التليفون ما بطلش رن.. حسام رن أكتر من عشرين مرة ورا بعض، وبعدها رسايل ورا رسايل على الواتساب: “يا ندى اعقلي.. بلاش جنان هيخرب بيتنا قبل ما يبدأ!” “أنتِ كبرتي الموضوع بطريقة غبية، أنا جوزك مش غريب!” “لو ما رديتيش دلوقتي حالا أنا هكلم والدك وأقوله على تصرفاتك ودلعك الماسخ ده!” الرسايل بدل ما تههديني أو تعتذر، كانت كلها لوم وهجوم وقلب للحقايق. اتأكدت ساعتها إن المشكلة مش مجرد غلطة لحظية، المشكلة في طريقة تفكير مش شايفة ليا أي كيان أو حق في الرفض.
الباب خبط، وكان صوت أمي الحنين والقلقان: “ندى.. حبيبتي مالك؟ صوت قفلة الباب بتاعتك مش مريحاني، وحسام بيتصل بأبوكي بره في الصالة وصوته عالي ومشدود.. في إيه يا بنتي؟”
فتحت الباب، وأمي أول ما شافت عيني الحمراء ووشي المخطوف شهقت وخدتني في حضنها: “يا ساتر يا رب! في إيه يا ندى؟ اتخانقتوا على مصاريف الفرح ولا الفرش؟” خرجت للصالة، لقيت والدي ماسك التليفون ووشه متغير، وبمجرد ما شافني قفل المكالمة مع حسام وقال بهدوء حذر: “حسام بيقول إنك اتعصبتي عليه في الشقة وسبتيه ونزلتي من غير سبب، وبتقوليله رجّع العفش ومش عايزة أكمل.. ايه الحكاية يا بنتي؟ فرحكم فاضل عليه 30 يوم والمعازيم كلها عارفة، ايه اللي حصل يخليكي تاخدي قرار زي ده؟”
قعدت قدام والدي، وبصوت بيترعش بس مليان وجـ,ـع وثبات حكيت كل حاجة بالتفصيل: “يا بابا، أنا وافقت أطلع معاه الشقة عشان نشيل الحاجة بس.. لقيته قفل الباب بالمفتاح، ولما قولتله يلا ننزل، حاول يفرض عليا حاجة أنا رافضاها قبل الفرح، ولما صرخت فيه وقولتله لأ، قال لي إحنا كاتبين الكتاب ومحدش شايفنا، ومكانش عايز يفتح الباب لولا إني هددته إني هلم العمارة.. اللي ميحترمش رفضي ويقفل عليا باب عشان يلوِي دراعي، ده أأمنله على نفسي إزاي بكرة وبعده؟”
الصالة سكتت تماماً. والدي قام وقف، وعينيه لمعت بغضب رجولي حقيقي كان بيحاول يكبته. الجزء الثالث: جلسة العائلات والوجه الحقيقي تاني يوم الصبح، الساعة مكنتش عدت 10 وفوجئنا بباب الشقة بيرن. كان حسام ومعاه والدته وأخته الكبيرة. دخلوا وقعدوا في الصالون، ووالدة حسام بدأت الكلام بأسلوب هجومي مغلف بالعتاب: “إيه يا حاج؟ بنتك عايزة تفضحنا في البلد عشان شوية دلع بنات؟ الواد جوزها على سنة الله ورسوله، كاتبين كتابهم قدام الدنيا كلها، هو كان غريب عنها عشان تعمل الحكاية دي كلها وتطلب عفشها يرجع؟ إحنا ناس محترمين ولنا سمعتنا في السوق، والناس بدأت تسأل ليه العفش هيتنقل!”
والدي رد بهدوء شديد وثبات: “أهلاً بيكي يا أم حسام.. أولاً بنتي متدلعتش، بنتي اتربت في بيت بيعرف يعني إيه أصول وكرامة. كتب الكتاب بيحلل، أه، بس الأصول والاتفاق اللي اتعمل قدام الرجالة إن الدخلة يوم الفرح.. ولما البنت تقول (لأ)، يبقى تتقال باحترام، مش يتقفل عليها باب ويتحاول كسر إرادتها بالعافية.”
حسام اتكلم بصوت عالي وعصبية بدأت تظهر عليه قدام الكل: “يا عمي أنت هتدخل في خصوصياتنا؟! أنا عملت إيه يعني؟ أنا جوزها ومستحمل مصاريف وتكاليف عشان أسعدها، وهي بدل ما تقدر، بتعمل من الحبة قبة وبتعاملني كإني غريب! أنا مش هقبل الإهانة دي قدام أهلي، ولازم تعرف إنها بقت على ذمتي ومتمشيش البيت بمزاجها!”
في اللحظة دي، نظرت لحسام وقولتله بهدوء تام: “أنت مشكلتك مش فرح ولا كتب كتاب.. مشكلتك إنك شايفني تابعة مش شريكة حياة. لو الأمان بيننا اتهز قبل ما ندخل البيت، مش هيرجع بعد ما ندخل. اللي يكسر خاطري ويرهبني في شقة مقفولة عشان يثبت رجولته، ما يلزميش.” والدة حسام وقفت وقالت بانفعال: “بقى كده؟! طب وحياتك ما هتاخدي قشاية واحدة من الشقة إلا لما تنزلي عن كل حقوقك وتجيبي المأذون يطلقك بالتراضي! وهنشوف مين هيبصلك بعد ما تبقي مطلقة قبل الفرح بشهر!”
والدي ضـ,ـرب على الترابيزة وقام وقف بقامته كلها وقال بصوت زلزل المكان: “اخرسي يا ولية، واعرفي حدودك وانتي في بيتي! بنتي متربية ومصانة، وأنا شاري كرامتها بكنوز الدنيا.. وعفش بنتي هينزل النهاردة غصب عن عين أي حد، وبالقانون وبالشرع، وملعون أبو الجوازة اللي تكسر بنتي أو تذلها!” الجزء الرابع: معركة استرداد الحق الخلاف مابقاش مجرد كلام.. حسام وأهله حاولوا يستغلوا الموقف عشان يضغطوا عليا، رفضوا يسلموا المفاتيح أو يخلونا ننزل العفش إلا لما أتنازل عن كل حقوقي في القائمة والمؤخر.
لكن والدي ما استسلمش ولا خاف من كلام الناس.. أخد محامي ونزلنا بقوة القانون وبمحضر رسمي لإثبات الحالة واستلام المنقولات طبقاً لقائمة جهاز العروسة. المشهد في الشارع كان مهيب؛ عربيات النقل واقفة تحت عمارة حسام، والرجالة بتنزل العفش والأطقم والشنط قطعة قطعة قدام عيون أهل المنطقة كلهم. حسام كان واقف من البلكونة وشه أسود من الغيظ، مش مصدق إن البنت الهادية اللي كانت بتختار معاه الألوان والأطقم بكل حب، كان عندها الشجاعة تقلب الترابيزة على كل حاجة ومتقبلش بالإهانة.
والدتي كانت بتبكي وهي شايفة شقى السنين بيرجع في الكراتين، بس أنا مسكت إيدها وقولتلها: “يا ماما متعيطيش.. وجع كراتين بترجع النهاردة، أهون مية مرة من وجع قلب مكسـ,ـور وروح مدفونة بالحيا سنين قدام. ربنا نجاني قبل ما الباب يتقفل عليا للأبد.” الجزء الخامس: الخاتمة والبداية الجديدة بعد أسبوعين من المشاحنات، تم الطلاق الرسمي عند نفس المأذون اللي كتب الكتاب من شهرين.
حسام وقتها كان باصص في الأرض، مكسور من خسارة كل حاجة، والغرور اللي كان راكبه اتبخر أول ما لقى إن تهـ,ـديداته بالناس والفضـ,ـيحة ما هزتش شعرة فيا ولا في أهلي. هو خسر كل حاجة: سمعته، مصاريفه، والإنسانة اللي كانت شارياه بجد.. بس هو اللي اختار يكسر الأمان بإيده. الناس اتكلمت؟ أه.. في الأول كان في قيل وقال، بس لما شافوا ثباتي ووقفة أهلي الرجولية معايا، الكل احترم موقفي، والزمن أثبت للجميع إن القرار الصح حتى لو كان مؤلم وصادم، بيحمي صاحبه من كوارث أكبر.
مرت سنة كاملة.. رجعت لشغلي، ركزت في طموحي ونجاحي، والحمد لله ربنا عوضني براحة بال متتقدرش بتمن. العبرة اللي عشتها وحبيت أقولها لكل بنت مقبلة على الجواز: الراجل الحقيقي هو اللي يحترم حدودك ورغبتك قبل ما يدخل بيتك وبعد ما يدخل.. اللي يستهون برفضك في التفاصيل الصغيرة ويهدد أمانك لمجرد إنك بقيتي معاه في مكان مقفول، ده مش سند، ده إنذار خطر لازم تهربي منه فوراً ومتبصيش وراكي مهما كانت الخساير.