وش شريف فقد لونه.
ومنى لاحظت.
لأول مرة من بداية الليلة…
جوزها ماكانش باصص لعادل باستغراب.
كان باصصله بخوف.
وكأنه يعرف بالضبط مين نادية منصور.
عادل رجع مد الكارت لمنى.
وقال:
—العشا بكرة الساعة 8.
منى أخدت الكارت.
وقالت:
—هكون موجودة.
لكن قبل ما تمشي، قرب عادل منها وهمس بجملة محدش غيرها سمعها:
—وفي حاجة تانية لازم تعرفيها قبل بكرة…
منى بصتله.
قال:
—الـ40 مليون اللي عرضتهم من شوية ماكانوش هزار.
سكت لحظة.
—لأن ده تقريبًا المبلغ اللي جوزك أخده من ميراثك وإنتِ ما تعرفيش……. يتبع مين متحمس يكملها سيب لايك وكومنت وهتلاقي الرواية كاملة في التعليقات عرض أقل الجزء الثاني: الحقيقة التي سقطت كالصاعقة وقفت منى مكانها، عقلها يتوقف عن الاستيعاب وكأن الزمن قد تجمد عند تلك الجملة الأخيرة. أربعون مليون جنيه؟ ميراثها الضائع؟ وجوزها الذي كان منذ ثوانٍ معدودة يتباهى بسخريته منها، تحول لونه إلى الأصفر وشحب وجهه تمامًا، وبدأ التوتر يظهر جليًا في ارتعاشة أصابعه وهو يمسك بالميكروفون.
شريف حاول أن يستجمع قواه المهزوزة، فتقدم بخطوات مترددة نحو عادل، وصاح بصوت مذعور يحاول إخفاءه بغضب مصطنع: —أنت بتقول إيه يا بني أدم أنت؟ جاي تكذب كدبة وتعمل فيها بطل رواية قدام الناس؟ مراتي لا عندها ميراث ولا أبوها كان يملك ملليم واحد! عادل لم يلتفت إليه أساسًا، بل ظل ثابتًا مكانه، عيناه الدافئتان متوجهتان نحو منى التي كانت تحارب رعشة يديها وهي تمسك بالكارت الشخصي.
قال عادل بنبرة هادئة وحازمة جعلت صدى صوته يتردد في أرجاء القاعة الواسعة: —اسألي جوزك.. اسأليه مين اللي موّل أول خط إنتاج لشركته من سبعتاشر سنة؟ ومنين جاب الفلوس اللي بنى بيها أول فرع لمؤسسة الدمنهوري بعد جوازكم بسنة واحدة، في الوقت اللي كان فيه شغال موظف بسيط على قد حاله؟ الانهيار التدريجي التفتت منى ببطء نحو شريف. نظراتها لم تكن نظرات زوجة مكسورة كما اعتاد أن يراها طوال الستة وعشرين سنة الماضية، بل كانت نظرات محقق يكشف خيوط الجريمة الأولى.
قالت بصوت خافت لكنه قطع صمت القاعة المرعب: —شريف.. الكلام ده صح؟ حاول شريف أن يبتسم بابتسامة صفراء، وضحك ضحكة عصبية مفتعلة وهو يلوح بيده للضيوف: —يا جماعة الست هرت.. الراجل ده أكيد مأجور أو بيمثل فيلم تركي قدامكم! متدوش اهتمام.. لكن أحد رجال الأعمال الكبار من الحاضرين وقف وقال بجدية: —أنا أعرف عادل منصور كويس يا شريف، وكلمة منه بمقام عقد مبرم في أرقى المحاكم.. لو الراجل بيقول في ميراث، يبقى الموضوع فيه إنّ!
الهمسات عادت تضج في القاعة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن سخخرة من منى، بل كانت تساؤلات تلاحق شريف الذي بدأت قطرات العرق تتصبب بغزارة على جبينه. أدرك تمامًا أن اللعبة انتهت، وأن القناع سقط أمام الجميع في ليلة كان خطط لها أن تكون ليلة استعراض غروره وسطوته. المواجهة الكبرى لم تنتظر منى انتهاء الحفلة، ولا حتى سماع المزيد من مبررات شريف المتخبطة. استدارت بخطوات ثابتة وثقة غريبة لم تكن تدرك أنها تمتلكها، وخرجت من باب القاعة الفخم، وتركت خلفها أكثر من ثلاثمائة شخص يتابعون سقوط إمبراطورية شريف الدمنهوري الوهمية في ثوانٍ معدودة.
في اليوم التالي، تمام الساعة الثامنة مساءً، كانت منى تجلس في زاوية هادئة بمطعم راقٍ بوسط البلد، تفرك بيديها كارت عادل منصور. بعد دقائق قليلة، دخل عادل بخطواته الهادئة، واعتذر عن تأخيره البسيط ثم جلس على الطاولة المقابلة لها. وضع ظرفًا ورقيًا بني اللون أمامها وقال بصوت يغلفه الحزن والاحترام: —كنت متأكد إنك هتيجي.. اتفضلي يا مدام منى، دي المستندات الرسمية اللي بتثبت كل كلمة قلتها امبارح.
فتحت منى الظرف بقلب يخفق بشدة. الوثائق كانت عبارة عن عقود قديمة، شهادات ميلاد، وأوراق تنازل وميراث مسجلة بالشهر العقاري، تحمل اسم والدتها الحقيقية “نادية منصور”، واسم شريف الدمنهوري كشريك ومستفيد وحيد من التركة بعد وفاة الخال الوحيد وقبلها الأم في ظروف غامضة. رفعت منى عينيها الدامعتين إلى عادل وقالت بصوت مكسور: —إزاي خبي عني كل السنين دي؟ إزاي قدر يفهمني إني انسانة ضعيفة، مالهاش أي قيمة، وأنه هو اللي شيلني وصابر عليّ؟
ابتسم عادل بمرارة وقال: —لأن ده السلاح الوحيد اللي يقدر يتحكم بيكي من خلاله.. لو كان عرفك إنك ملكتي الدنيا دي كلها من قبل ما تتجوزيه، كنتِ هتدوسي عليه من أول يوم. هو استغل طيبتك، وحولك لخادمة في بيتك، وهو بياكل من تعبك وميراثك. الانتقام البارد
ساد الصمت لعدة ثوانٍ بينهما، قبل أن تمسح منى دموعها بيد ثابتة، وتظهر في عينيها بريق قوة جديدة لم تعرفه من قبل. أغلقت الظرف بعناية وقالت: —أنا مش عايزة فلوسه يا أستاذ عادل.. أنا عايزة كل حاجة بناها بالكدب والخداع ترجع لمكانها الصح، وهو يرجع لنقطة الصفر، زي ما كان يوم ما عرفني أول مرة. نظر إليها عادل بإعجاب شديد وقال: —اطمني.. المحامين بتوعي بدأوا الإجراءات من امبارح بالليل، وبكرة الصبح أول حجز قضائي هيتنفذ على قصر الدمنهوري ومؤسسته الخيرية المزيفة.
عادت منى إلى بيتها في منتصف الليل. فتحت الباب بهدوء لتجد شريف جالسًا على أريكة الصالون، وجهه شاحب، وشعره منكوش، وبصره زائغ. ما إن رآها حتى هب واقفًا كالمجنون وصاح بصوت مرتجف: —كنتي فين؟ ورحتِ له ليه؟ أنتي ناوية تخربي بيتنا عشان شوية كلام فاضي؟! نظرت إليه منى باحتقار بارد، ومرت من أمامه وهي تفك عقدة فستانها الكحلي بثقة تامة، وقالت بصوت هادئ ومخيف: —البيت ده عمره ما كان بيتي يا شريف.. وبكرة الصبح، لما تصحى وتلاقي نفسك بره الشارع، هتفتكر كويس مين فينا اللي كان ملوش لازمة ومين اللي كان محتويك. تصبح على خير يا طليقي المستقبل!
ذهبت لغرفتها، وأوصدت الباب خلفها بقوة، وتركت شريف يصرخ في الصالة كالمنمجنون، بينما بدأت هي حياة جديدة لا تقبل فيها أن تكون نكتة في قاعة أحد، ولا مظلومة في ظل رجل أناني.