روايات

من يوم ما اتولدت وأنا مخبية وشي بالشاش

وقعت على أرضية الحمام بغرفة النوم، وأنا أكاد أُجنّ من هول ما رأيتُه انعكاسه في المرآة الكبيرة أمامي. لم يكن هناك أي تشويه… لا حروق، ولا علامات، ولا ندبات مرعبة كما كان أبي يكرر على مسامعي طوال سنين عمري! بل على العكس تمامًا… كان وجهي آيةً في الجمال. بشرة بيضاء نقية كألماس خالص، عيون واسعة تحيط بها رموش كثيفة، وملامح ناعمة وهادئة تشبه تمامًا ملامح امرأة واحدة محفورة في ذاكرتي من طفولتي المبكرة… أمي. نعم، أمي التي غادرتنا في ظروف غامضة يوم ولادتي، والتي لم أرى لها أي صورة قط في ذلك القصر!

وقفت بصعوبة وأنا أتحسس وجنتيّ بأصابع مرتعشة، غير مصدقة أن هذا الوجه الجميل البديع كان محبوسًا طوال ثمانية عشر عامًا خلف أمتار من الشاش الأبيض! لماذا إذن فعل أبي هذا بي؟ لماذا سجن جمالي، وأقنعني طوال عمري بأني شخص مختلف يخاف منه الناس؟ بينما كنت أغرق في دوامة من الأفكار، انفتح باب البلكونة فجأة، ودخل زوجي “زياد” وهو يهم بخلع سترته الأنيقة، ليتفاجأ بي ساقطة على الأرض ووجهي عارٍ تمامًا للمرة الأولى. تجمد زياد في مكانه، ووقعت السترة من يده على الأرض.

اتسعت عيناه غير مصدقين لما يراه أمامه، وبدلًا من أن يشيح بنظره أو يبدي استياءً – كما طالما أخبرني أبي سيحدث – تقدم خطوتين للأمام بصوت متهدج: — إنتِ… إنتِ مين؟ وينها البنت اللي بغطاء الشاش؟! نظرت إليه بعيون دامعة ومليئة بالغضب والخوف، ورددت بصوت منخفض: — أنا هي… أنا مراتك. بس قولي أنتَ… هل أنت كنت عارف باللي بيحصل؟ هل كنت شريك مع أبويا في اللعبة دي؟ شحب وجه زياد بشدة، وارتجف صوته وهو يقول: — أبوكِ… أبوكِ لم يخبرني سوى أنكِ مصابة بحساسية تمنعكِ من التعرض للضوء وكشف وجهكِ! لكن… لكن الحقيقة غير كده خالص!

أبوكِ كذب عليّا أنا كمان! الصفقة دي كلها والزواج ده… وراءه سر كبير أخفاه عننا إحنا الاتنين! قبل أن نواصل الحديث، سمعنا صوت صرير باب القصر الخارجي يُفتح ببطء، تلاه وقع خطوات ثقيلة ومألوفة للغاية… صوت عصا أبي وهو يدق أرضية المدخل. نظر إليّ زياد برعب وقال بصوت خافت: — أبوكِ جه… في نص الليل! ليه ممكن ييجي القصر دلوقتي؟ خفق قلبي بعنف، وتسلل شعور مرعب إلى روحي: أبي لم يكن يحميني طوال السنين الماضية… كان يخفي شيئًا ما عن العالم، شيئًا مرتبطًا بي، وربما بغياب أمي أيضًا!

هرعت بسرعة وبرعشة في كل عظم في جسمي، أخدت أي طرحة قريبة مني ورميتها على وشي عشان أداري اللي اكتشفته، وفي نفس اللحظة كان صوت خطوات أبي بيقرب من باب الأوضة أكتر وأكتر. زياد وقف قدامي بسرعة، ووشه كان ماليان خوف وحيرة، وقال بصوت هامس وحازم: — اعدلي نفسك، وخلي الشاش أو الطرحة على وشك كأن مفيش حاجة حصلت.. تعالي نشوف هو عايز إحنا الاتنين إيه في وقت متأخر زي ده. الباب اتفتح بعنف من غير حتى ما يخبط، ودخل أبي وعصاه بتدبدب في الأرض بعنف. عيونه كانت حمرا ومليانات غضب، وبص لنا بنظرة قوية. — إنتوا لسه صاحيين؟ كويس..

وفرتوا عليّا تعب الصباح. قرب بخطوات بطيئة، وبص لزياد وقال بصوت جاف: — الورق اللي اتكلمنا فيه يا زياد.. ميعاده بكرة الصبح بدري، وعايز إمضاءك عليه فورا من غير أي تلكيك. زياد بلع ريقه، وبص لأبي نظرة غريبة كان فيها تحدي ولأول مرة شجاعة مش معتادة: — يا عمي.. قبل ما نمضي على أي ورق، لازم نعرف الحقيقة. ليه خبيت وش بنتك كل السنين دي؟ وليه كذبت عليّا وقاصد تخفي عني الحكاية من أساسه؟! أبي اتجمد مكانه، ووشه انقلب للون الأصفر الباهت، وبص لي بنظرة مرعبة، وبعدين صرخ بصوت عالي: — إنتِ.. إنتِ شلتي الشاش؟! إزاي عملتي كده؟!

أنا مش قلتلك أوعي تعملي كدة أبدا؟! رديت عليه وصوتي بيترعش بس مليان غضب وقهر: — أيوه شلته يا بابا! شفت إن مفيش أي تشويه! شفت إني شبه أمي اللي غابت في ظروف غامضة يوم ولادتي! كفاية كذب بقى.. فهمني إيه السر؟! هل إنت ليك يد في غياب أمي عشان تخفي الحقيقة؟ وإيه علاقة ده بكل ثروتك والموضوع ده كله؟! أبي ضحك ضحكة قوية، وابتسم ببرود، وقال: — يا ريت كانت دي الحكاية لوحدها! الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي! أمك ما ما.تتش بولادتك..

أمك سافرت وسابتك، بس قبل ما تسيب القصر، سابتلي وصية تخلي كل الملايين والعقارات دي ملكك إنتِ وحدك، بشرط واحد: إنك تفضلي مستخبية عن عيون العالم وعن أي طامع.. لأن وشك الحقيقي.. هو مفتاح الخزنة الكبرى اللي فيها وثائق ومستندات تدينني في كل أعمال التجارة غير القانونية اللي عملتها طول عمري! صعقت في مكانى.. مش عشان التشوه المزعوم ولا عشان سر عائلي عادي، لأ.. عشان اكتشفت إن أبويا تاجر بكل حياتي ومشاعرى عشان يفضل ماسك الإمبراطورية دي، وإني بالنسبة له مجرد “صندوق ودائع” متنقل! زياد بص لأبي بصدمة وقال بغضب:

— يعني إنت جوزتني بنتك عشان تضمن إن الورق والتوكيلات تفضل في إيدك وما تطلعش بره العيلة؟! أبي طلع مسدس صغير من جيبه ووجهه لينا بكل برود: — بالضبط كده يا زياد.. وللأسف، أنتوا الاثنين عرفتوا أكتر من اللازم، واللي يعرف السر ملوش مكان يعيش بعد الليلة دي! قلبي وقف في اللحظة دي.. بصيت لزياد اللي كان بيبصلي بنظرة كلها ندم واعتذار، لكن في نفس اللحظة دي، زياد ما استسلمش! بسرعة البرق، وقبل ما أبويا يضغط على الزناد، هجم زياد على أبيا بكل قوة ودخلوا في صراع شرس على المسدس. الصوت كان مرعب، والترابيزة اللي جنب الباب اتك.سرت لألف حتة.

استغليت الفرصة، ومن غير ما أتردد لحظة، جريت على إزاز البلكونة الكبير، وضر.بته بإيدي لحد ما اتك.سر وفتح لي طريق للهروب. الهواء البارد ضر.ب وجهي العاري لأول مرة في حياتي، وخدت نفس عميق حسيت بيه إني ببتولد من جديد. صوت ضر.بة قوية جه من جوه الأوضة.. بصيت بسرعة لقيت زياد قدر يوقع المسدس من إيد أبي، وكتفّه على الأرض بقوة! زياد بص لي وهو بيجاهد عشان يثبت أبي، وصرخ بصوت عالي: — إنتي استنيتي إيه؟! روحي على مكتب أبوكِ.. المستندات وورق إدانته كله هناك في الخزنة! إحنا لازم نبلغ الشرطة فورًا قبل ما رجالة الحراسة يحسوا بحاجة!

جريت على مكتب أبي اللي كان في آخر الممر، وبإيدين بتترعش بس بقلب قوي، فتحت درج المكتب ولقيت الفلاشة والمستندات الأصلية اللي بتثبت كل أعماله. في نفس اللحظة دي، كانت سيارات الشرطة تحاصرت القصر من بره بعد ما كان زياد قدر يضغط على زر الإنذار المخفي في الصالة. الشرطة اقتحمت المكان، وقبضت على أبي، وانكشف كل ستره قدام القانون والناس. بعد أيام، أخذ أبي جزاؤه العادل، ورجعت لي كل ثروة أمي وحقوقي كاملة. وقفت قدام مراية القصر الكبير، بصيت لملامحي اللي كانت مسجونة سنين، وبحركة بطيئة ابتسمت لنفسي..

وأنا مسسكة إيد زياد اللي وقف جنبي وساعدني أبدأ حياة جديدة بجد، من غير قيود، ولا شاش، ولا خوف.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى