لم يكن فندق “الأطلال” سوى مبنى قديم تفوح منه رائحة الرطوبة والتاريخ الغابر، يقف عند أطراف بلدة جبلية نائية. وصل إليه سليم في ليلة شديدة البرودة، بعد أن تعطلت سيارته في المنتصف بين اللاشيء واللاشيء. أعطاه موظف الاستقبال العجوز مفتاحًا ثقيلًا محفورًا عليه الرقم (7). كانت الغرفة تقع في نهاية ممر مظلم، وتفوح منها رائحة الخشب العتيق. في منتصف الغرفة، قبالة السرير مباشرة، كانت تقف مرآة ضخمة ذات إطار خشبي مزخرف بأشكال غريبة تبدو كأنها أفعى تتلوى حول نفسها.
شعر سليم ببرودة غير طبيعية تشق طريقها إلى عظامه. رمى حقيبته على تتدور الأحداث حول “سليم” الذي اضطر للإقامة في فندق قديم ونكِر بعد تعطل سيارته، ليُمنح الغرفة رقم (7). داخل الغرفة، يلاحظ سليم مرآة عتيقة وبداخلها يعيش كيان غريب وظل لافتاً يقف خلف انعكاسه. يبدأ الانعكاس بالتصرف بشكل مستقل عن سليم الحقيقي، حيث يستجيب الكيان الغريب ويمشي معه إلى أعماق المرآة.
في محاولة رعب للهرب من هذا الكابوس، يقوم سليم بتحطيم المرآة بكرسي، ليكتشف أن الفأس قد وقعت في الرأس؛
فالغريب قد استولى بالفعل على “سليم الانعكاس” وحبسه داخل عالم المرآة، في حين انتقل الكيان الغريب إلى العالم الحقيقي ليحتل جسد سليم، تاركًا الأخير يتحول إلى مجرد ظل ينطفئ داخل الغرفة. الأرض، وتوجه إلى الحمام ليغسل وجهه بالماء البارد. وعندما عاد للغرفة، سار باتجاه الخزانة… ولكن من طرف عينه، لاحظ شيئًا جعل برودة الدم تتجمد في عروقه.
كان خياله في المرآة لا يتحرك كما يتحرك هو.
توقف سليم تمامًا. اتسعت حدقتا عينيه وهو ينظر إلى المرآة. كان يقف على بعد مترين منها، لكن انعكاسه داخل المرآة كان يقف على مسافة أبعد… وكان هناك شخص آخر يقف خلف انعكاسه!
حاول سليم أن يرفش بعينيه، أن يقنع نفسه بأنه نتاج التعب والإرهاق. ولكن الهيكل الظلي المقنع بالسوّاد خلف انعكاسه في المرآة بدأ يتقدم. كان هذا الغريب يمشي بخطوات ثقيلة ومتحسبة نحو “سليم الذي داخل المرآة”.
التفت سليم بسرعة إلى الخلف… لم يكن هناك أحد في الغرفة الحقيقية. الغرفة فارغة تمامًا، هادئة إلا من صوت هبوب الرياح في الخارج.
أعاد نظره فورًا إلى المرآة. الغريب كان قادمًا، وضع يده الباردة على كتف “انعكاس سليم”. وفي تلك اللحظة، رُفعت رأس الغريب في المرآة ليتطلع مباشرة في عيني سليم الحقيقي. كانت عيناه مجرد تجويفين فارغين يتدفق منهما دخان أسود كثيف.
ابتسم الغريب في المرآة ابتسامة عريضة شقت وجهه، ثم رفع يده وحرك أصابعه كأنه يشير لسليم الحقيقي بالتقدم… أو بالأحرى، كان يدعوه للدخول.
فجأة، تحرك انعكاس سليم نفسه! لم يعد يقلد حركة سليم الخارجي. بل دار انعكاس سليم في المرآة، ومد يده نحو الغريب، واستدار ليمشي معه إلى أعمق نقطة في المرآة… متراجعًا نحو الظلام الدامس في القاع!
صرخ سليم: “توقف!” وسحب الكرسي المجاور ورماه بأقصى قوته على المرآة.
تهشم الزجاج إلى آلاف القطع الصغيرة التي تناثرت على السجاد. ساد الصمت التام. كان سليم يتنفس بصعوبة، وعرقه يتدفق كالمطر رغم البرد القارس.
انحنى على الأرض ليرى شوائب الزجاج المتناثرة، مطمئنًا نفسه أن الأمر انتهى.
لكنه عندما نظر إلى أكبر قطعة زجاج متبقية على الأرض، لم يرَ وجهه.
رأى الغريب يقف وحده في الزجاجة… وهو يمسك بيد سليم.
وفي تلك اللحظة بالضبط، سمع سليم صوت همسٍ دافئ يبث في أذنه اليمنى الحقيقية، من داخل الغرفة:
“شكرًا لك… لقد أخذت مكانك أخيرًا.”
وعندما حاول سليم أن يرفع يده ليلتمس أذنه… وجد أن أطرافه لم تعد تستجيب، وأن جسده بدأ يتحول إلى مجرد ظل ينطفئ في ظلام الغرفة رقم 7اتسعت حدقتا سليم، وشعر بموجة ثقيلة من الشلل تسري في عروقه كأنها سم يخدر أعصابه. حاول أن يصرخ، لكن الصوت تجمد في حلقه ليتحول إلى حشرجة خافتة. كان يرى يديه تتحولان تدريجيًا إلى ما يشبه الضباب الأسود، بصرُه بدأ يضعف، وجدران الغرفة رقم 7 أخذت تتلاشى من حوله كأنها لوحة مائية يذيبها المطر.
وفي المقابل، كان الشبح الذي خرج من المرآة يلتف حول نفسه، يتشكل، ويكتسب لحمًا ودمًا وملامح! رأى سليم ذلك الغريب وهو يرتدي جسده الحقيقي، يفرك يديه ببعضهما ليتذوق دفء الحياة، ثم يلتفت نحو الباب بخطوات واثقة، مخلفًا وراءه بقايا المرآة المحشومة… وشيءًا آخر لم يكن يحسب له حسابًا. سقط سليم… لكنه لم يسقط على سجاد الغرفة، بل سقط إلى الأسفل، عبر الفراغ، ليرتطم بأرضية خشبية باردة تمامًا.
فتح عينيه، ليجد نفسه في مكان يعرفه، لكنه يبدو كنسخة باهتة ومقلوبة من الغرفة رقم 7. الألوان هنا كانت معدومة، كل شيء يكسوه رماد كثيف، والضوء الوحيد القادم كان ينبعث من شقوق المرآة المكسورة المقابلة له… والتي كانت تطل على الغرفة الحقيقية! لقد أدرك الحقيقة المفزعة: هو الآن يسكن داخل المرآة.
تطلع سليم من خلال أكبر قطعة زجاجية متبقية على أرضية العالم الحقيقي. رأى الغريب —الذي أخذ جسده وملامحه— يقف أمام باب الغرفة، يحمل حقيبته، ويستعد للمغادرة. لكن قبل أن يفتح الباب، التفت الغريب ونظر نحو قطعة الزجاج المكسورة على الأرض، وابتسم ابتسامة خبيثة كشفت عن أسنان حادة لا تشبه أسنان البشر. قال الكيان الغريب بصوت سليم تمامًا: “استمتع بضيافتهم… المكان يزداد اكتظاظًا في الليل.” ثم ألقى مفتاح الغرفة على الأرض وغادر، مطبقًا الباب خلفه بقوة.
ساد صمت مرعب. جثا سليم على ركبتيه وحاول دفع القطعة الزجاجية للعبور، لكنها كانت كالجدار الصلب المكهرب الذي يدفعه للوراء كلما لمسه. وفي تلك اللحظة بالذات، سمع سليم صوت خطوات خفيفة خلفه. لم تكن خطوات لشخص واحد… بل كانت خطوات العشرات! التفت سليم بسرعة، وتراجعت أنفاسه من الرعب. لم تكن المرآة تحوي غرفته فقط، بل تمتد خلفه إلى ممر لا نهائي من الممرات المظلمة، وفي هذا العالم الرمادي الناضب من الحياة، كان هناك العشرات من الأشخاص يقفون في الظلال. كان بعضهم يرتدي ملابس تعود لثمانينيات القرن الماضي، وبعضهم بملابس قديمة جدًا تعود للقرن التاسع عشر!
جميعهم كانوا ينظرون إليه بعيون جوفاء، كئيبة، وممتلئة باليأس. تقدمت نحوه امرأة عجوز ترتدي ثوبًا أسود متهالكًا، وقالت بصوت أشبه بهشيم الأوراق الجافة: “لا تتعب نفسك يا بني… بمجرد أن تحطم الزجاج من الخارج، تُغلق البوابة إلى الأبد. لقد خدعك كما خدعنا جميعًا.” قال سليم بصوت يرتجف: “من أنتم؟ وما هذا المكان؟” أجابت العجوز وهي تشير إلى أفق الممر المظلم: “نحن النزلاء الحقيقيون للغرفة رقم 7. هذا الفندق لم يُبنَ للغرباء، بل بُني ليكون فخًا. الكيانات التي تسكن الجانب الآخر ليست سوى أطياف جائعة بلا أجساد، تنتظر كل شخص وحيد يعبر هذا الفندق، لتسـ,ـرق انعكاسه، ثم تسـ,ـرق حياته وتتركه هنا.”