محمود شعلة أمل لم تعرف الخمود قط. لم تكن الرؤية تهمه لنفسه بقدر ما كانت تهمه لأجلها؛ كان يمني نفسه بأن يفتح عينيه يوماً ليطالع وجه زوجته الحبيب، ويراها كما وصفها قلبه ملاكاً لا يعوض.

بدأ محمود رحلة سرية مضنية؛ ظل لشهور طويلة يضاعف ساعات عمله، يحرم نفسه حتى من أبسط الاحتياجات، ويدخر كل قرش جناه في علبة صغيرة خفية تحت الفراش. لم يخبرها بشيء، فقد أراد أن تكون مفاجأة كبرى تذيب كل جدران العتمة وتكلل صبرها وسنوات تعبها معه بالعرفان والفرح. ليلة الحقيقة بعد إجراء العملية الجراحية المعقدة، قضى محمود أسبوعاً كاملاً في المستشفى، ثم عاد إلى البيت ووجهه مغطى بالشاش الطبي الكثيف، على أن يتم نزعه نهائياً في الصباح بمعرفة الطبيب. في تلك الليلة، كان قلبه يخفق بجنون؛ كان يتخيل اللحظة التي سترים فيها عيناه وجه سناء لأول مرة.

في منتصف الليل، استيقظ محمود على صوت خافت يأتيه من غرفة المعيشة. كان صوتاً لخطوات ناعمة، يتبعها همس غريب ومتقطع. تسلل محمود بخطوات حذرة، مستنداً إلى الجدران التي حفظ طرقتها عن ظهر قلب، حتى وصل إلى باب الغرفة الموارب. تسمر في مكانه، فأنفاس رجل غريب كانت تملأ المكان، وكلمات غزل رخيصة اخترقت أذنيه بوضوح تام، تلتها ضحكات ساخرة ومألوفة جداً لزوجته سناء وهي تتحدث عن “ذلك الأعمى الذي لا يرى شيئاً ولا يفقه شيئاً من الدنيا، وكيف أنه يمول سهراتهما دون أن يدري”.

سقطت الأرض من تحت قدميه، وانطفأ في داخله كل نور كان يترقب قدومه. لم يتحرك، ولم ينطق بكلمة واحدة. عاد إلى فراشه في صمت مميت، وتوسد ليلته العميقة بينما كانت دموعه تنهمر للمرة الأولى بغزارة على بصر لم يولد بعد، وعلى قلب انكسر ألف مرة قبل أن ينبض بالحياة. الصباح المنتظر مع إشراقة شمس اليوم التالي، حضر الطبيب المعالج ومعه الممرضة لفك الشاش وإزالة الضمادات. جلست سناء بقربه، ترتسم على وجهها ابتسامة صفراء مصنوعة بدقة، وتظهر له الاهتمام والقلق الكاذب، قائلة بصوت متماسِك:

“أنا متحمسة جداً يا حبيبي، أتمنى حقاً أن يمن عليك الله بالشفاء اليوم وتراني كما تمنيت دائماً.” لم يجبها محمود. اكتفى بنظرة فارغة باتجاه الصوت. قام الطبيب بحذر بإزالة الطبقات الأخيرة من الشاش وفتح الأغطية الطبية، وقال له بصوت هادئ: “أفتح عينيك ببطء يا محمود، تدريجياً حتى يتعود الضوء.” فتح محمود عينيه ببطء شديد، ومرت ثوانٍ ثقيلة كأنها دهور، حتى تجمعت الصور بوضوح تام أمام عينيه. لأول مرة في حياته، رأى الجدران، رأى الأثاث، رأى الطبيب والممرضة الواقفين أمامه.

ثم… التفت برأسه ببطء نحو سناء. الوداع الأخير رأى وجهها بوضوح؛ ملامحها التي طالما رسمها بطيب ظنه، رآها على حقيقتها، باردة، ترتجف ذعراً وقلقاً وهي تكتشف أنه يحدق بها بعينين مفتوحتين تشتعلان بنظرة صامتة وقاسية أشد قسوة من العمي نفسه. ظلت سناء تبتسم بتوتر شديد، وقالت بصوت مهتز: “أأنت… أأنت تراني يا محمود؟ هل نجحت العملية؟” نظر إليها محمود طويلاً، كأنه يطبع صورتها الأخيرة في ذاكرته ليطوي صفحتها الأبدية، ثم نهض من فراشه بهدوء غريب، والتفت نحو الطبيب وقال بصوت رزين ومستقر:

“شكراً لك يا دكتور، لقد كانت العملية ناجحة تماماً… لقد رأيت للتو ما لم أكن أتمنى أن أراه طوال عمري.” تناول عصاه التي كانت رفيقة دربه القديمة، وبدون أن يلتفت وراءه خطى بخطوات ثابتة وواثقة خارج الغرفة، تاركاً خلفه بيتاً هدمته الخيانة، وعالماً جديداً قرر أن يبدأه بنور الحقيقة، ولو كان ثمنه الوحدة والرحيل الأبدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى