
يوم وفـ,ـاه امى جم أهل جوزى عندنا عشان يعذوا
وفى وسط العذا جوزى طلبنى اروحله ضرورى
روحت لجوزى لقيته بيقولى سيبى العذا وروحى اعملى اكل لاهلى عشان زمامهم جعانين وشويه وهيمشوا
بصيتله بزهول ازاى مش واخد باله من مشاعرى ولا وجعى وقهرتى ولا شايف دموعى
الكلمة وقفت في حلقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أمي.. أمي اللي لسه مالحقتش أستوعب إنها سابتني، أمي اللي حتة من قلبي اتدفـ,ـنت معاها تحت التراب من كام ساعة بس!
حسيت بنبضات قلبي سريعة وبتوجع، وكنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله: “أنا أمي مـ,ـاتت!
أنت مستوعب يعني إيه أمي مـ,ـاتت؟”، بس الصوت مطلعش. نظراته كانت عادية، باردة، وفيها استعجال وكأننا في عزومة عادية ومش في عزا أغلى الناس.
بلعت ريقي بصعوبة، ودموعي اللي مالمحتش في عينه أي تعاطف معاها نزلت تاني زي الشلال. اتسحبت من وسط الصوان ودخلت المطبخ وجسمي كله بيترعش. كنت واقفة قدام البوتاجاز والحلل، . مسكت السـ,ـكينة عشان أقطع الخضار، وكنت بحس إن كل خطوة بعملها بتدوس على جـ,ـرحي وتنـ,ـزفه أكتر.
جوه المطبخ والدموع مغمية عيني، كنت بحاول أتحكم في رعشة إيدي وأنا بحط الأكل في الأطباق، والنار اللي في قلبي قايدة.
فجأة، سكت صوت الخلاط والحلل، وبدأ يوصل لمسامعي صوت همس وضحك مكتوم جاي من الصالة القريبة من المطبخ.
وقفت مكاني وكتمت نفسي عشان أستوعب. كان صوت حماتي وأخت جوزي.
سمعت أخته وهي بتقول بنبرة كلها تريقة وسخرية: “يا بنتي شفتي الست اللي كانت قاعدة تولول بره دي؟ شكلها يفطس من الضحك، دي ناقص تجيب عياط بالندب! والناس اللي جاية تعزي دول كوم تاني، جايبين لبس منين دول؟”
ردت عليها حماتي بضحكة خاففتة وقالت: “سيبك منهم، ناس بيحبوا المظاهر وخلاص. أنا اللي هيمـ,ـوتني من الجوع الريحة اللي طالعة من المطبخ، ياه..
زمانها بتطبخ من غير نفس، بس أهو أحسن من قعدتنا دي. الواحد جاله اكتئاب من الوجوه المقفلة بره.”
وقفت مكاني تاني لما سمعت صوت حماتي وهي بتكمل كلامها بنبرة كلها قسوة وجـ,ـبروت.
قالت لبنتها وهي بتميل عليها: “هي فاكرة إنها بقى هتاخد حجة أمها فرصة وتقعد وتريح على حساب إنها زعلانة على أمها؟ لا يا حبيبتي، خليها من أول لحظة تشوف مسؤوليتها.. الحزن في القلب!”
بنتها هزت رأسها بالموافق وقالت: “عندك حق يا ماما، أصل الستات اليومين دول بيحبوا يعملوا من الحبة قبة عشان يهربوا من طلبات البيت.”
الكلام شل حركتي تماماً. “الحزن في القلب”؟!
الكلمة دي اتقالت بكل برود وكأن أمي اللي مـ,ـاتت دي مجرد دور برد وهيروح! هما مش بس معندهمش رحمة، دول مرتبين ومخططين يكـ,ـسروني من أول يوم، ومستخسرين فيا حتى دمعتي وحزني على أمي اللي فارقتني.
# لايك وتم وهتلاقوا اللينك في اول تعليق سابتني الكلمات دي متجمدة في مكاني، والسـ,ـكينة وقعت من إيدي بصوت خفيف على الرخامة. حسيت ببرودة سرت في كل مفاصلي، كأن حد كب عليا مية ساقعة في عز الشتاء. يعني مفيش حتى ذرة إنسانية؟ مفيش تعاطف؟ دول مش بس جايين يعزوا بالواجب، دول جايين يتشـ,ـمتوا ويتأكدوا إنهم هيستغلوني من أول دقيقة!
بصيت لنفسي في المراية اللي على حيطة المطبخ؛ شكلي كان مأساوي، عيني حمرا، وشعري مش مرتب، ودموعي نازلة بصمت من غير حتى ما أقوى على مسحها. بس جوه الصمت ده، كان فيه بركان بيتجمع. حسيت إن روحي اللي كانت منهارة ومكسورة من كام ساعة بدأت تاخد شكل تاني.. شكل القوة القاسية. طلعت الأكل على السفرة برة، وكنت ماشية زي الميكانيكي الآلي. حطيت الصواني قدامهم وعيني في الأرض. جوزي بصلي بطرف عينه وقال بجدية وجفاف: “تأخرتي ليه كده؟ أهلي جاعوا بجد.. يلا ادخلي كملي باقي الطلبات، وما تنسيش الشاي المظبوط.”
كلماته نزلت زي السـ,ـكاكين، بس المرة دي ما عيطتش. رفعت عيني وبصيت له نظرة غريبة، نظرة خلته يحس بالتوتر لثانية، بس رجع كشر وداراها. دخلت المطبخ وقفلت الباب ورايا بهدوء غير معتاد. فتحت باب الشقة بهدوء وسلّحت نفسي بشنطة يدي اللي فيها موبايلي وعباية خروج سريعة. ما كنتش قادرة أستحمل ثانية واحدة في البيت ده. لقيت نفسي بتصل بخالي الوحيد، سندى بعد ربنا وأخو أمي الله يرحمها. من أول رنّة، رد بصوته الحنون المبحوح من العياط: “ايوه يا حبيبتي، سامعة العزا بره؟ في إيه؟”
ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده، وطلعت صرخة مكتومة وسط عياطي: “خالو.. تعالى خدني والنبي، مـ,ـوتوني بالحيا.. الحقني يا خالو!” خالي ما استناش، نص ساعة وكانت عربية خالي واقفة تحت البيت. نزلت لهم بسرعة الجري، وما بصيتش ورايا خالص. فتحت باب العربية وقعدت ودموع القهر بتغرق هدومي. خالي حـ,ـضنني وهو بيترعش وقال بغضب: “مين اللي عمل فيكي كده؟ تعالي معايا، دار أمك مفتوحة لك، ومحدش يقدر يكلمك كلمة واحدة!”
وصلت بيت أهلي، ودخلت الأوضة اللي كانت عايشة فيها أمي. ريحتها لسه مالية المكان، سجادتها اللي كانت بتصلي عليها لسه مفروشة. سجدت على الأرض وحـ,ـضنت مكانها، وطلعت كل الوجع والقهر اللي في قلبي في عياط هيستـ,ـيري لغاية ما حسيت إن روحي هطلع وراها. تاني يوم، العزا كان لسه مكمل، ولقيت باب الشقة بيخبط بعنف. فتحت خالي اللي كان واقف وراه جوزي وأمه وأخته! جوزي كان عينه طالعة في راسه من الغضب وقال بصوت عالي لملم الكل: “أنتِ اتجننتي؟ سايبة بيتك وعزا أمك ومقضياها هنا؟ تعالي معايا حالا وإلا هيكون لي تصرف تاني!”
الكل سكت والناس اللي كانت بتعزي بصت بصدمة. طلعت من ورا خالي، ووقفت بثبات غريب، مفيش دموع في عيني المرة دي، ونبرة صوتي كانت هادية بس قوية: “بيتي؟ مفيش بيت أجمعني بيك تاني بعد النهاردة.. واللي بيني وبينك المحاكم، واعتبرها طلقة وسخونة نزلت على قلبي وريحتني من قسوتكم.” جوزي اتجنن وحاول يمد إيده عليا، بس خالي كان أسرع منه وزقه لبره السلم بقوة وقال بصوت رعد: “اطلع بره بيتك؟ دي بت راجل ومش هنسيب حقها، ولو تجرأت تقرب منها تاني هوريك وش تاني خالص!”
مشوا وهما بيتوعدوا، بس أنا حسيت بسـ,ـكينة غريبة بتنزل على قلبي. أمي الله يرحمها كانت دايماً تقولي: “يا بنتي الست القوية هي اللي بتقف وقت الشدة، وحقك ما يضيعش أبداً.” مرت الأيام، ووقفت في صف رجالة العائلة، وطلعت حقوقي، وبدأت صفحة جديدة من حياتي. صحيح الكسر اللي في قلبي على أمي ما هانش ولا هيتنسي، بس متأكدة إن روحها الطاهرة كانت بتراقبني وفرحانة بيا وأنا برد كرامتي وببدأ من جديد.