ياسين حاول يتحرك، بس وجع فظيع ضــ,,ـــــرب صدـ,,ـــره خلاه يكشر بعنــ,,ـــــف، وطلع صوت أنة مكتومة من حلقه. — ما… ما تتحركش كتير… الدكتور اللي جوايا هو اللي قالها، مش الست المقهورة اللي جرحتها من ست سنين. سكت ثواني، بص في عيني نظرة طويلة كأنه بيقرا كل دمعة نزلت مني وأنا بربي بنته لوحدي في شقة ضيقة في حي شعبى، وبعدين بلع ريقه بصعوبة وقال: — كنت… كنت مضطر يا سارة… لو كنت فضلت جنبك… كنت هأمــ,,ـــــوتك إنتِ واللي في بطنك… عيلتي… أعدائي… ماكنش حد هيسيبنا في حالنا…
— وعشان تحميني… هربت؟! قاطعته وصوتي علي غصب عني، والوجع القديم اتفجر جوه صدـ,,ـــري كأنه بيحصل لأول مرة. — سيبتني في ليلة وضحاها من غير حتى كلمة سلام؟ سبتني أواجه صدمة الحمل لوحدي، والخوف لوحدي، وليالي المرض والحمى والمصاريف لوحدي؟ مفكرتش أنا حسيت بإيه وأنا بفتح الجواب السخيف ده؟ مفكرتش بنتك… سكتُّ فجأة وأنا حاسة بغصة حارقة في زوري. منعت نفسي بالعافية إن اسم “مريم” يطلع، لأنني أقسمت إن السر ده هيفضل مدفون بيني وبين نفسي.
بس ياسين… بذكائه اللي دايماً كان بيرعبني، لمح لمعة الدموع في عيني، وشافه الارتعاشة في صوتي. — بنتي؟ سأل بصوت واطي، وعينيه اتسعت شوية رغم الإرهاق. — سارة… إنتِ… قلتي بنتي؟ سر الميناء القديم الدم جمد في عروقي. كنت غبية… اتسرعت وطلعت مني الكلمة بكل سهولة. حاولت أعدل ملامح وجهي فوراً وأرجع أقنع نفسي بالقناع المهني. — كنت بتكلم عموماً… عن أي طفل كان ممكن أكون شايله، أو عن نفسي… قلتها بتبرير ضعيف ما يدخلش على طفل عنده خمس سنين.
لكن ياسين ابتسم ابتسامة شاحبة، ابتسامة عارفة وموجوعة. — أنا مش غبي يا سارة… عيونك ما بتكذبش عليا أبداً. ست سنين… وخلفتِ بنت؟ اسمها إيه؟ عندها كام سنة؟ قبل ما ألحق أرد، باب العوضة اتفتح بعنــ,,ـــــف، ودخل شخص ثالث. راجل طويل، أشيب الشعر، لابس بدلة فاخرة جداً، وعليه هيبة وتكبر يملوا الأوضة كلها. بص لي بنظرة فاحصة، وبعدين بص لياسين اللي كان بيحاول يعدل قعدته.
— الباشا فاق؟ كويس. قال الراجل بصوت غليظ وفيه نبرة سخرية واضحة. — شكل أعدائك كانوا ناويين يخلصوا عليك المرة دي يا ياسين بيه، بس حظك الحلو إنك وقعت في مستشفى حكومي فيها دكتورة شاطرة… أو يمكن مش صدفة؟ بصيت للراجل بغضب. — مين حضرتك؟ وإزاي تدخل العناية المركزة في وقت زي ده؟ الحراسة بره نايمين ولا إيه؟ ياسين كشر في وش الراجل الجديد وقال بصوت خشن: — اطلع بره يا عاصم… شغلي ومستشفياتي مش من اختصاصك.
عاصم ضحك ضحكة قاسية، وقرب من السر,,ـــــير لحد ما وقف جنبي مباشرة، لدرجة إني شميت ريحة عطر غالي ومستفز. — شغلك؟ يا راجل ده أنت بين الحياة والمــ,,ـــــوت، ورجالتك في الميناء بيتلخبطوا، والصفقة الكبيرة هتروح مننا لو ما مضيتش الأوراق اللي في إيدي. وبعدين… بص لي وابتسم بابتسامة صفراء — شكل الدكتورة الجميلة دي مش غريبة عنك… ولا يمكن تكون حاجة تخص حياتك الشخصية اللي دايماً مخبيها؟ قلبي دق بجنون. “الميناء… الصفقة… عاصم”. كل الكلام ده بيؤكد لي إن العالم المظلــ,,ـــــم اللي ياسين هرب منه، لسه بيطارده لحد سر,,ـــــير المــ,,ـــــوت، والخطر اللي كان خايف منه زمان، لسه حواليه وحوالينا كلنا.
بصيت لياسين، ولقيت عينيه بتلمع بشر مرعب، كأنه بيرسم خطة انتقام وهو بينزف على السر,,ـــــير. — عاصم… قسم بالله لو قربت منها، أو عرفت أي حاجة تخصها أو تخص بيتها، لهخليك تتمنى المــ,,ـــــوت وما تلاقيهوش، حتى لو أنا في الحالة دي! عاصم رفع إيهود بسخرية، وخرج من الأوضة وهو بيبتص لي نظرة أخيرة خلتني أحس بالبرد بيسري في ظهري. الخطر يقترب من البيت ياسين لف راسه ببطء وبص لي بعيون كلها رجا، ولأول مرة أشوف الدموع تقريبا بتلمع في عينيه.
— سارة… أرجوكي… اسمعيني كويس. الأمان اللي كنتِ عايشة فيه الست سنين اللي فاتوا… انتهى خلاص من اللحظة اللي دخلت فيها المستشفى دي. عاصم شافك، وعارف إنك تهمني… وده معناه إن مريم في خطر. اسم “مريم” لما اتطقق من لسانه خلاني أتحول لأسدة دافعة عن صغيرها. نسيت كل الجروح، ونسيت سنين الفراق، وقربت منه لحد ما وشي وبقى قصاد وشّه تماماً، وهمست بصوت حاد: — لو حد قرب من بنتي… ه.ك بإيدي دول، سامعني يا ياسين؟! هخلص عليك وأنا واقفة مكانى!
ياسين غمض عينيه ونزل راسه على المخدة وقال بصوت مكسور: — عديها معايا الليلة دي بس يا سارة… خرّجيني من هنا، وتعالي معايا… تعالي ناخد مريم ونمشي من البلد دي كلها… في اللحظة دي، تليفوني في جيب بالطو المستشفى اهتز بعنــ,,ـــــف. طلعت الموبايل وفتحته، ولقيت رسالة جديدة من جارتي هبة: “سارة! الحقيني! في عربيتين سودا وقفوا قدام العمارة، وفيه رجالة بينزلوا منهم وبيسألوا على شقتك وعلى اسم مريم! أنا خايفة أوي، أعمل إيه؟!”
التليفون وقع من إيدي على أرضية المستشفى واتكسر نصين، وعالمي كله اتقلب في ثانية واحدة. يتبع… اكتبوا لي توقعاتكم في الكومنتات، هل سارة وياسين هيقدروا ينقذوا مريم؟ وما تنسوش اللايك والصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ!