أم سعد والحاج متولي تبادلوا نظرات استغراب، وأنا دمعتي نزلت غصباً عني. في اللحظة دي، حكيت لسامح والحاج متولي كل حاجة باختصار شديد، ومن غير ما أدعي البطولات.. حكيت عن الغدر، والطرد، والتريقة، والفولدر اللي مع المحامي. الحاج متولي خبط بكف أيده على الفخذ وقال بصوت يهد المكان: — وحق جلال الله، الست اللي تستحمل قسوة الشغل دا وماتطأطئش راسها، حظها مش هيمــ,,ـــــوت! أنتِ من بكرة مش شغالة في الحلاب يا نادية.. أنتِ من بكرة مسؤولة الجودة والتطوير في المزرعة كلها، ومرتبك هيتضاعف أربع مرات!
المفاجأة الأكبر ما كانتش هنا.. سامح لما عرف اسم شركة طارق القديمة اللي كانت بتورد مواد خام وأعلاف للمزارع، ملامح وشه اتغيرت تماماً وسألني بجدية قاطعة: — طارق جوزك ده مش كان فاتح شركة اسمها “الأمل للتوريدات” قبل ما يغير اسمها لـ “جلوبال”؟ قلتله بعفوية: — أيوا.. الورق اللي حيلتي كله باسم شركة “الأمل”، وده الورق اللي طارق كان فاكر إنه حــ,,ـــــرق أصوله، بس أنا كنت شايلاها في بيت أمي الله يرحمها من 17 سنة.
سامح مسك تلفونه واتصل بمحامي كبير جداً من معارفه وقال قدامي: — يا متر.. معانا الورق الأصلي لشركة “الأمل” اللي اتأسست سنة 2009!
وهنا انكشفت الحقيقة اللي كانت غايبة عني: طارق لما أسس شركة التوريدات في البداية، أسسها بفلوس صيغتي وفلوس مؤخر صداق أمي اللي باعت حتة أرض عشان تساعدنا نبتدئ! وفي عقد التأسيس الابتدائي، أنا كنت شريكة بالنص وبتوقيعه وشروطه المسجلة. لما الشركة بدأت تكسب ملايين، عمل حيلة غير قانونية وسجل شركة جديدة باسم “جلوبال” ونقل كل الأصول والحسابات ليها عشان يزور الورق ويخرجني بلحمص، واشترى شقق وعقارات باسم “نيرمين” وباسم أخته عشان يهرب من حقوقي، وكان فاكر إن أصل عقد “الأمل” اتدمر في حــ,,ـــــريق المخزن القديم!
الورق اللي كان في الفولدر القديم، واللي سلمته للمحامي في أول جلسة، مكنش مجرد كشف حسابات عادي.. ده كان “عقد الشراكة الأولية” اللي فيه بصمته وتوقيعه، ورسائل بخط أيده بيقر فيها إنه خد فلوس أمي لبداية المشروع! بدأ العد التنازلي لليوم الموعود.. يوم “جلسة الـ 30 يوم”. طوال الشهر، مكنتش بنام. النهار أقضيه في المزرعة أطور مع سامح خطوط الإنتاج ونعمل ميزانية للمزرعة، وبالليل أعد مع المحامي الجديد اللي جابه سامح، ونجهز القنبلة القضائية اللي هتنفجر في وش طارق ونيرمين.
وجاء يوم الجلسة.. دخلت قاعة محكمة الأسرة في التجمع الخامس، لكن المرة دي مكنتش خايفة ولا انكسرت. المرة دي، دخلت ولابسة نفس الفستان التل القديم بتاع أمي! أيوة.. تعمدت ألبسه. عشان أثبت لنفسي وليه إن الفستان ده هو مصدـ,,ـــر عزتي، ومش هو اللي بيحدد قيمتي. طارق أول ما شافني، بص لنيرمين وضحكوا بثقة عمياء. نيرمين مالت عليه وقالت بصوت مسموع: — شفت؟ جاية بنفس الفستان المزبلة! شكلها ملقتش حق فستان غيره من الشغالة في المنصورة!
طارق بصلي بقرف وقال بصوت عالي: — الجلسة دي هيتم فيها رفض كل طلباتك يا نادية، وساعتها مش هتلاقي حتى التذكرة اللي تروحك المنصورة تلمي القمامة! القاضي دخل، ودقت المطرقة.. “محكمة!” ساد الهدوء القاعة. قام المحامي بتاع طارق وقدم أوراق بتفيد إن طارق معندوش أي أملاك، وإن الشركة المسجلة باسمه “جلوبال” خسرانة ومحجوز عليها، وإن نادية ملهاش أي نفقة أو مؤخر يقدر بدفعهم غير ألف جنيه شهرياً!
هنا قام المحامي بتاعنا وقف وثباته يهد جبال.. — سيادة القاضي! بنقدم لعدالتكم المجلد رقم (1) بحكم المحكمة الاقتصادية الصادر صباح اليوم حظراً تحفظياً شاملاً على جميع أموال وممتلكات وحسابات الأستاذ طارق، وزوجته الجديدة نيرمين! القاعة كلها اتجهت عيونها للمحامي! طارق وقف من طوله: — أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟! تحفظ إيه وحسابات إيه؟! ضــ,,ـــــرب القاضي بالمطرقة بغضب: — الزم حدودك يا أستاذ! اتفضل كمل يا متر.
كمل المحامي بتاعنا بثقة: — بنقدم لسيادتكم عقد تأسيس شركة “الأمل” المؤرخ من 17 سنة، والموقع من المدعى عليه، والذي يثبت شراكة موكلتي السيدة “نادية” بنسبة 50% من أصول الشركة، وبنقدم المستندات الدالة على أن شركة “جلوبال” ما هي إلا كيان وهمي تم تأسيسه بنقل أصول وملايين شركة “الأمل” بغرض التزوير والهروب من حقوق الزوجة. وبنقدم صور التحويلات المالية التي تم تحويلها لحساب المدعوة “نيرمين” لشراء شقة التجمع الخامس والمزرعة العقارية باسمها، وهي أموال متحصلة من عمليات التزوير والشراكة المسروقة!
المحامي بتاع طارق وشو اصفر ووقف يدور في أوراقه ومش عارف يرد. نيرمين وقفت تصرخ: — أنا ماليش دعوة! الفلوس دي هو اللي كتب الشقة باسمي! أنا ماليش دعوة بالتزوير ده! طارق مسكها من إيدها وزقها: — أنتِ هتلبسيني يا روح أمك؟! مش أنتِ اللي قولتلي امنع عنها كل مليم واكتب كل حاجة باسمك عشان نخلص منها؟! المحكمة تحولت لساحة حرب بينهم! طارق بيزعق لنيرمين، ونيرمين بتشتمه وبتعيط وتقول للمحامي يلحقها من السجــ,,ـــــن، والمحامي بتاعهم بيلطم على وشو ومش عارف يسيطر على الوضع.
القاضي ضــ,,ـــــرب بالمطرقة بقوة تلت مرات: — سكوت في القاعة! بصلي القاضي بنظرة تقدير كبيرة، وبعد مراجعة المستندات والتحفظ القضائي، رفع الجلسة للاستراحة.. وبعد ساعتين خرج بالقرار اللي هز القاعة: التحفظ على جميع الحسابات البنكية والعقارات المسجلة باسم “طارق” و”نيرمين” لحين انتهاء تحقيقات النيابة العامة في قضايا التزوير وغسيل الأموال. إلزام المدعى عليه بدفع أرباح ومستحقات السيدة “نادية” عن الـ 17 سنة الماضية كشريكة بالنصف، والتي تقدر بحوالي 45 مليون جنيه مصري كتقدير مبدئي لحين حصر باقي الأصول!
تمكين السيدة “نادية” من الشقة والسيارات لحين انتهاء التصفية. طارق قعد على الكرسي ومش قادر يتنفس.. الضحكة المسخرة اختفت، والغرور اللي كان مالي وشو تحول لذعر ورعب حقيقي. نيرمين سابته وجريت بره القاعة وهي بتصرخ لما عرفت إن حساباتها اتجمدت وإنها متهدده بالسجــ,,ـــــن بتهمة التستر والتزوير.