روايات

جوزي منعني أروح ذكرى و.فاة أبويا، ووقف قدام باب البيت وقال لي بمنتهى البرود:

— الفضل بعد ربنا ليكي.
لكن واضح إنه نسي.
أو يمكن…
هو ماكانش يعرف الحقيقة كاملة من البداية.
مديت إيدي بهدوء.
مسكت القلم.
لأول مرة، ابتسامة حماتي اختفت شوية.
يمكن كانت متوقعة إني أعيط.
يمكن كانت مستنية إني أترجاه.
محمود نفسه بصلي باستغراب.
مسكت الورق…
ومضيت.
ثريا فتحت عينيها.
أما محمود فسكت كام ثانية، كأنه مش مستوعب إني فعلًا عملتها.
وبعدين حاول يرجع غروره بسرعة وقال:
— تمام.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وكمل:
— هنشوف كبرياءك ده هيستمر لحد إمتى.
ما رديتش عليه.

حطيت القلم فوق الترابيزة.
طلعت صورة صغيرة لأبويا من الدرج، وطويتها بحرص وحطيتها جوه شنطتي.
مسكت الشنطة بإيد.
ومشيت ناحية الباب.
ولا محمود وقفني.
ولا حماتي نادت عليا.
لكن وأنا بقفل الباب ورايا، سمعت صوت ثريا وهي بتقول:
— يومين بالكتير وهترجع تعيط على الباب.
وقفت ثانية واحدة.
لكن ما بصتش ورايا.
وكملت طريقي.
ماكانوش يعرفوا إن الرجوع كان آخر حاجة بفكر فيها.
وماكانوش يعرفوا إن الوظيفة اللي محمود بيتباهى بيها…
والمنصب اللي خلاه يتعامل معايا كأني أقل منه…

والشركة اللي كان فاكر إنه وصل لها بمجهوده لوحده…
وراهم حكاية عمره ما عرفها.
وإن السر اللي خبيته عنه 3 سنين كان أخيرًا على وشك يطلع للنور.
يتبع… الجزء الثاني في التعليقات.
مستنية أقرأ تعليقاتكم قبل ما نكمل الجزء الثانى…
لو عايزين الجزء الثانى والأخير من القصة، اعملوا لايك للبوست أو سيبوا تعليق. شكرًا جدًا على دعمكم! الجزء الثاني نزلت السلم بخطوات ثابتة، ومع كل درجة كنت بحس بحمل تقيل بينزاح عن صدري. ما كانتش دموعي نازلة لأني خسرت محمود، دموعي كانت محبوسة من الصدمة في بني آدم نكر الجميل وباع كل حاجة في لحظة غرور.

ركبت عربيتي، وطلعت تليفوني واتصلت برقم كان متسجل عندي باسم “عمي جلال”. رن التليفون مرتين، وجالي صوته الهادي الرزين: — صباح الخير يا نور يا بنتي.. وصلتي لبلد والدتك ولا لسه في الطريق؟ بلعت ريقي وأنا بحاول أظبط صوتي عشان ما يحسش بكـ,ـسرتي: — صباح الخير يا عمي جلال. أنا في طريقي لماما دلوقتي، بس اتصلت أبلغ حضرتك.. أنا ومحمود انفصلنا رسمي من عشر دقايق.

الخط سكت لثواني طويلة، وبعدها صوت عمي جلال اتغير وبقى صارم جدًا: — عمل إيه؟ حكيتله بهدوء شديد كل اللي حصل من أول منعه ليا إني أروح ذكرى وفاة أبويا، لحد ورقة الطلاق اللي كانت جاهزة في الدرج. جلال بيه الصاوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الصاوي القابضة، والشريك المؤسس والممول الرئيسي لـ “مجموعة النخبة” اللي محمود بيشتغل فيها كمدير إقليمي.. والأهم من ده كله، إنه الصديق الوفي الوحيد لأبويا الله يرحمه من أكتر من ثلاثين سنة.

من 3 سنين، لما كان محمود قاعد من غير شغل وشارف على الاكتئاب، أنا اللي روحت لعمي جلال. طلبت منه يوظف محمود في الشركة الجديدة اللي كانوا بيفتحوها، بس اشترطت عليه شرط واحد: “أرجوك يا عمي، اوعى يعرف إني اتوسطت له، ولا يعرف إنك صاحب الشركة.. محمود راجل وعنده عزة نفس ومش عايزاه يحس إنه مديون لمراته، خليه يفتكر إنه اتقبل بمجهوده وشطارته.”

عمي جلال احترم رغبتي وقتها، ودعمه من ورا الستار، ووصّى الإدارة تديله الفرص والمشاريع الكبيرة لحد ما كبر وبقى مدير إقليمي، من غير ما محمود يعرف إن كل ترقية وكل بونص كان بموافقة وإشراف جلال بيه، عشاني أنا وبس. صوت عمي جلال قطع حبل أفكاري: — يا خسارة الأيام والوقفات.. أبوكي الله يرحمه كان ستر وغطا عليه، وإنتِ بنيتيه من الصفر. بس تمام يا بنتي، هو اختار، واللي يبيع بنت الغالي في ذكرى وفاته، يبقى خسر كل حاجة. روحي لأمك يا نور وطمني قلبها، وسيبي الباقي عليا.

وصلت بيت أمي، أول ما دخلت وشوفتها قاعدة ممسكة بمصحف أبويا، اترمت في حضنها. بكيت لأول مرة.. بكيت على سنين عمري اللي ضيعتها مع شخص مزيف، بس أمي مسحت على راسي وقالتلي: — اللي يبيعك وإنتِ في أضعف لحظاتك يا بنتي، ربنا بيحميكي منه لباقي عمرك. عدّى اليوم بسلام، قرينا الفاتحة لأبويا، واستقبلنا الناس اللي بيحبوه بجد، وكان يوم مليان سكـ,ـينة افتقدتها لسنين.

على الجانب التاني، في شقة محمود في القاهرة… الساعة كانت 6 المغرب، ومحمود كان مالي الصالة بضحكاته مع حماتي ثريا، مستنيين وصول الوفد المهم جداً من مجلس الإدارة اللي كان محمود مرتب يعزمهم على العشا، وكان معتمد تماماً على الأكل والترتيبات اللي أنا سبتهاله جاهزة. الباب خبط. محمود فتح وابتسامة عريضة على وشه: — أهلاً وسهلاً بحضراتكم، نورتوا بيتي المتواضع! دخلوا اتنين من كبار مديري الشركة، وكان معاهم المحامي القانوني للمجموعة، وملامحهم ما كانتش ملامح ناس جاية تتعشى أو تبارك.

محمود استغرب وقال: — اتفضلوا يا فندم، العشا جاهز، بس غريبة.. جلال بيه الصاوي مش معاكم؟ هو كان قايل إنه هيشرفنا بنفسه النهارده في الزيارة. المحامي قعد وحط شنطة جلد سودة قدامه، وبص لمحمود ببرود: — جلال بيه باعتنا بمهمة عمل رسمية يا أستاذ محمود. ثريا دخلت تقدم العصير وهي متوترة: — خير يا بهوات؟ محمود لسه متلقي إشادة الأسبوع اللي فات..

فتح المحامي الشنطة وطلع ملف كبير: — أستاذ محمود، بناءً على المراجعة الاستثنائية لحسابات المجموعة وبناءً على تعليمات رئيس مجلس الإدارة والمالك الأكبر للأسهم، جلال بيه الصاوي، تقرر الآتي: أولاً: إنهاء خدماتك من منصب المدير الإقليمي لمجموعة النخبة فوراً. ثانياً: التحفظ على سيارة الشركة والشقة الحالية اللي تم تمويل إيجارها بنظام دعم الإدارة العليا، وإلزامك بتسليم كل العهد خلال 48 ساعة. محمود وشه شحب تماماً، حس إن الأرض بتلف بيه: — إيه الكلام الفارغ ده؟! إنتوا اتجننتوا؟! أنا اللي شايل الفرع ده على كتافي! أنا متعين بكفاءتي ومجهودي، وجلال بيه يعرف ده كويس! أنا هكلمه حالاً!

مسك تليفونه بإيدين مرتعشة واتصل برقم جلال بيه وفتح الاسبيكر. رد جلال بيه بصوت هادي كالثلج: — خير يا محمود؟ محمود صرخ بانهيار: — جلال بيه! الناس بتوعك هنا في بيتي بيقولوا كلام مش مفهوم! بيقولوا إني مفصول وهيسحبوا الشقة والعربية! ده أكيد في سوء تفاهم! رد جلال بيه بكلمات نزلت على راس محمود زي الصاعقة: — مفيش سوء تفاهم يا محمود. الشركة اللي إنت فاكر إنك بقيت ملكها بمجهودك، دي بتاعتي. والوظيفة اللي دخلتها وإنت مش لاقي تمن المواصلات، دخلتها بتوصية وطلب رجاء من نور. محمود برق وعينيه اتسعت برعب: — نـ.. نور؟!

كمل جلال بيه: — نور اللي كانت بتدفعلك إيجارك زمان، هي اللي طلبت مني أعملك بني آدم وأديك فرصة تانية لما الدنيا كلها قفلت في وشك. نور خبت عنك إني شريك والدها من زمان عشان ما تجـ,ـرحش كبرياءك. لكن لما تكبر على حسابها، وتبيعها في يوم ذكرى والدها الراجل المحترم، وتخيرها بين كرامتها وبينك.. يبقى وقت الحساب جه. إنت اخترت ترجع مكان ما بدأت.. والدايرة اتقفلت يا محمود. الخط اتقفل.

التليفون وقع من إيد محمود على الأرض واتكسر. بص لأمه اللي وشها بقى أصفر زي الليمون وقعدت على الكرسي مش قادرة تنطق: — نور؟! نور هي اللي كانت ورا كل ده؟! محمود جري على أوضة النوم، فتح دولابي بيدور على أي ورق يثبت أو ينفي.. لقى تحت هدومي القديمة اللي نسيتها كارت عمي جلال المكتوب بخط إيده يوم جوازنا: “إلى ابنتي الغالية نور.. شركتنا ومكاتبنا في خدمة محمود إكراماً لروح والدك الغالي”.

في اللحظة دي، الغرور اتبخر، والبدلة الشياكة حس إنها خانقاه. افتكر كلمته ليا الصبح: “من غيري ما عندكيش حاجة.. كام شهر وهتيجي تترجيني أرجعك”. اتضح إنه هو اللي من غيري.. ما عندوش أي حاجة. بعد يومين، كنت قاعدة في جنينة بيت أبويا بشرب شاي مع أمي، لما باب البيت رن. فتحت، لقيت محمود واقف قدامي.. مبهدل، وشه شاحب، وتحت عينيه سواد، مش هو خالص المدير الإقليمي المغرور بتاع أول إمبارح.

وقف ووطى راسه وقال بصوت مكسور: — نور.. أرجوكي، اسمعيني بس.. أنا مكنتش أعرف، أمي كانت بتزن عليا، وأنا الشيطان عماني.. أرجوكي بلاش تضيعيني، أنا هبوس رجلك ورجل والدتك بس سامحيني ونرجع الورقة دي.. إنتِ عارفة إني مقدرش أعيش من غيرك. بصيتله من فوق لتحت بنفس البرود اللي اتعامل بيه معايا، ومسكت مقبض الباب. قلتله بهدوء وصوت واثق: — إنت ما مكسرتنيش يا محمود، إنت بس كشفتلي حقيقتك في الوقت المناسب.. الورقة اللي مضيتها الصبح من يومين، كانت شهادة ميلادي الجديدة. والباب ده، اتقفل خلاص زي ما طلبت.. ومبيرجعش يفتح للرخاص.

قفلت الباب في وشه بمنتهى القوة، ورجعت قعدت جنب أمي، وأنا عارفة إن اللي راح ما كانش غير وهم، وإن الحياة الحقيقية والكرامة.. لسه بتبدأ النهارده.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى