
لكن بعد أقل من خمس دقايق، سمعت صوت خناقة عمرها ما حصلت في البيت ده.
وصوت محمود لأول مرة وهو بيزعق في أمه:
— مراتي مش هتطلب من حد جنيه واحد!
وبعدها…
سمعت أمه بتقول جملة خلت الدم اتجمد في عروقي….. مين عايز يكملها ؟؟ صلي على النبي في التعليقات وسيب لايك وتعليق وهرد عليكب لينك الرواية كاملة سمعت صوتها بيعلى وبتقول بمنتهى القسوة: — ما هو يا إنت تخليهم يدفعوا ويشيلوا أختهم، يا إما تطلع وتديني فلوس جمعية الشهر اللي عليك! أنا مش هصرف من جيبي على ولادة وعقيقة وبنتك جاية تاكل وتشرب عندي!
نزلت الجملة على قلبي زي المية المغلية. جمعية؟ وفلوس إيه اللي بتتكلم عنها؟ محمود مأجر من البيت، ودايمًا بيدفع كل اللي وراه أول بأول، وعمره ما قصر في حقها، ومع ذلك كانت دايماً محسساني إننا عالة عليها وبتعايرني إني مليش أهل يسندوني ويدخلوا بمواسم وهدايا زي بقية سلفاتي. فضلت قاعدة فوق على السرير، سامعة صوت محمود وهو بيتكلم بوجع وقهر: — حرام عليكي يا أمي، ده بدل ما تقفي جنبها وهي يتيمة وتراعي إنها على وش ولادة؟ أنا مش هقبل على كرامتي ولا كرامة مراتي مليم من حد، والقرشين اللي حوشتهم للولادة هما اللي هيمشونا، ومش عايز منك مليم!
طلع محمود الشقة وهو وشه مخطوف وعينيه مليانة دموع محبوسة. قفل الباب وقعد في الأرض قدامي، ومسك إيدي وباسها وهو بيقول: — متزعليش يا سلمى، حقك على راسي، والله ما هخليكي تحتاجي لحاجة ولا تمدي إيدك لحد، بنتنا هتيجي برزقها. الليلة دي عدت بصعوبة شديدة، وكل ما أغمض عيني تتردد في ودني كلماتها القاسية وتساؤل مش لاقية له إجابة: هي ليه بتعمل فينا كده؟ ليه كل القسوة دي على ابنها الغلبان اللي شغال ليل نهار علشان يرضيها، وعليّ أنا اللي عمري ما عليت صوتي عليها؟
تاني يوم، الوجع بدأ يشتد في بطني، مغص غريب بيروح وييجي، ومحمود نزل من الصبح بدري يشتغل شغلانة إضافية عشان يكمل باقي فلوس المستشفى والحسابات البسيطة اللي هنحتاجها. على العصر، المغص بقى لا يُحتمل. نزلت السلالم وأنا ساندة على الحيطة بطلب من حماتي تطلب محمود أو تنادي لي حد، لقيتها قاعدة في الصالة وقدامها أخت محمود الكبيرة «شادية». أول ما شافتني بتألم، بصتلي ببرود وقالت: — دلع حوامل، لسه بدري، اطلعي شقتك لما ييجي جوزك يبقا يوديكي.
قعدت على أول درجة سلم مش قادرة أتنفس، وفجأة المية نزلت عليا، وصرخت من الوجع. شادية لما شافت المنظر خافت وقالت لأمها: — يا ماما البت بتولد بجد! كلمي محمود بسرعة وهاتي تاكسي.
حماتي اتوترت، وجريت على أوضتها تجيب تليفونها، وأنا كنت قاعدة برة الباب المفتوح بتاع أوضتها على الأرض ماسكة بطني، وسمعتها بتكلم في التليفون… بس مش بتكلم محمود! كانت بتكلم ابنها التاني «طارق»… الأخ المدلل اللي مسافر ومبسوط، وسمعتها بتقوله بصوت واطي ومضطرب: — ألو يا طارق؟ ألحقني يا بني، سلمى بتولد، ومحمود مش هنا، أنا كنت عايزة أعطلها عشان ألم قرشين من إخواتها البنات الأول وأسدد بيهم القسط اللي عليك في البنك اللي أنا ضامناك فيه وكنت واخداه باسم محمود من غير ما يعرف!
البنك باعت إنذار يا بني والنهاردة آخر ميعاد، لو محمود عرف هيقلب الدنيا وهيعرف إن المعاش بتاعي والجمعية كنت بدفعهملك إنت! في اللحظة دي، وفي عز قمة الألم، حسيت إن الألم اللي في قلبي محى وجع الولادة كله. السر اللي كان مستخبي ظهر في أسوأ توقيت! حماتي كانت بتضغط عليا أطلب فلوس من إخواتي الغلابة وبتعايرني بفقري، مش عشان حاجات النفاس ولا عشان الناس مياكلوش وشها… كانت بتعمل كل ده عشان تستغل ضعفي وظرف ولادتي، وتضغط على محمود ياخد الفلوس مني يسدد بيها ديون ابنها التاني اللي متورط في قروض وهي دابساه فيها من ورا ضهره!
أول ما خرجت من الأوضة، كانت عيني في عينها. نظرتي ليها كانت كفيلة تفهمها إني سمعت كل كلمة. وشها بهت واصفرّ ومقدرتش تنطق. في نفس الدقيقة، الباب اتفتح ومحمود دخل وهو بينهج وجايب معاه تاكسي وعربية، شالني وجري بيا على المستشفى. ساعات طويلة مرت عليا في غرفة العمليات، بين البنج والوجع والدعاء، لحد ما سمعت أخيرًا صوت صرخة بنتي… صرخة الحياة اللي نستني كل القهر. سميتها «نور»، عشان تنور حياتنا اللي حاولوا يظلموها.
خرجت على الأوضة، ولقيت إخواتي البنات الاتنين، منى ونور، واقفين بعيون مليانة لهفة ومحبة، ومعاهم شنط فيها كل ما تحتاجه الست الوالدة وبنتها… من غير ما أطلب منهم مليم، جم لوحدهم أول ما محمود بلغهم، متجمعين ومستلفين وجايين يسندوا أختهم اليتيمة بدموعهم وحبهم.
دخل محمود الأوضة، وبص لحماتي اللي كانت واقفة بعيد في الزاوية مكسوفة ومش قادرة تقرب ولا تحط عينها في عين حد. قربت مني وبصت للبنت، وقبل ما تنطق، محمود طلع ورقة من جيبه وحطها في إيد أمه وقالها بصوت هادي لكنه قاطع وصارم: — إيصال البنك وصلني على التليفون يا أمي… سلمى وهي تعبانة فهمتني كل حاجة، والبنك كلمني كضامن أساسي. الفلوس اللي طارق مديون بيها هو اللي هيدفعها، وشقايا وتعبي من النهاردة مش هيروح غير لمراتي وبنتي اللي ربنا رزقني بيها، وإخوات مراتي اللي كنتي عايزة تكسري نفسي ونفسها قدامهم، جم وشالونا فوق راسهم بأصلهم مش بفلوسهم.
نزلت دموع حماتي من الكسوف والإحراج، وخرجت من الأوضة ساكتة مقدرتش ترد بحرف واحد. حضنت بنتي وسط إخواتي وجوزي، وحسيت ساعتها إن ربنا عوضني عن يُتمي بأخوات بيحبوني وبزوج وفي، وإن الحق دايمًا بيظهر حتى لو في أصعب وأضعف لحظات العمر.