ياآنسة، إذا ماعملناش العملية الآن، فقد تمـ,ـوتين خلال أقل من ساعة… وزوجك لا يجيب.
كانت تلك آخر جملة سمعتها قبل أن يأخذوني إلى غرفة العمليات في مستشفى كبير بالقاهرة. كنتُ أنا ليان محمود، أبلغ من العمر تسعة وعشرين عامًا، وقد تمزق شريان قريب من قلبي فجأة. كان ضغطي منخفضًا جدًا، بالكاد أستطيع التنفس، ومع ذلك ظللت واعية.
وبينما كانت إحدى الممرضات تحاول الاتصال بالشخص المسجل كجهة اتصال للطوارئ، تلقت ممرضة أخرى إشعارًا على هاتفها.
—هل رأيتِ؟ اليوم يتزوج آدم فؤاد، رئيس مجموعة فؤاد. الحفل يُبث مباشرة من أحد فنادق القاهرة الجديدة.
شعرت وكأن شيئًا بداخلي تحطم للمرة الثانية.
آدم كان زوجي.
ووفقًا للقانون، كنا لا نزال متزوجين.
أما المرأة التي ترتدي الفستان الأبيض فكانت نادين شريف، مصممة أزياء كنت أنا من تعاقدت معها قبل ثلاث سنوات.
حاولت الممرضة الاتصال به مرة أخرى.
لا إجابة.
—نحتاج إلى موافقة لإجراء العملية —قال الطبيب—. الوضع خطير والمخـ,ـاطر كبيرة.
لم أكن أستطيع الكلام. بالكاد كنت أحرك أصابعي.
—ليان، إذا كنتِ تسمعينني، ارمشي.
أغمضت عيني وفتحتهما.
وضعوا الورقة أمامي. كانت فرص نجاتي أقل من النصف. أمسكت القلم بيد ترتجف بلا توقف، ووقعت بنفسي.
عندما استيقظت، كان الليل قد حل. كان صدري مغطى بالضمادات، وحلقي يؤلـ,ـمني، وشعرت بحرارة شديدة خلف عظمة الصدر.
—العملية نجحت —قالت لي الممرضة—. كنتِ في وضع حرج جدًا، لكنك تجاوزتِ الخطر.
طلبت هاتفًا.
اتصلت بآدم ثلاث مرات.
لم يجب.
عندها اتصلت بـمريم، مساعدتي الشخصية.
—ليان… الحمد لله —قالت وهي تبكي—. كنت أبحث عنكِ طوال الوقت. اتصلت بآدم أيضًا، لكنه لم يجب.
—هل انتهى حفل الزفاف؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت:
—نعم.
وأرسلت لي مقطع فيديو.
ظهر آدم مبتسمًا أمام مئات المدعوين.
كانت نادين ترتدي فستان الزفاف وتبكي من شدة التأثر. اقترب منه أحد الصحفيين وسأله عن زواجه السابق.
أجاب آدم بهدوء جعل الدـ,ـم يتجمد في عروقي:
—هناك علاقات تستمر فقط بسبب العادة. أما اليوم، فأنا مع المرأة التي أريد حقًا أن أبني معها حياتي.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
لم أتصل به مرة أخرى.
لمست الضمادات على صدري بحذر، ثم قلت لمريم:
—غدًا ستتصلين بالمحامي حسام الدمنهوري. أريده أن يبدأ فورًا في تنفيذ كل بنود اتفاق الزواج، وأن يوقف أي تصرفات مالية مشبوهة، وأن يستعيد كل شيء يخصني.
—ليان، أنتِ خرجتِ للتو من غرفة العمليات!
—ولهذا تحديدًا. اليوم فهمت أن البقاء على قيد الحياة ليس مجرد حظ… أحيانًا يكون قرارًا.
في صباح اليوم التالي، وصلت مريم وهي تحمل ملفًا كبيرًا.
فتحت الملف أمامي.
وبين الأوراق وجدت شيئًا كان أسوأ من مجرد خـ,ـيانته لي.
كان آدم قد وضع منزلاً فاخرًا في الزمالك، ورثته عن والدي قبل وفاته، كضمان للحصول على قرض ضخم.
ثم حوّل من خلال ذلك التمويل مبلغًا هائلًا من المال إلى شركة تملكها نادين.
ميراثي.
بيتي.
أموالي.
كل شيء كان يستخدمه لتمويل حياة المرأة التي تزوجها بينما كنت أنا على طاولة العمليات أصارع من أجل البقاء.
رفعت عيني نحو مريم وقلت بهدوء:
—أحضري المحامين، وشركة نقل الأثاث… وثمانية شاحنات.
نظرت إليّ بدهشة.
—ماذا ستفعلين؟
نهضت ببطء، وأنا أضع يدي على صدري.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ استيقاظي.
—سأستقبل زوجي بالطريقة التي يستحقها.
ولم يكن أحد يتخيل ما الذي سيجده آدم عندما يعود من شهر العسل.
الجزء الثاني الجزء الثاني بعد ستة أيام فقط من الجـ,ـراحة، وقفتُ أمام قصر الزمالك. كان الألم في صدري لا يزال ينبض مع كل نفس عميق، لكن الألم الذي سكن روحي تحول إلى جليد صلب لا ينكسر.
دخلت الشاحنات الثمانية إلى باحة القصر. لم أترك قطعة أثاث واحدة، ولا لوحة فنية، ولا حتى ستارة اشتريتها بمالي أو ورثتها عن عائلتي. أفرغت القصر تمامًا حتى عاد جدرانًا صماء وأرضيات جرداء. كل تفصيلة صغيرة نقلتها إلى مخازن سرية باسمي الخاص، وغيرت أقفال البوابات، وعلقت لافتة قانونية ضخمة مختومة من المحكمة تفيد بوضع العقار تحت الحراسة القضائية بسبب نزاع تمويلي وتزوير توكيلات. في نفس التوقيت، كان المحامي حسام الدمنهوري يضع بين يدي النائب العام ملفًا أسود يوثق كيف استغل آدم توكيلًا قديمًا لإدراج عقاري كضمان لقرض بنكي غير قانوني وتحويل السيولة إلى حسابات شركة أزياء نادين.
في مساء اليوم التالي، عاد آدم مع نادين من باريس. توقفت سيارتهما الفارهة أمام البوابة ليجدا الأضواء مطفأة والأبواب موصدة بسلاسل حديدية. حين ترجل آدم غاضبًا وهو يصرخ في وجه الحراس الذين تم استبدالهم بالكامل، خرجتُ من سيارتي التي كانت تقف في الظل على الجانب الآخر من الشارع. كانت نادين تمسك بذراعه مرتدية معطفًا فاخرًا، لكن ملامحها تجمدت حين رأتني أمشي بخطوات هادئة وثابتة، رغم شحوب وجهي والضمادات المخفية تحت معطفي الأسود.
— ليان؟! — قالها آدم بصدمة وهو يتراجع خطوة للخلف، وكأنه يرى شبحًا عاد من القـ,ـبر — كيف… ألم تكوني مريضة؟ وما الذي يحدث هنا؟ أين أثاث البيت؟ نظرت إليه ببرود تام، وقلت بنبرة خافتة لكنها اخترقت صمت الشارع: — كنتُ بين الحياة والمـ,ـوت وأنت تحتفل بزفافك، يا آدم. لكن لحسن حظي، قلبي الذي أردت أن تتركه يتوقف… قرر أن يعيش ليرى نهايتك. صرخت نادين بتوتر: — أنتِ مجنونة! هذا بيتنا، والمال الذي في شركتي استثمار رسمي!
ابتسمتُ نصف ابتسامة وأشرت لحسام الدمنهوري الذي خرج من سيارته يحمل إخطارًا قضائيًا. — الاستثمار الرسمي بالتزوير عقوبته السجن. البنك جمد كل الحسابات المربوطة بالقرض منذ الظهيرة، والأموال التي دخلت شركتك تم التحفظ عليها كأموال منهوبة. أما هذا القصر… فهو إرث والدي الذي لن تطأه قدماكما مجددًا. حاول آدم الاقتراب مني، وبدت في عينيه لأول مرة ملامح الرعب بعد أن أدرك حجم الكـ,ـارثة وسقوط إمبراطوريته المالية: — ليان، فلنتحدث بهدوء… يمكننا تسوية كل شيء، أنتِ تفهمين الأمور بشكل خاطئ!
— حديثي معك سيكون أمام القاضي فقط — قطعت كلماته بحزم، ثم التفتُّ وركبت سيارتي دون أن ألتفت خلفي لصرخاتهما المتصاعدة في الظلام. بعد ثلاثة أشهر، أُعلنت تصفية مجموعة فؤاد لتسديد الديون المتراكمة، وصدر حكم بحبس آدم بتهمة خيانة الأمانة والتـ,ـزوير، بينما أغلقت نادين دار أزيائها بعد إفلاسها التام. أما أنا، فوقفتُ على شرفة مكتبي الجديد المطل على النيل، وضعت يدي فوق موضع الجرح الذي التأم تمامًا، وتنفست بعمق. لقد أدركت حينها أن الضـ,ـربة التي كادت تقـ,ـتلني لم تكن سوى البداية الحقيقية لحياتي التي أستحقها.