متجوز اتنين وعايز اتجوز التالته عشان اجيب الواد اللي نفسي في
وقولت مراتيتي الاتنين انا هتجوز التالته عشان انتو مش بتخلفو غير بنات
وانا عايز الواد اللي يشيل اسمي من بعدي ويورث فلوس ودنيتي
هم رافضو طبعا قعدهو يقولو ده ارضيت ربنا
بلاش تعرضت علي قضاء ربنا.
واحده منهم قالت لو هتجوز لازم تطلقني والتانيه واقفه مش عارفه تقول ايه وقفت اللحظة في الصالة كأن الوقت اتجمد. صمت قـ,ـاتل مش بيقطعه غير صوت أنفاسهم المتسارعة وريحة الشاي اللي بردت على الترابيزة.
سعاد -مرتك الأولى وأعقلهم- بصلتك بعيون مليانة قهر مخلوط بكبرياء، وقالت وهي بتلم هدومها في شنطة صغيرة بمد إيد متوتر: “أنا قضيت معاك عشرين سنة، شلت الحلوة والمر، وربيت لك أربع بنات زي الورد.. لو شايف إن البنت عار أو مش بتشيل اسمك، يبقى وجودي معاك من النهاردة هو اللي عار عليا. طلقني يا عبد الرحمن، ويا مرحب براحة البال.”
أما منيرة -الثانية والأصغر- فقعدت على الكرسي وإيدها على قلبها، عيونها بتبص لك بذهول مش قادرة تستوعب. هي لسه مخلفة البنت الأخيرة من سنة واحدة، وكانت فاكرة إنها مالية عينك. بصت لك بصوت متقطع طالع بالعافية: “يعني إحنا كنا مجرد ماكينات خلفة بالنسبة لك؟ كل ده عشان ‘الولد’؟ طب والبنات دول.. هيبصوا في وشك إزاي لما يعرفوا إنك بايع أمهم عشان يجيبوا لهم أخ؟”
أنت وقفت في نص الأوضة، دماغك بتغلي. الكبرياء والغرور اللي جوالك عموك عن شوفت الدموع في عيونهم. قلت بصوت حاد يحاول يداري الشك اللي بدأ يتسلل لقلبك: “ده حقي الشرعي! وأنا راجل حيلتي خير وفلوس، ومينفعش شقاي وتغربي يروح لراجل غريب ييجي يتجوز بناتي وياخد تعبي! السبت الجاي هكتب كتابي على ‘نجوى’ بنت الحاج متولي.. واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!” خرجت سعاد من البيت في نفس الليلة ومسكتش، أخدت بناتها وراحت بيت أبوها. ومنيرة انزوت في أوضتها مع بنتها الصغيرة تصرخ في الصمت.
مر الأسبوع كأنه كابوس، وأنت مصمم على رأيك. تمت الجوازة الثالثة من نجوى، بنت أصغر منك بكتير، وأبوها وافق عشان قرشك والجاه. دخلت بيتك الجديد وبدأت حياة جديدة، فاكر إنك بكده حققت مرادك وشريت “الولد اللي هيشيل اسمك”. مرت الشهور، ونجوى حلمت. الدنيا مكنتش سايعاك من الفرحة، وزعت ذبايح وعزمت البلد كلها، وكنت بتتمشى في السوق رافع رأسك وبتقول للناس: “الوليد جاي في السكة خلاص!”.. وفي نفس الوقت، كنت ناس تماماً بناتك الكبار اللي سعاد مكنتش بتخليهم يكلموك من زعلها منك، ومنيرة اللي عايشة معاك زي الخيال، بتخدمك وفي قلبها شرخ مبيتدواش.
وجاء يوم الولادة.. المستشفى كانت في حالة طوارئ، وأنت واقف بره الأوضة ورايح جاي، بتدعك إيدك في بعضها ومش قادر تقعد. أخيراً خرج الدكتور، وشكوشه كان جاد وجاف تماماً. جريت عليه بلهفة: “بشرني يا دكتور! الولد بخير؟” الدكتور بصلك بنظرة غريبة فيها أسى، وقال: “مبروك يا حاج.. جاتلك بنوتة زي القمر، ألف حمد وشكر لله.” الكلمة نزلت عليك زي الصاعقة. رجلك مجمت مش قادرة تشيلك: “إيه؟ بنت؟ لا أكيد في غلط! ادخل شوف تاني يا دكتور!”
الدكتور سحبك على جنة وقال لك بصرامة وعلمية: “يا حاج عبد الرحمن، استغفر ربنا. وبعدين علمياً وطبياً، الرجل هو المسؤول الأول والأخير عن تحديد جنس المولود ومش الست! الجينات اللي بتعطيها أنت هي اللي بتحدد بنت ولا ولد.. الستات دول ملهمش أي ذنب في قضاء ربنا ولا في طبيعة تكوينك.” الجملة دي كانت الكرباج اللي صحاك من غيبوبتك. الدكتور سابك ومشي، وأنت قعدت على الأرض في صالة المستشفى الفاضية. الكلام يرن في أذنك: “الرجل هو المسؤول.. الستات ملهمش ذنب.”
افتكرت سعاد لما قالت لك: “ده أرضيت ربنا، بلاش تتعرض لقضاء ربنا.”
افتكرت نظرة بناتك وهما طالعين من البيت مع أمهم، وافتكرت منيرة اللي انطفت في بيتك. أنت بعت بيتك وعزوتك وكسرت قلوبهم عشان أوهام، وفي الآخر ربنا أثبت لك إن كل اللي عملته كان جريمة في حق نفسك وحقهم. أخدت النونو الصغيرة بين إيديك، كانت شبهك بشكل يخوف.. بكت في حضنك وكأنها بتقولك: “أنا كمان بنتك.. هتتبرى مني؟”
دمعة نزلت من عينك لأول مرة من سنين. خرجت من المستشفى مش رايح لبيت نجوى، ولا رايح لشغلك.. أخدت عربيتك وطلعت على بيت أهل سعاد، وقفت تحت الباب بقلب مكسور، مستني تنزل عشان تعتذر وتترجاها ترجع، وتبدأ تصالح كل بنت من بناتك اللي ظلمتهم، بعد ما عرفت إن العزوة الحقيقية مش في “الولد”، لكن في القلوب اللي صانتك وأنت رفستها برجلك.
وقفت العربية تحت بيت أهل سعاد. الشارع كان هادي، ونور شقة أبوها في الدور الثاني كان شغال. عبد الرحمن نزل من العربية ورجله تقيلة كأنه شايل جبال على كتفه. طلع السلم وهو بيفتكر كل كلمة قاسية قالها يوم ما مشيت، وكل مرة رفض فيها يرد على مكالمات بناته عشان “مش فاضي ومستني الولد”. وقف قدام الباب ورفعت إيده بتترعش عشان يرن الجرس. رن مرة.. واثنين.. لحد ما الباب اتفتح.
اللي فتحت كانت فريدة، بنته الكبيرة (19 سنة). أول ما شافته، ملامحها اتغيرت من الهدوء للجمود. وقفت سادة الباب وقالت بصوت جاف وخالي من أي مشاعر: “خير يا حاج عبد الرحمن؟ أظن مفيش بينك وبيننا حاجة تيجيلها في الوقت ده.” كلمة “يا حاج عبد الرحمن” نزلت على قلبه زي الميه الساقعة.. بنته حبيبة قلبه اللي كانت بتقول له “يا بابا” بقت بتعامل غريب. عبد الرحمن بصوت مخنوق: “أنا عايز أشوف أمك يا فريدة.. وعايز أكلمكم.”
فريدة ملمستش الباب حتى، وبصت له بكبرياء: “أمي جوه، بس مش هي اللي هتطلع لك.. أنا والبنات اللي واقفين أهو. قولي بقى.. جاي ليه؟ جاي تقولنا إن ‘الولد’ شرف ودنيتك جت؟ ولا جاي تتمنظر علينا بالوريث؟” في اللحظة دي، سعاد خرجت من الصالة ووقفت ورا فريدة. كان شكلها مختلف؛ التعب والكسرة اللي كانوا في عيونها يوم ما مشيت اختفوا، وحل محلهم هدوء وراحة بال غريبة. وباقي البنات (نور ومريم والصغيرة جني) وقفوا جنب أمهم، يبصوا لأبوهم بنظرات فيها مزيج من العتاب والوجع.
عبد الرحمن نزلت دموعه، ولأول مرة بناته يشفوه بيبكي. حط إيده على وشه وقال بصوت متقطع: “أنا أخطأت يا سعاد.. أخطأت في حقكم كلكم. ربنا رزقني ببنت.. والدكتور قال لي الكلام اللي كان لازم أفهمه من زمان. العيب والسر من عندي أنا.. مش منكم.”
سعاد بصلت له بهدوء تام، ومرفعتش صوتها ولا عاتبت، بل قالت بكلام أتقل من الجبال:
“عبد الرحمن.. أنت فاكر إننا زعلانين عشان جالك بنت؟ إحنا زعلانين عشان أنت بعتنا. أنت مكسرتناش لما اتجوزت ولا لما طالبت بظنونك.. أنت كسرتنا لما حسست بناتك إنهم ‘نقص’ في حياتك، وإنهم عار مش هيشيلوا اسمك. لو كنت جيبت عشر ولاد، كان هيفضل نفس الشرخ بيننا.” مريم (15 سنة) قربت وقالت والدموع في عيونها: “بابا.. إحنا كنا بنحبك، وكنت السند بالنسبة لنا. بس أنت فضلت وهم مش موجود علينا إحنا اللي لحمك ودمك.”
عبد الرحمن نزل على ركبته قدام الباب في لحظة انكسار تامة، وبص لسعاد وقال: “سامحيني يا سعاد.. ارجعي معايا، وأنا مستعد أعمل أي حاجة أصلح بيها اللي بوظته. هكتب للبنات كل ما أملك، وهعيش تحت رجليكم بس ارجعوا لي البيت فاضي ومن غيركم يسوى جزمة.”
سعاد بصت للبنات، وبعدين بصت له وقالت بقرار حاسم:
“الفلوس والكتبات دي تسد عين اللي يجري ورا المادة يا عبد الرحمن.. إحنا مش عايزين فلوسك. اللي يتصلح مش المباني ولا الشقق.. اللي يتصلح هو القلوب، وده بياخد وقت كبير أوي. أنا مش راجعة معاك النهاردة، ولا بكرة.. ولو عايز تثبت إنك اتعلمت الدرس بجد، روح للغلابة اللي في بيتك الأول.. روح لـ ‘منيرة’ اللي سايبها مقهورة في بيتك، وروح لـ ‘نجوى’ وبنتك الجديدة اللي ملهاش ذنب في أوهامك.. اتقي الله فيهم، وبعدها ابقى تعالى دور على بناتك اللي رميتهم.”
سعاد سحبت فريدة بالراحة وقفت الباب بالهدوء، من غير ما تهبد الباب ولا تصرخ.. قفلة هادية لكنها كانت أقوى من ألف صرخة.