روايات

القايـمة بتاعتـي اختـفت من بيـت أبويـا قبـل الـفرح بـكام يـوم

أبويا غطى وشه بإيديه وبدأ يعيط بصوت مكتوم: “كنت هروح السجن يا ابني.. التجارة طارت والديون كلت لحمي.. قلت هسدد قبل ما حد يحس.. بس الوقت جرى مني!” أحمد بصلي بوجع عمره ما هيروح من قلبي، وقال وهو ماشي ناحية الباب: “أنا صنت اسمك وأهلك.. بس أنتِ ما صنتيش ظني فيكِ، وشكيتِ فيا من أول قلم. الورق والقايمة وسداد الدين كله في الملف ده يا ندى.. والورقة اللي كانت خايفة عليها عيلتك، أهي رجعت.. بس للأسف، الحقيقة كشفت إن أقرب الناس ليكي هما اللي باعوا، وإن اللي اتتهمتيه بالحرامية هو الوحيد اللي اشترى…”

خرج أحمد وساب الباب مفتوح.. وسابنا كلنا في الأوضة، يتمنى كل واحد فينا لو الأرض تنشق وتبلعنا، ولو القايمة دي فضلت ضايعة… والحقيقة المرة دي ما ظهرت أبداً! صوت خبطة الباب لما أحمد خرج كان عامل زي صوت جرس إنذار صحاني من كابوس بكتشف فيه إن الكابوس هو حياتي والحقيقة. بصيت على أبويا اللي كان قاعد على الكرسي حاطط وشه بين إيديه وبيعيط بقلة حيلة، وأخويا اللي واقف مصدوم مش قادر يرفع عينه فيا، وأمي اللي صوت شهقاتها كان مالي المكان. في لحظة واحدة، حسيت إن البيت ده بكل ذكرياته بقى خنيق، ورجليا مش قادرة تشيلني.

مسكت الملف الأسود اللي أحمد سابه على الترابيزة.. فتحته بإيد بتترعش.
كانت فيه القايمة الأصلية، ومعاها إيصال السداد بمبلغ ضخم جداً من حساب أحمد، ومخالصة رسمية ومبصومة من صاحب محل الدهب بتثبت إن الدين اتسدد بالكامل ومفيش أي مستحقات. أحمد دفع تحويشة عمره، الفلوس اللي كان بيجمعها عشان نكبر شقتنا ونبدأ مشروع صغير، دفعها عشان يغطي على سر أبويا ويحمي سمعة العيلة اللي اتهمته في شرفه بعد كل ده!

بصيت لأبويا وقلت بصوت حزين ومكسور: “ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كده؟ وليه سبتني أشك فيه وأظلمه وأنا شايفاك ساكت؟”
أبويا رفع وشه وهو بيعيط: “يا بنتي كنت مكسور.. كنت خايف الفضيحة تطولنا، وكل يوم أقول بكرة هسدد وأرجع الورق من غير ما حد يعلم.. والله ما كنت أعرف إنه هيدفع من جيبه!” ما استنيتش أسمع بقية الأعذار. أخدت الملف في حضني وجريت على الشارع زي المجنونة.

طول الطريق لشقتنا، دموعي كانت بتعمي عيني. كنت براجع كل كلمة قلتها له، كل نظرة شك بصيتهالـه، والأسوأ من ده كبرياءه اللي اتجرح وسكوته لما سألته في الأول.. هو ما دفاعش عن نفسه لأنه كان مستني يشوف هل أنا هأمن بيه وبأخلاقه، ولا هنساق وراء اتهامات أهلي؟ وأنا.. للأسف، خذلته. وصلت الشقة، فتحت الباب وأنا بنادي اسمه بصوت مخنوق: “أحمد! أحمد ارجوك اسمعني!”
بس الشقة كانت فاضية.. وساكتة بشكل يرعب.
دخلت الأوضة لقيته أخد شنطة هدومه الصغيرة، ومفتاح الشقة كان محطوط على الترابيزة جنب دبلته!

أول ما شفت الدبلة محطوطة، حسيت بسـ,ـكينة اتغرست في قلبي. قعدت على الأرض ومسكت الدبلة وبكيت بحـ,ـرقة عمرها ما مرت عليا. اتصلت بيه مية مرة.. التليفون مغلق. كلمت كل أصحابه القريبين، محدش كان يعرف هو فين أو كانوا بيتهربوا مني. فضلت قاعدة جنب الباب طوال الليل، مش قادرة أنام ولا أذوق النوم، مستنية أي حركة أو صوت خطوة في السلم. عدى أسبوع كامل وأنا زي جـ,ـثة متحركة. أهلي حاولوا يجوا الشقة يطيبوا خاطري، بس رفضت أدخلهم. كنت حاسة إنهم السبب في الخراب اللي وصلناله، وإن كان لازم أقف جنب جوزي من أول لحظة.

في اليوم التامن، عرفت من صاحب عمره إنه أجر شقة صغيرة قريب من شغلي وكان بيبات فيها. ما ترددتش ولا ثانية. أخدت الملف، وحطيت الدبلة في إيدي، ورحتله.
وقفت قدام باب الشقة وأنا قلبي بيدق بغزارة. خبطت.. ولما فتح، وشّه اتغير أول ما شافني. كان باين عليه التعب، عينيه فيها أرق وعلامات قهر ما اتطفتش. قال بجمود: “جاية ليه يا ندى؟ الورق معاكِ، والدين اتسدد، وأظن مفيش حاجة تانية متبقية بينا.”

مسكت إيده بالقوة ورفضت أسيبها رغم إنه حاول يشدها: “أنا مش جاية عشان الورق يا أحمد.. أنا جاية عشان أقولك إن القايمة والدهب والفلوس ولا يسووا قلامة ظفر من جزمتك.. أنا جاية أترجاك تقبل اعتذاري.” أحمد بصلي بابتسامة مكسورة وقال: “الشك لما يدخل بين اتنين يا ندى بياكل كل حاجة حلوة. أنتِ ما صدقتيش جوزك اللي عاش معاكي سنة ونص، وصدقتي إنه ممكن يسـ,ـرق ورق عشان شوية دهب.. الجرح مش في القايمة، الجرح إنك ما عرفتنيش.”

نزلت على ركبي قدامه على الباب، والدموع مغرقة وشي: “حقك عليّ.. أنا غبية وأغبى واحدة في الدنيا.. بس والنعمة أنا كنت متلخبطة والخوف كان عماني، واللحظة اللي شكيت فيها كانت أكبر غلطة في حياتي.. لو عايزي أعتذرلك قدام الدنيا كلها هعمل كده، لو عايزني أقطع علاقتي بأي حد ظلمك هعمل كده.. بس ما تسيبنيش يا أحمد.. أنت الشخص الوحيد اللي صانني وصان أهلي وأنا ما استاهلكش، بس اديني فرصة واحدة أثبتلك إني أقدر أكون الزوجة اللي تصونك.”

أحمد بصلي وطول في السكوت.. النظرة القاسية اللي كانت في عينيه بدأت تلين، ونزل لمستوايا ومسك إيدي وقومني: “أنا ما أقدرش أشوفك في الوضع ده يا ندى..” قلت له وأنا بتمسك بهدومه: “يبقى ترجع معايا.. نرجع بيتنا، وتبدأ معايا صفحة جديدة، وإيصال الدهب ده أنا هشتغل وأسدده لك قرش قرش من مصروفي، وأهلي مش هيدخلوا بيتنا تاني إلا لما ييجوا يبوسوا رأسك ويستسمحوك.”

أحمد اتنهد تنهيدة طالعة من قعر قلبه، وبص في عيني وقال: “الفلوس تغور يا ندى، أنا ما عملتش كده عشان فلوس.. أنا عملت كده عشان كنت فاكر إننا واحد.. الرجوع مش هيحصل في يوم وليلة، والجرح محتاج وقت عشان يلم.. بس أنا هرجع معاكي البيت.. مش عشان القايمة ولا عشان أهلك، عشان الحب اللي كان بينا والفرصة الأخيرة اللي طلبتيها.”

في اللحظة دي عرفت إن الطريق لإصلاح اللي اتكـ,ـسر هيكون طويل، وإن الثقة اللي اتهزت محتاجة أفعال مش كلام.. بس على الأقل، الباب ما اتسدش في وشي، والحقيقة المرة دي -رغم قسوتها- كانت البداية عشان أعرف قيمة الراجل اللي معايا بحق وحقيق. المشهد: صالة شقة أحمد وندى – مساءً الهدوء في الشقة خنيق ومُحيّر. “أحمد” قاعد على الكرسي، لابس قميص أسود وشامّر أكمامه، وشه مفيش فيه أي تعابير. “ندى” واقفة جنب شباك الصالة، بتفرك في إيديها بتوتر وتعيط من غير صوت.

الباب يخبط خبطات خفيفة متقطعة… خبطة واحد مكـ,ـسور. ندى بتبص لأحمد برجاء، أحمد بيهز راسه ببرود: “افتحي يا ندى.” تفتح ندى الباب. يدخل والدها “حاج متولي” وأخوها “كريم”. الحاج متولي باين عليه العجز والكسرة، ظهره منحني ونظرة عينه في الأرض. كريم شايل في إيده شنطة سوداء صغيرة ومشي ببطء ورا أبوه. الحاج متولي بيقف في نص الصالة، عينه بتدور على أحمد، وأول ما أحمد بيقوم يقف بثبات، الحاج متولي بيمشي ناحيته بخطوات بكتف مهدود.

الحاج متولي: (بصوت مجروح ومبحوح) “السلام عليكم يا بني…” أحمد: (بصوت هادي ورسمي جداً) “وعليكم السلام يا حاج متولي… اتفضلوا.” أحمد بيشير على الكنب، بس الحاج متولي بيرفض يقعد، وبيقف قدام أحمد مباشرة، والدموع بتجمع في عينيه. الحاج متولي: “المجلس ده مش بتاع قعدة يا أحمد… المجلس ده بتاع اعتذار، وموقف حق لازم يتقال ولو على رقبتي.” أحمد بيسكت ومستني، إيده في جيبه وملامحه صلبة.

الحاج متولي: (بيمسك إيد أحمد بتبتيل ومحاولة حب) “أنا جيت لحد بيتك، ومش جاي أطلب منك تسامحني، لأن اللي عملته في حقك ما يتسامحش عليه بسهولة… أنا طعنتك في شرفك وأمانتك، وأنت الوحيد اللي صُنت بيتي وسترني من الفضيحة والسجن.” كريم (أخو ندى): (بيتقدم وعينيه في الأرض) “يا أحمد… أنا زقيتك ومديت إيدي عليك بحمق وغباوة، وكنت عمى، والنهاردة أنا جاي أقولك إنك أرجل مني ومن أي حد، وإيدي دي تتطلع لو فكرت تلمسك تاني…”

كريم بيمد إيده يسلّم، أحمد بيتردد ثانية، وبعدها بيسلم عليه بضغط خفيف، ويبص للحاج متولي. أحمد: “يا حاج متولي… القايمة والدهب والفلوس كل ده ورق ويروح ويجي. لكن الشك اللي زرعتوه في بيت بنتك، والكسرة اللي كسرتوها لرجولتي قدام مراتي… دي أعمل فيها إيه؟ أنا دخلت بيتكم على سنة الله ورسوله، وأكلت عيشكم، وفي أول اختبار طلعتوني حرامي ونسيتوا أنا مين!” ندى: (بتتدخل وهي بتعيط) “أحمد… عشان خاطري…” أحمد بيرفع إيده لندى بهدوء يخليها تسكت.

الحاج متولي بيوطي ركبتيه ببطء وكان هيقعد على الأرض يستسمح أحمد، أحمد بينزل بسرعة ويمسكه من كتفه ويمنعه بالقوة وهو مخضوض: أحمد: (بصوت منفعل) “لا! لحد هنا ولا يا حاج! أنت قد أبويا.. ومش أحمد اللي يخلي راجل بقد سنك ينزل على الأرض قدامه مهما حصل!” الحاج متولي: (والدموع نازلة على لحيته) “يبقى تسمعني يا بني… أنا بياع باطل، وأنت ابن أصول. الفلوس اللي أنت دفعتها عشان تسدد ديني وتحمي اسمي… كريم باع أرضنا اللي في البلد النهاردة، وحضرنا كل جنيه أخدته من تحويشة عمرك.”

كريم بيفتح الشنطة السوداء ويحطها على الترابيزة قدام أحمد، ومعاها عقد تنازل رسمي عن نصيب في بيع المحل باسم أحمد كضمان وحق. كريم: “دي فلوسك بالكامل يا أحمد.. ومعاها حقك الأدبي والمادي. وأي شرط تشرطه على العيلة دي عشان ترضى.. إحنا موافقين عليه.” أحمد بيبص للشنطة والعقد، وبعدين بيبص للحاج متولي اللي وشه أحمر من البكاء. السكوت بيملا الأوضة لدقيقة كاملة… دقيقة تقيلة زي الجبل. أحمد بيمد إيده، بياخد العقد وبيقطعه نصين ويرميه على الترابيزة.

الحاج متولي: (باندهاش) “بتعمل إيه يا أحمد؟!” أحمد: “أنا ما أخدتش حق بنتك عشان أتاجر بيه، ولا دفعت الفلوس دي عشان أشتري أصول في محلاتكم. الفلوس اللي في الشنطة دي حقي، وأنا هاخدها لأنها تحويشة عمري وشقايا… لكن العقد ده مالوش لزمة عندي، لأن أحمد ما بياخدش أجر على جدعنته وسطره لأهل مراته.” أحمد بيمسك إيد الحاج متولي ويبـ,ـوسها باحترام: “حقك عليّ إن صوتي علي في بيتك يا عمي.. وكرامتك مرفوعة، والفلوس رجعت. بس اطلب منك طلب واحد.”

الحاج متولي: (بلهفة) “أمرني يا بني.. عيوني ليك.” أحمد: (بيبص لندى اللي واقفة بتبكيله) “سيبوني أنا وندى نعالج اللي اتكسر بينا براحتنا.. من غير تدخل، ومن غير كلام في اللي فات. أنا قبلت اعتذارك يا حاج، وربنا يعلم إني سامحتك في حق نفسي.. بس بيتي محتاج وقت عشان يرجع فيه الأمان زي الأول.” الحاج متولي بيبتسم ابتسامة مكسورة ومحملة بالامتنان، بياخد أحمد في حضنه بقوة وبيطبطب على ظهره وهو بيدعيله: “ربنا يكرمك ويكبر خاطرك زي ما سترتني وكبرت بيا يا ابن الأصول.. ندى في عينيك، وأنت سيد البيت وسيدنا كلنا.”

الحاج متولي وكريم بيسحبوا نفسهم بهدوء ويخرجوا من الشقة، وبيقفلوا الباب وراهم. أحمد بيلتف لندى، بيبص للشنطة اللي فيها الفلوس، وبعدها يبص لندى. ندى بتقرب منه ببطء، وبتمد إيدها تمسك إيده، المرة دي أحمد ما بيشدش إيده، لكنه بيتنهد تنهيدة طويلة كأن الجبل اللي كان على صدره بدأ يتقلب. المشهد: شقة أحمد وندى – بعد مرور ستة أشهر ضوء الشمس الدافي دداخل من الشباك مالي الصالة، وصوت فيروز شغال بهدوء في الخلفية. البيت مفيش فيه النكد ولا السكوت التقيل اللي كان حابس الأنفاس زمان.

“أحمد” قاعد على السفرة، قدامه اللاب توب ومجموعة أوراق لمشروعه الجديد اللي كان بيحلم بيه من زمان، وبيقرا التركيزات والأرقام بتركيز شديد. تخرج “ندى” من المطبخ وهي ماسكة صينية عليها فنجانين قهوة مضبوطة، وابتسامة رايقة على وشها. بتحط الصينية ببطء على السفرة، وتقعد جنبه. ندى: (بابتسامة حنونة)
“القهوة اللي بتحبها.. وشها مضبوط ومن غير سكر، زي ما بتتمنى.” أحمد بيرفع عينه من على الشاشة، بيبصلها بابتسامة دافية كان بقاله شهور مش بتفارق وشه، بيمد إيده وياخد الفنجان، وبيعدل القعدة عشان يبصلها.

أحمد:
“تسلم إيديكي يا ندى… القهوة من إيديكي ليها طعم تاني خالص.” ندى: (بغمزة ودود)
“تصدق يا أحمد؟ الست شهور اللي فاتوا دول كانوا أصعب وأحلى ست شهور في حياتي… أصعب لأن كنت حاسة إني كأن بتبني ثقتك فيا من أول وجديد، وأحلى لأن كل يوم كنت بشوف في عينيك إن اللي بيننا مستاهل العافر.”

ندى في الست شهور اللي فاتوا ما سابتش فرصة إلا وأثبتت فيها إنها الظهر والورد لأحمد. كانت بتشاركه في كل تفصيلة، بتسمعه قبل ما تتكلم، وقفت جنبه خطوة بخطوة وهو بيتوسع في مشروعه بالفلوس اللي رجعت له، وقاطعت أي حد حاول يهمس بكلمة تضايقه حتى لو من قرايبها. أحمد بيمسك إيدها اللي على السفرة، وبيطبطب عليها بحب.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى