سقط الهاتف من يد أيسل لكنها لم تشعر به…. الكلمات كانت تتردد في رأسها كدوي الانفـ,ـجارات جابر الرضوان…. الإمبراطورية بتنهار شعرت ببرودة تسري في أوصالها وضعت يدها المرتجفة على بطنها تحمى جنينها من هذا الخوف المفاجئ.
في تلك اللحظة فتح باب الحديقة الزجاجي.
ظهر زين…. بهيبته المعتادة سترته ملقاة بإهمال على كتفه وعنقه متحرر من رابطة العنق. لكن بمجرد أن وقعت عيناه عليها استشعر الصقر بالخطر…ملامحها الشاحبة ووقفتها المتصلبة جعلت الدـ,ـماء تتجمد في عروقه.
ألقى سترته أرضاً وتقدم نحوها بخطوات واسعة أمسك كتفيها وعيونه الرمادية تمسح وجهها برعب حقيقي
أيسل مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟ حاسة بوجع؟
أكلم الدكتور؟
نظرت إلى عينيه التي تفيض بالخوف عليها وابتلعت غصة مريرة في حلقها…..دفعت يديه عنها ببطء وتراجعت خطوة ليتجمد هو مكانه من حركتها
مين جابر الرضوان يا زين؟
السؤال خرج كطلقة اخترقت صدره… تغيرت ملامح زين في جزء من الثانية.. الخوف عليها تحول إلى غضب أعمى…. فكه تصَلَّب وعروق رقبته برزت
مين اللي جابلك السيرة دي؟
أيسل بصوت يرتجف
رنا….. رنا اللي إنت قولتلي إنك نهيت وجودها من حياتنا..
بتكلمني وتتريق عليا وتقولي إن جوزي مخبي عني إن أملاكه مبنية على سرقة وإن المحاكم بكرة هتستلم الورق
زين أغمض عينيه بقوة وأطلق
سبة خافتة بين أسنانه…. فتح عينيه وتقدم نحوها مجدداً لكن هذه المرة لم يترك لها مجالاً للتراجع….. أمسك وجهها بيديه الكبيرتين وعيونه تخترقها بصدق لم تره سوى فيه
اسمعيني كويس.. رنا دي حشرة أنا دوست عليها….. واللي بتعمله ده رفسة المـ,ـوت. وجابر ده كابوس قديم جدي طرده من ٢٥ سنة
ودلوقتي راجع يساومنا بورق مزور مسـ,ـروق..
أنا مقولتلكيش عشان إنتي حامل عشان الدكتور قال أي ضغط غلط عليكي إنتي فاكرة إني ممكن أخبي عليكي حاجة ؟ أنا كنت ببني حيطة سد عشان القذارة دي متوصلكيش
أيسل دموعها نزلت رغماً عنها
ليس خوفاً من جابر بل من فكرة أن الخطر يحيط بهم
أنا مراتك يا زين أنا مش تمثال من هتخاف عليه يتكسر…..أنا بنت طارق الرضوان…. ولما يكون في حرب أنا هقف في ضهرك مش بستخبى وراك
زين لم يحتمل رؤية دموعها سحبها إلى صدره بقوة دفـ,ـن وجهه في عنقها وهو يتنفس رائحتها ليهدئ البركان الذي يغلي بداخله.
ضهرك ده أنا اللي أتحامى فيه من الدنيا كلها يا أيسل.. بس دي حرب قذرة وأنا مبوسخش إيدي قدامك.
جابر مش هياخد مليم والمحكمة اللي رنا بتهدد بيها دي أنا هخليها مقبرتهم بكرة الصبح…. إنتي بس ارتاحي وخليكي واثقة في الصقر بتاعك
فى جاليري يوسف الجندي منتصف الليل
المعرض انتهى الضيوف انصرفوا والأنوار خفتت لتعطي المكان طابعاً كلاسيكياً حميمياً.
فريدة كانت تجمع أشياءها في حقيبتها بعصبية مفرطة تريد الهروب من هذا المكان وتحديداً من نظرات ذلك المتغطرس يوسف
كانت على وشك الخروج لتجده يقف مستنداً على الباب الزجاجي الضخم يعيق طريقها تماماً.
كان يمسك كأساً من الماء وينظر إليها بتلك الابتسامة المستفزة التي تجعل دـ,ـماءها تغلي
لسه بدري يا فنانة.. ولا الهروب بقى عادة؟
فريدة وقفت أمامه رافعة رأسها بشموخ
أنا مبهربش….. أنا خلصت شغلي. لو سمحت وسع الطريق أنا معنديش طاقة للمناهدة معاك.
يوسف لم يتحرك إنشاً واحداً. وضع الكأس جانباً واقترب منها بخطوة بطيئة…. كان طويلاً جداً مقارنة بها مما اضطرها لرفع رأسها أكثر
إنتي فاكرة إني بشتري لوحاتك عشان أذلك؟
فريدة بسخرية لاذعة
أومال إيه؟ دعم للمواهب الشابة؟
إنت واحد مريض بالسيطرة بتحب تحس إن كل حاجة بتنشرى بفلوسك
تغيرت نظرة يوسف تماماً.. اختفت السخرية وحل محلها عمق غامض ونظرة أربكت فريدة وجعلت قلبها يخفق بقوة غريبة.
أنا مريض بالسيطرة فعلاً يا فريدة.. بس الفن الحقيقي مبيتباعش وأنا عارف ده.
أنا اشتريت …غضب البحر عشان شفتك فيها.. شفت العناد والتمرد والنار اللي بتغلي جواكي تحت قناع البنت الهادية بنت الأكابر.
فريدة ابتلعت ريقها بصعوبة الكلمات ألجمتها وقربه المهلك أضعف دفاعاتها.
أكمل يوسف بصوت مبحوح
وهو يميل برأسه قليلاً نحوها
انا جالي عرض من معرض دولي في روما…..
طالبين فنان مصري يمثل الفن المعاصر وأنا رشحتك إنتي.
اتسعت عيناها بذهول
روما؟! إنت رشحتني أنا؟ بعد كل اللي حصل بينا؟
يوسف ابتسم وتراجع خطوة للخلف
قولتلك، أنا راجل أعمال ناجح.. ومبخلطش الشخصي بالشغل.
روما فرصة عمرك.. فكري فيها
ولو وافقتي، هنبقى مضطرين نسافر مع بعض ونشوف بعض
كتير أوي يا بنت الرضوان..
تصبحي على خير.
تركها وغادر الجاليري بينما وقفت فريدة مكانها قلبها ينبض بجنون وعقلها في حالة شلل تام.
روما؟ معاه؟ ده فخ..
بس فخ مغري أوي
فى مكتب كارما فى شركة الرضوان …..اليوم التالي
كانت كارما تجلس أمام اللوحات الهندسية الإرهاق يسيطر عليها ومحاولات إيجاد حل لمشكلة توصيلات المياه في الموقع تبوء بالفشل…. فركت عينيها بتعب وأمسكت كوب القهوة البارد.
فجأة فُتح الباب ودخل مروان.
سحب كرسياً وجلس بجوارها تماماً دون أن ينظر إليها وسحب اللوحات الهندسية من أمامها.
كارما بضيق
مروان أنا مش فايقة لهزارك.. عندي مشكلة كارثية في ميول الأرض في الموقع.
مروان أخرج قلماً هندسياً من جيبه وبدأ يخطط على اللوحة بسرعة وتركيز مذهل وعيونه تتحرك بين الحسابات بدقة لامتناهية.