روايات

لم يكن فندق “الأطلال” سوى مبنى قديم تفوح منه رائحة الرطوبة

رفض سليم أن يستسلم. تذكر موظف الاستقبال العجوز، وملامحه الباردة، وكيف أعطاه مفتاح الغرفة رقم 7 تحديدًا دون غيرها. أدرك أن العجوز ليس سوى شريك في هذه اللعبة، أو ربما كيان آخر نجح في الخروج قبل عقود! صرخ سليم: “لا! لن أبقى هنا! يجب أن هناك طريقة للعودة!” قالت العجوز وهي تتراجع للخلف نحو الظلال: “الطريقة الوحيدة هي أن تجد مرآة أخرى لم تُكسر… ولكن المرآة التالية تقع في نهاية الممر، حيث ينام ‘الحارس’. ولا أحد وصل هناك وعاد حياً.”

لم يكن أمام سليم أي خيار آخر. كانت أطرافه الشفافة في هذا العالم الرمادي تبدأ بالتآكل كلما مر الوقت، وكأن العالم الظلي يمتص ما تبقى من روحه. قرر سليم أن يسير في الممر المظلم، متجاوزًا العشرات من الضحايا الذين كانوا ينظرون إليه بصمت وأسى. كان الممر يزداد برودة وظلمة مع كل خطوة. والأصوات تتردد في جنباته؛ همسات، بكاء مكتوم، وشهقات أشخاص فقدوا حياتهم في لحظة غفلة. وبعد ما بدا وكأنه ساعات من المشي في الفراغ، وصل سليم إلى قاعة ضخمة.

في منتصف القاعة، كانت هناك مرآة واحدة كاملة، غير مكسورة، ذات إطار نحاسي ينبعث منه ضوء أزرق خافت. ولكن قبالة المرآة، كان يقبع كائن ضخم ومظلم، تتكشف منه أذرع كثيرة كأغصان الأشجار الميتة، وينام بنوم ثقيل يتصاعد منه صوت شخير يرتج له المكان. كان هذا هو “الحارس”. تسلل سليم بحذر شديد، كاتمًا أنفاسه، وخطا فوق الأرضية الرمادية كأنه طيف. اقترب من المرآة النحاسية، وشاهد من خلالها المشهد… كانت تطل على ممر الفندق الحقيقي، وكان الكيان الغريب (الذي يرتدي جسد سليم) يسير فيه متوجهًا نحو باب الخروج الرئيسي!

أدرك سليم أنه إذا غادر الغريب الفندق، فستنتهي فرسته في الاستعادة للابد. مد سليم يده نحو سطح المرآة النحاسية… ووجدت يده اخترقت الزجاج كأنه ماء دافئ! كانت هذه بوابة مفتوحة! لكن، وفي نفس اللحظة التي وضع فيها قدمه الأولى ليخرج، سقطت قطعة خشبيّة ميتة من السقف لتصدر صوتًا مدويًا. فتح “الحارس” عيونه الحمراء الضخمة دفعة واحدة! أصدر الكائن زئيرًا هز أركان العالم الرمادي، واندفعت أذرعه المظلمة المتعددة بسرعة نارية نحو سليم للقبض عليه. شعر سليم بأطراف حادة تلامس كاحله وتجذبه بقوة للوراء، لكنه اعتصر كل ما أوتي من إرادة، ورمى بنفسه بكامل ثقله عبر المرآة النحاسية!

تحطم زجاج المرآة النحاسية خلفه مدويًا مع اندفاعه، وسقط سليم على أرضية الممر الحقيقي لفندق “الأطلال”! استعاد سليم أنفاسه بالكامل، وشعر بالدفء يعود إلى جسده وأطرافه. نظر إلى يديه… لقد كانتا يديه الحقيقيتين! نسي آلامه وقام مسرعًا، ليجد الغريب يقف على بعد أمتار قليلة عند الباب الخارجي للفندق، ومفتاح السيارة في يده. التفت الغريب بصدمة ورعب لم يكن يتوقعهما، وقال بصوت متلعثم: “كيف… كيف خرجت؟!”

لم يتكلم سليم. بل اندفع نحو الغريب بكل غضبه، واشتبك معه في صراع عنيف على أرضية الاستقبال. كان الغريب يحاول استخدام جسد سليم القوي، لكن سليم الحقيقي كان يقـ,ـاتل من أجل حياته وجوده نفسه. استطاع سليم أن يسحب المفتاح الثقيل للغرفة رقم (7) من جيب الغريب، وضـ,ـربه به بقوة على رأسه. ترنح الغريب وسقط على الأرض. وفي تلك اللحظة، بدأ جسد الغريب يتذبذب، وتتحول ملامحه مجددًا إلى ذلك الدخان الأسود الكثيف.

ركض سليم نحو الباب الخارجي، فتح السيارة التي كانت معطلة بالصدفة قد أُصلحت، أدار المحرك بنجاح، وداس على دواسة البنزين بأقصى سرعة، مخترقًا العاصفة والظلام، تاركًا فندق “الأطلال” يختفي خلفه في طيات الجبل. بعد مرور ثلاثة أيام… كان سليم يجلس في شقته بالمدينة، يحاول أن يستوعب الكابوس الذي عاشه، مطمئنًا نفسه أنه نجح في الهروب وأن حياته عادت لتكون طبيعية. قام من مقعده وذهب إلى الحمام ليغسل وجهه. فتح الصنبور، مسح الماء عن عينيه، ثم رفع رأسه لينظر في مرآة الحمام.

ابتسم سليم لنفسه في المرآة، متناسيًا الرعب. لكن انعكاسه في المرآة… لم يبتسم. بل رفع يده الباردة، ووضع سبابته على شفتيه، وقال له همسًا من داخل الزجاج:
“هل تعتقد حقًا أن من خرج من الفندق… كان أنت؟”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى