
من اجل ان ينساه اربعة اعوام مضت عليه وهو يحاول نسيانها جاءت في لحظة واحدة واسترجعت الذكريات بداخله وكأن فراقهما لم يحدث
صرخة مدوية افاقته من شروده لقد جرحت يديها بقطعة من الزجاج اخذت تبكي وهي تنظر الي الجرح بيديها وتتألم بشدة ركض اليها دون ان يشعر بما يفعله، انحنى بجزعه امامها وامسك بيديها يتفحص الجرح بلهفة لم يستطيع اخفاءها كانت تبكي وتتألم بشدة.
تحدث اليها بحنان دون ان يشعر
متخافيش الجرح صغير
بكت بشدة وهمست اليه ببكاء وهي تتألم
بس بيوجعني اوي
نظر اليها ولم يتحمل رؤية دموع الألم بعيناها، نظر الي صديقه وسأله عن منديلاً لكي يضعه فوق الجرح كي يتوقف نزف الدماء، أعطاه صديقه منديلاً ووقف بجوار مايا يتابعان ما يفعله رشيد بصدمة كان رشيد يمسك بيديها بحنان ويضمد الجرح بحذر وهي تبكي مثل الطفلة الصغيرة وكأن والدها هو من يداوي جرحها، توقف الجرح عن نزف الدماء ولم تتوقف دموعها
هذا ما كانت تفعله بالماضي!
يتذكر كم استمر بكاءها لساعات بعد اتمام زواجهما منذ اربعة اعوام كم كان حنوناً وصبوراً معها. كانت ومازالت مثل الطفلة الصغيرة تبكي من اقل الأشياء بكاءها، دموعها صوت شهقاتها، يذكره كل شئ بالماضي، لا يريد ان يتذكر أي شئ
ترك يديها مسرعاً واعتدل في وقفته نظرت اليه بعيناها الباكيه تترجاه ان لا يتركها مجدداً، تبدلت نظرات عيناه الي الجمود، لا يمكنه تصديق دموعها مرة أخرى، لن يسمح لها ان تخدعه مرتين! تركها وذهب من الحفل دون ان يتحدث.
ذهب عادل صديقه خلفه ليلحق به، نظرت اليها مايا بغضب وتحدثت اليها بقسوة :
رشيد يعرفك منين
خفضت وجهها أرضاً واجابة بصوت ضعيف
ميعرفنيش
وقفت وهي تبكي وتمسك بيديها المجروحه، الألم الذي تشعر به بقلبها الان كان اقوى وأصعب بكثير من الالم الذي تشعر به بيدها، ذهبت وهي تبكي بحزن وندم تابعتها مايا باهتمام همست بثقة ::
الاكيد ان رشيد يعرفك وانا لازم اعرف هو عرفك امتى وازاي
اخذ سيارته وانطلق بأقصى سرعة يحاول الهروب من التفكير بالماضي بعد رؤيته لها بالحفل لم يدعه الماضي وشأنه وظل يلاحقه حتى عاد بذاكرته الي الماضي منذ خمسة اعوام……
الرواية كاملة في الأسفل هتعجبكم اووي كان يقود سيارته بجنون، يضغط على دواسة الوقود كأنه يدهس قلبه الذي عاد ينبض بالوجع فجأة. أصوات الموسيقى الصاخبة، نظرات مايا المتشككة، وشهقات كارمن الباكية كلها تتردد في رأسه كأعاصير لا تهدأ. نظر إلى كف يده… شعر وكأن أثر دمائها ما زال محفوراً على أصابعه، نفس الدفء ونفس الارتجافة التي جعلته يوماً يبيع العالم ليشتري ابتسامة منها. أغمض عينيه للحظة، لتعود به الذاكرة رغماً عنه إلى خمس سنوات مضت…
في ذلك الوقت، لم تكن كارمن مجرد فتاة عادية، كانت ابنة رجل الأعمال الثري “عاصم الشريف”، الفتاة المدللة التي تعيش في قصر من العاج، وكانت تشع حيوية وبريقاً يخ.طف الأنظار. أما هو، “رشيد”، فكان مهندساً شاباً طموحاً يكافح في بداية طريقه، يرفض الانحناء لأحد. التقيا في مشروع بناء كبير كانت تشرف عليه شركته وتملكه عائلة الشريف. نشأت بينهما قصة حب أسطورية، تحدى رشيد فيها كبرياءه وتحدت هي اعتراض عائلتها الأرستقراطية على هذا الشاب العصامي. وبإصرار وعناد منهما، تُوّج الحب بالزواج في حفل أسطوري.
عاشا عاماً كاملاً كأنهما في الجنة، حتى حدثت الكارثة الكبرى… في ليلة ممطرة منذ أربع سنوات، عاد رشيد إلى منزله ليجد والده ملقى على الأرض فاقداً للوعي إثر أزمة قلبية حادة بعدما أعلن إفلاسه بسبب صفقة تجارية ضخمة وقعت في فخ الاحتيال، وكانت خيوط تلك المؤامرة تشير بأصابع الاتهام مباشرة إلى والد كارمن، عاصم الشريف! وفي نفس الليلة، اختفت كارمن من حياة رشيد تماماً دون سابق إنذار. تركته يواجه ديون والده ووفاته وحيداً، ووصلت إليه أوراق طلاق موقعة منها مع رسالة باردة تخبره فيها أنها لا تستطيع العيش مع شخص على حافة الفقر والإفلاس، وأن الفوارق الطبقية لا تُمحى بالحب.
سافر رشيد بعدها، محطماً، مكسور الفؤاد… أقسم على الانتقام والنجاح حتى كوّن إمبراطوريته الخاصة في الغربة، ليعود رجلاً من حجر، لا يعرف الرحمة، متجاهلاً قلبه الذي دفنه تحت ركام الخيانة. أفاق رشيد من ذكرياته على صوت بوق سيارة كادت تصطدم به، فضغط على المكابح بعنف وتوقف على جانب الطريق المظلم. تنفس بصعوبة وهو يض.رب المقود بقبضته هامساً بفحيح غاضب: — “ليه رجعتي؟! ليه بعد ما نسيت كل حاجة.. وليه لابسة لبس الخدامين؟! دي لعبة جديدة من ألاعيبك يا بنت الشريف؟!”
في تلك الأثناء داخل الحفل… كانت كارمن تجلس في غرفة تبديل الملابس الخلفية، تضم يديها المجروحتين إلى صدرها وتبكي بنحيب يقطع القلوب. دخلت صديقتها مودة مسرعة وأغلقت الباب خلفها بقلق: — “كارمن! إيه اللي حصل ده؟ مين الراجل ده وليه مسك إيدك كده؟! ومدام مايا مبهدلة الدنيا برة وبتسأل عنك ومستر رؤوف عايز يطردك عشان الكاسات اللي اتكسرت!” رفعت كارمن وجهها الغارق في الدموع وقالت بصوت متقطع: — “رشيد يا مودة… رشيد رجع!”
شهقت مودة بصدمة ووضعت يدها على فمها: — “رشيد؟! جوزك؟! اللي حكيتيلي عنه؟!” أومأت كارمن برأسها بانهيار: — “هو… بس مش رشيد بتاعي.. رشيد اللي شوفته النهاردة بيبصلي بكره وانتقام.. شافني خدامة بتشيل الإزاز من تحت رجليه.. مقدرتش أقوله الحقيقة، مقدرتش أقوله إني اتدمرت بسببه وعشانه!” سألتها مودة بدموع وحرقة: — “وليه تسكتي يا كارمن؟ ليه متقوليلوش إن أبوكي هو اللي طردك وحرمك من كل مليم، وإن أوراق الطلاق اللي اتبعتتله كانت متزورة، وإنك دخلتي مستشفى شهور بعد ما اتهموكي بالجنون عشان رفضتي تسيبيه؟! ليه متقوليلوش إنك عايشة في فقر وذل من يوم ما هو مشي؟!”
أجابت كارمن بمرارة وانكسار: — “أقوله إيه؟ أقوله أبويا دمر أبوك وأنا ضحية زيك؟ رشيد مش هيصدقني.. نظرة الكره اللي شفتها في عينيه خلتني أحس إني بمو.ت في الدقيقة مية مرة.. هو شافني من طبقة حقيرة وخلاص، خليه يكر.هني، الكره أهون عليه من وجع الماضي.” قطع حديثهما دخول مستر رؤوف المشرف على الحفل، وهو يرمي أجرها على الطاولة بغضب: — “امشي يا كارمن.. انتي مفصولة من الشغل! مدام مايا طلبت إنك متدخليش أي حفلة بتنظمها الشركة تاني، وأنا مش مستعد أخسر شغلي بسببك!”
لم تنطق كارمن بحرف، أخذت حقيبتها البسيطة وخرجت تجر أقدامها في شوارع المدينة الباردة، تاركة مايا خلفها وهي تجري مكالمة هاتفية مع أحد المحققين الخاصين وتقول بنبرة حاقدة: — “عايزة كل تفصيلة عن البنت اللي شغالة ويتر واسمها كارمن، علاقتها إيه برشيد السويفي من الألف للياء، وقبل الصبح الملف يكون على مكتبي!” في صباح اليوم التالي… في مقر شركة “السويفي للإنشاءات والاستثمار”، كان رشيد يجلس في مكتبه الفاخر، وجهه عابس وملامحه تشي بليلة لم يذق فيها طعم النوم. دخل عليه صديقه عادل وأغلق الباب بحذر قائلاً: — “رشيد.. إحنا لازم نتكلم. اللي حصل إمبارح في الحفلة…”
قاطعه رشيد بحدة وصوت جهوري: — “مش عايز أسمع اسمها يا عادل! ولا كأنك شفت حاجة!” اقترب عادل وجلس أمامه وقال بهدوء: — “مش معقول القسوة دي يا رشيد.. دي كانت كارمن! البنت اللي كنت مستعد تضحي بحياتك عشانها.. شفت كانت عاملة إزاي؟ كانت متبهدلة، وشغالة ويتر في حفلة لناس كانت من مستواهم في يوم من الأيام! معقول مفيش في قلبك ذرة شفقة أو سؤال عن اللي وصلها للحال ده؟!”
ضحك رشيد بسخرية مريرة ونهض من مقعده: — “شفقة؟! اللي زي كارمن ميعرفوش الشفقة عشان يشفقوا عليها! دي ممثلة بارعة.. مين عارف، جايز دي خطة جديدة من أبوها بعد ما شركاته بدأت تنهار عشان يستعطفوني بعد ما بقيت أنا اللي بتحكم في السوق! بس وعهد الله ما هرحم حد فيهم.. ولو فاكرة إنها هتهرب مني بعد ما ظهرت في طريقي تبقى غلطانة!” ضغط رشيد على زر الهاتف الداخلي للسكرتيرة وأمرها بجمود: — “هاتيلي عنوان الشركة اللي كانت مسؤولة عن ويترز الحفلة إمبارح.. وتعرفيلي البنت اللي اسمها كارمن ساكنة فين بالظبط، خلال نص ساعة!”
بعد ساعات قليلة… في الحي الشعبي البسيط الذي تسكن فيه كارمن، كانت تصعد درجات السلم المتهالك وهي تشعر بإنهاك جسدي ونفسي لا يوصف بعدما أضناها البحث عن عمل بديل طوال الصباح. وعندما وصلت إلى باب شقتها في الدور الأخير، تجمدت الدماء في عروقها… كان يقف متكئاً على الجدار بجانب بابها، يرتدي بدلته الأنيقة وساعته الفاخرة التي لا تناسب هذا المكان المتهالك إطلاقاً. رفع عينيه الصقريتين نحوها ونظر إليها ببرود جليدي جعل جسدها يرتجف.
ابتلعَت ريقها بصعوبة وهمست بوهن: — “رشيد… أنت بتعمل إيه هنا؟” اعتدل في وقفته واقترب منها بخطوات بطيئة واثقة حتى حاصرها أمام الباب، هبط بصره نحو يدها الملفوفة بضمادة بيضاء ثم نظر في عينيها وقال بنبرة متهكمة تخفي خلفها بركاناً من الشوق والغضب: — “جاي أشوف الهانم بنت عاصم الشريف… بعد ما سابت قصرها وعربياتها، بقت ساكنة في الخرابة دي وبتوزع كاسات عصير في الحفلات! قوليلي يا كارمن… يا ترى تمن الخيانة كان رخيص أوي كده، ولا دي مسرحية جديدة بتلعبيها عليا؟!”