روايات

أمي بوظت عشا تخرج بنتي بكلمة واحدة اتقالت قدام العيلة كلها

أمي بوظت عشا تخرج بنتي بكلمة واحدة اتقالت قدام العيلة كلها: “مش هصرف على تنابلة في بيتي تاني”، والكل هز راسه مأيد كلامها.. ساعتها بس، حطيت الدوسيه الأزرق جنب التورتة، وفتحت أول ورقة، عشان ألمح وش أبويا وهو بيجيب ألوان وبيترجاني بصوت واطي: “أبوس إيدك يا بنتي بلاش”.

“مش هربي عواطلية في بيتي أكتر من كدة”.. قالتها الحاجة سعاد بصوت عالي قدام الترابيزة كلها، في اللحظة اللي “نور” بنتي كانت لسة لابسة فيها روب التخرج. العشا كله اتجمد. كنا في مطعم شيك على النيل في المعادي، النور الهادي متعلق فوقنا، أطباق المشويات والمقبلات مالية الترابيزة، وتورتة النجاح الكبيرة مستنية تتقطع. نور يادوب مخلصة ثانوية عامة بمجموع دخلها “طب قصر العيني” مرتاحة، بنت عندها ١٨ سنة، لابسة فستان كحلي رقيق، وابتسامتها اللي شقيت سنين عشان أشوفها كانت منورة وشها. الليلة دي، أنا كنت عايزة الدنيا كلها تفرح لبنتي. بس الحاجة سعاد عمرها ما تفوت فرصة تفرض فيها سيطرتها وتكسر المقاديف.

خبطت على كوباية العصير بالمعلقة كأنها هتقول خطبة. الكل بصلها. أخويا “طارق” ساب الشوكة من إيده، ومراته “شيماء” اتعدلت في قعدتها. خالاتي بدأوا يبتسموا، مستنيين كلام حلو ودعوتين من بتوع الكبار. بس الحاجة سعاد وقفت ورمت القنبلة: “أنا مش هصرف على تنابلة في بيتي تاني. يا ياسمين، أنا سيبتك ٤ سنين تظبطي حالك، من أول الشهر الجاي يا تدفعي إيجار زي الناس، يا تاخدي بنتك وتشوفيلك حتة تانية تأويكي.” نور وطت راسها في الأرض. حسيت بقلبي بيتعصر، مش من الكسفة، من الغل.

أنا اللي بطبق شفتات في المستشفى، وبسهر أعمل حسابات لعيادات بالليل، وبعت عربيتي عشان أسدد ديون متلتلة، وفي الآخر أمي طالعة تقدمهم للعيلة على إني عالة ومتربية في عزها! خالة من الخالات وشوشت اللي جنبها: “والله معاها حق، كتر خيرها لحد كدة.” والتانية ردت: “سعاد دي طيبة بزيادة.” طارق أخويا متكلمش نص كلمة، وشيماء مراته هزت راسها كأنها حافظة الأسطوانة دي وصمّاها. بصيت لنور بنتي، لقيتها ماسكة المنديل وعصراه في إيدها لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت. وكملت الحاجة سعاد بنفس النبرة الحنينة المزيفة اللي بتستعملها لما تحب تهين حد بشياكة:

“أنا مقدرة إن الأم بتبقى عايزة تقف جنب بنتها، بس للصبر حدود. البيت ده كلفني أنا وأبوكي شقى عمرنا، ومش هينفع تعيشي على قفانا طول العمر.” مديت إيدي تحت الكرسي وسحبت دوسيه أزرق غامق. الحاج محمود، أبويا، وشه جاب ألوان أول ما شافه. همس بصوت بيترعش: “ياسمين.. عشان خاطري بلاش.” بس أنا كنت سفيت تراب وسكتت بما فيه الكفاية. حطيت الدوسيه على الترابيزة، لازق في تورتة نور. وقولت بمنتهى الهدوء: “عظيم جداً، طالما فتحنا باب مين بيصرف على مين، ومين عايش على قفا مين، خلينا نورّي العيلة الكريمة مين اللي شايل الليلة دي كلها.” الحاجة سعاد جزت على سنانها وقالت:

“بلاش فضايح واعملي احترام للناس.” رديت: “الفضايح دي إنتي اللي بدأتيها.” فتحت أول فاصل في الدوسيه. مكتوب عليه بخط عريض: “أقساط البنك”. طلعت نسخ من كشوفات الحساب ورميتها على الترابيزة للكل. “قسط البنك.. ٢٥ ألف جنيه كل شهر.. مدفوعين من حسابي الشخصي بالمليم بقالهم ٣٦ شهر.” طارق عقد حواجبه وسأل باستغراب: “من حسابك إزاي يعني؟” قلبت الورقة اللي بعدها وكملت: “عوايد البيت.. مصاريف اتحاد الملاك.. أدوية بابا بعد الجلطة.. جلسات العلاج الطبيعي.. تصليح السباكة اللي ض.ربت.. عزل السطح قبل الشتا اللي فات.” واحدة من خالاتي وقفت مضغ الأكل وبصتلي بصدمة. الحاجة سعاد ضحكت بسخرية وقالت: “يا عيني على الدراما!

بتتكلمي كأنك بتوزعي صدقات.” رديت وأنا باصلها في عينيها: “لأ، بتكلم بلغة الأرقام.” هنا، نور رفعت راسها لأول مرة. طلعت أهم ورقة في القسم ده، صورة طبق الأصل من العقد. حطيتها قدام أمي بالظبط. “من تلات سنين، لما اتأخرتوا ٦ شهور في السداد والبنك كان خلاص هينفذ الحجز على البيت ويطردكم في الشارع، أنا سددت المديونية القديمة، وجدولت الباقي، ونقلت البيت باسمي. وإنتوا مضيتوا. إنتي بنفسك مضيتي يا ماما.” طارق مسك الورقة بإيديه الاتنين وبص فيها بذهول وقال ببطء: “استني كدة.. يعني البيت ده أصلاً بتاع ياسمين؟” محدش نطق.

الحاجة سعاد لونها اتخ.طف، بس نظرتها فضلت قاسية ومكابرة، كأنها مستعدة تولع في الترابيزة باللي عليها ولا إنها تعترف بالحقيقة. قفلت القسم ده من الدوسيه، وحطيت إيدي على الفاصل التاني.. مكتوب عليه: “سجل التحويلات البنكية الخاصة”. الحاجة سعاد عينيها برقت لما قرت الكلمة وقالت بصوت فحيح: “إياكي تعمليها.” بصيتلها من غير ما أرمش: “أنا اديتك فرصة متعمليش المسرحية دي قدام نور.” ردت بغل: “إنتي عشتي تحت سقفي!” رديت ببرود: “سقفي أنا.” الحاج محمود غمض عينيه باستسلام..

ولما فتحت القسم التاني من الدوسيه، الترابيزة كلها حبست أنفاسها، والكل فهم إن الكارثة الحقيقية لسة مبدأتش، وإن اللي فات ده كله كان مجرد تسخين.لمتابعه القصه اذكروا الله وانتظروا الباقي لا إله إلا الله، محمد رسول الله. صوت تقليب الورق في الهدوء القاتل كان عامل زي ض.ربات الرصاص. الرياح الخفيفة اللي جاية من النيل حركت أطراف مفرش الترابيزة، بس حرارة الموقف كانت تكفي تحرق المكان باللي فيه.

فتحت الفاصل التاني، وكان جواه كشوفات حساب بنكية مفصلة، متظلل فيها تحويلات دورية باللون الأصفر الفاقع. بصيت لطارق أخويا، اللي كان لسة مبرق في عقد ملكية البيت، وبعدين حولت نظري لشيماء مراته، اللي ابتسامتها الشامتة اختفت تماماً وحلت مكانها ملامح توتر وقلق حقيقي. “طارق.. حبيب قلب أمه، وسند العيلة اللي مبيتعوضش.” بدأت كلامي بنبرة هادية جداً، طلعت أول ورقة وحطيتها قدامه. “عارف العربية الكيا اللي سيادتك راكبها وبتتمنظر بيها في كل لمة عيلة، وكنت فاكر إن أمك جابتهالك من ورث خالك الله يرحمه؟”

طارق بلع ريقه وبص لأمي بذهول: “إيه الكلام ده؟” كملت وأنا بشاور بالقلم على السطور: “دي إيصالات سداد مقدم العربية بقيمة ٢٠٠ ألف جنيه، مسحوبة مباشرة من حسابي بعد ما بعت دهبي وشقى عمري، ووراها أقساط شهرية بتتسحب أوتوماتيك من تسوية نهاية خدمتي في المستشفى الخاصة اللي قفلت.. أمك مخدتش مليم من ورث خالك، لأن الورث أصلاً خلص في تجهيز شقتك الفاخرة اللي متدفعش فيها تعريفة من جيبك!” شيماء انتفضت من مكانها ووشها بقى أحمر من الغيظ والإحراج: “إيه قلة الذوق دي؟! إحنا مش شحاتين عشان ترمي الكلام ده في وشنا!”

رديت عليها بنظرة ثابتة خلتها تقعد مكانها تاني: “لا يا شيماء، إنتوا أسوأ.. إنتوا عايشين في خير غيركم وناكرين جميله، ومبسوطين وأمي بتدبحني أنا وبنتي قدامكم كل يوم عشان تفضل صورتكم إنتوا اللي حلوة.” أمي حاولت تتدارك الموقف و.ض.ربت بإيدها على الترابيزة لدرجة إن الكاسات رنت: “كفاية كدب وتأليف! إنتي بتلفقي أوراق عشان تغطي على خيبتك! أنا اللي ربيت وأنا اللي بنيت، ولو مش عاجبك…” قاطعتها وأنا بفتح الفاصل التالت والأخير في الدوسيه، وده كان الفاصل اللي مكتوب عليه بخط أحمر: “المحفظة الاستثمارية والشيكات البنكية”.

هنا بالذات، أبويا الحاج محمود مسك دماغه بإيديه الاتنين وهمس بكسرة قلب: “سعاد.. اسكتي وبوسي إيد بنتك تسترك.. إنتي السبب في كل ده بطمعك وغرورك.” الحاجة سعاد بصت لأبويا برعب لأول مرة في حياتها. الست القوية المتسلطة بدأت ترتعش، لأنها عارفة الفاصل ده فيه إيه تحديداً. خالاتي كانوا قاعدين مسمرين في كراسيهم، مفيش واحدة فيهم قادرة تنطق بنص كلمة بعد ما كانوا من دقايق بيهزوا روسهم تأييداً لكلام أمي. سحبت ورقة مطبوعة من المحكمة، ومعاها إنذارات رسمية على يد محضر.

“من سنة ونص بالظبط،” اتكلمت وصوتي كان بيعلى بوضوح وثقة خلت الجرسونات نفسهم يقفوا يتابعوا: “الحاجة سعاد قررت تدخل في تجارة أجهزة كهربائية مع ابن أختها المدلل، ووقعت على شيكات بنكية بدون رصيد بقيمة مليون و٢٠٠ ألف جنيه بضمان اسم العيلة وسمعتها. ولما النصاب هرب وفص ملح وداب، والبوليس جه عشان يقبض على الست الوالدة من قلب بيتها، مين اللي نزل الساعة تلاتة الفجر سدد للموردين وكتب على نفسه وصولات أمانة عشان أمكم متبيتش في حجز القسم؟”

رميت إيصالات السداد والشيكات المرفوعة عليها علامة “خالصة” قدام خالاتي: “أنا اللي اشتغلت شفتات ليل ونهار، أنا اللي هلكت صحتي وسبت بنتي تذاكر لوحدها عشان أسدد وسخ طمعكم، وفي الآخر جاية تقوليلي ‘مش هربي عواطلية في بيتي’؟!” وقفت من مكاني، وسحبت إيد نور بنتي اللي كانت دموعها بتنزل، بس المرة دي دموع فخر مش انكسار. بصيت لأمي اللي كانت منهارة تماماً على كرسيها ووشها شاحب كالموتى، وبصيت لطارق وشيماء اللي وطوا روسهم في الأرض من العار.

“البيت ده بيتي قانوناً وشرعاً وبشقى سنيني.. والعشا ده مدفوع حسابه بالكامل من جيبي عشان دي ليلة بنتي الدكتورة اللي شرفتني ورفعت راسي، مش عشا نفاق وتجريح.” بصيت لطارق وقولتله بحزم: “قدامك شهر يا طارق، يا تدفع الأقساط اللي عليك لعربيتك وشقتك بالمليم، يا هسلم الأوراق دي كلها للمحامي الصبح.. وإنتي يا أمي، البيت بيتك هتعيشي فيه معززة مكرمة عشان ده أمر ربنا، بس بحجمك الحقيقي، ومن غير ما تفتحي بؤك بحرف يمس كرامتي أنا وبنتي تاني.”

مسكت نور من إيدها، وطلعت الشمعة الصغيرة، ولعتها وحطيتها فوق التورتة قدام بنتي، وبوست راسها قدام عيونهم المكسورة: “مبروك يا دكتورة نور.. وعقبال ما تشوفي عيالك وانتي فخورة بيهم، من غير ما حد يقدر يكسر عينهم أبداً.” سبتهم متسمرين في المطعم مع الدوسيه المفتوح وفضايحهم المتستفة على الترابيزة، ومشينا وإحنا رافعين راسنا للسما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى