تأكدتُ أولاً من إغلاق باب غرفة فريدة كي لا يفزعها الصوت، ثم مشيت بخطى ثابتة ونحيتُ الستارة جانباً، وفتحتُ الباب الخارجي دون أن أفك السلسلة الحديدية الآمنة. صرخت ندى فور أن رأت جزءاً من وجهي:
– “افتحي يا أميرة! أنتِ اتجننتي؟! حسين جمد حسابات الشركة وألغى التسهيلات البنكية، وشغلنا واقف من ساعتين! الشيكات هترجع بكرة ومستقبلنا هيتدمر!” أمي صرخت هي الأخرى بصوت مبحوح من شدة الغضب:
– “أنتِ ازاي تروحي لتخلطي الأوراق وتتبلي عليا عند أخويا؟! وتقوليله إني رميت البنت؟! افتحي الباب ده فوراً وأكلي حسين قولي له إنك كنتِ بتهزري ورجعي المياه لمجاريها!”
وقفتُ أراقب وجوههم المعروقة من الهلع. لم يكن في أعينهم أي ندم، ولا خوف على طفلة كانت منذ ساعات على شفا الاختطاف أو الضياع.. كل ما كان يهمهم هو التدفق النقدي، والفيزا البنكية، والمظاهر التي اعتادوا التغذية عليها من أموال العائلة. قلتُ بنبرة هادئة جداً، هدوءاً جعلهم يتوقفون عن الصراخ فجأة:
– “68 مكالمة فائتة على موبايلي من الساعة 9 بالليل.. ولا مكالمة ولا رسالة فيهم سألت: فريدة كويسة؟” ساد صمت مفاجئ بين الثلاثة، التفتت ندى لزوجها بضيق، ثم قالت بتلعثم:
– “البنت أكيد كويسة طالما معاكي! ما تفروريش الموضوع وتحوليه لدراما عشان تداري المصيبة اللي عملتيها في شغلي!”
ابتسمتُ ابتسامة باردة:
– “شغلك اللي قايم على ضمانات أصول بابا الله يرحمه؟ شغلك اللي كنتِ بتتباهي إنه من عرق جبينك، بينما خالي حسين هو اللي ضامن كل مليم فيه؟” أمي ضـ,ـربت على الباب بيدها:
– “أميرة! أنا أمك! مش هسمحلك تذلينا عشان خاطر موقف عدى! حسين أوقف كارت الفيزا بتاعي ومنع المصروف، وقال إنه هيعيد توزيع أرباح الشركات ومفيش قرش هيطلع لندى تاني! اتصلي بيه حالاً وقوليله إنك سحبتي بلاغك وتنازلتِ!”
– “أنا ما ضـ,ـربتش خالي على إيده يا أمي.. أنا بعتّله تقرير أمن مول العرب المطبوع بالوقت، وفواتير المشتريات بتاعتك بالدقيقة. هو اللي شاف إن واحدة بتسيب حفيدتها ساعتين وتكمل شوبينج، ما ينفعش تؤتمن على أصول عيلة.” في هذه اللحظة، تدخّل زوج ندى بنبرة توسُّل:
– “يا أميرة عشان خاطر الولاد.. يوسف وعمر مالهمش ذنب، شركتنا لو فلست بكرة مش هنلاقي ندفع مصاريف مدارسهم الخاصة!”
نظرتُ في عينيه مباشرة وقلت:
– “ولما كانت بنت أختك واقفة مرعوبة عند بوابات المول بتعيط بانهيار، نسيتوا إن لها ذنب؟ لما ندى قالت على الجروب إن فريدة غيرانة عشان تيتا ما اشترتلهاش، محدش فيكم فكر يطمن عليها؟ كل اللي همكم الشنط والجواكت والمظاهر.. دلوقتي بتفتكروا إن في أطفال في العيلة؟” أمي هددتني بصوت مرتفع:
– “لو ما اتصلتيش بحسين دلوقتي، أنا هغضب عليكي ليوم الدين، ومش هتدخلي بيتي تاني، وهعرف العيلة كلها إنك نكرتي جميل أمك وتسببتِ في خراب بيت أختك!”
في الماضي، كانت كلمة “هغضب عليكي” كفيلة بإنها تجعلني أبكي وأعتذر عن أخطاء لم أرتكبها.. لكن الليلة، كانت الكلمة طلقة فارغة. رددتُ عليها بأعلى درجات الثبات:
– “بيتك اللي مش هتدخليه تاني ده يا أمي.. هو البيت اللي فريدة اتبكت فيه واستُهين بحياتها. والغضب الحقيقي هو إنك تسيبي طفلة عندها 3 سنين وتروحي تشتري هدايا وتدفعي بالفيزا كأن مفيش حاجة حصلت.” وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة، سحبتُ الهاتف من جيبي، وأريتهم الشاشة.
– “أنا مش بس بعت التقرير لخالي حسين.. التقرير ده موثق ورسمي من المول، ولو سمعت خبطة واحدة تانية على الباب، المكالمة الجاية مش هتكون لخالي.. هتكون لنجدة الطفل وللشرطة لتقديم بلاغ رسمي بتهمة الإهمال المباشر وتعريض حياة طفل للخطر.” تراجعت أمي خطوة للوراء بشحوب تام. هي تعلم جيداً أن بلاغاً رسمياً بحادثة المول الموثقة بكاميرات المراقبة يعني تحقيقاً سينمائياً قد يصل للصحافة والنيابة العامة. ندى شهقت بذهول:
– “أنتِ بتعملي فينا كده؟ بتبيعي أهلك؟”
– “أنا مابعتش حد.. أنتوا اللي بعتوا فريدة بساعتين شوبينج.” أغلقتُ الباب الخشبي الثقيل في وجوههم، وأقفلتُ القفل المزدوج. سمعتُ أصوات همساتهم المذعورة بالخارج، وشجار ندى مع أمها وهي تلومها على الإهمال الفاضح الذي تسبب في هذه الكارثة الاقتصادية لهما، قبل أن تتلاشى خطواتهم مسرعة في الممر نحو المصعد. الجزء الخامس: ثمن الاستفاقة
في الصباح الباكر، استيقظتُ على صوت قطرات المطر الخفيفة على النافذة. دخلتُ غرفة فريدة، فوجدتها قاطعة في النوم، محتضنة دبتها الصوفية، وعلى وجهها ابتسامة هادئة خالية من رعب الأمس. قبّلتُ جبهتها وشعرتُ لأول مرة منذ سنوات بتنفسي يعود لطبيعته.
على طاولة المطبخ، فتحتُ هاتفي.
كانت هناك رسالة واحدة جديدة فقط، من خالي حسين: “أميرة، تم تعيين مكتب محاسبة قانوني لمراجعة كافة القوائم المالية لشركة ندى وإلغاء جميع الضمانات البنكية الخاصة بأسهمك وأسهم واليدكرحمة الله عليه. المصروف الشهري لوالدتك سيتضمن فقط احتياجاتها الأساسية ولن تُمنح أي تسهيلات إضافية. تم توثيق تقرير المول في السجل العائلي لحمايتك وحماية فريدة من أي ضغوط مستقبلاً. أنتِ لم تسيئي لأحد.. أنتِ فقط حميتي ابنتك، وأنا فخور بكِ.”
مسحتُ دمعة دافئة فرت من عيني. لم تكن دمعة حزن، بل دمعة تحرر. سمعتُ خطوات صغيرة تقترب من المطبخ.. فريدة كانت وفرك عينيها وهي تمشي بنعاس:
– “ماما.. صباح الخير.” رفعتها بين ذراعي، وحضنتها بقوة، وشتتُ رأسها في عنقي.
– “صباح الفل يا روح ماما.. تيجي نعمل فطار حلو النهاردة؟” ضحكت فريدة بصوتها الصافي:
– “أيوة! ونلعب بالصلصال؟” – “ونلعب بالصلصال، ونروح المكان اللي يعجبك.. ومفيش أي حاجة في الدنيا هتبعدنا عن بعض تاني.”
لقد خسرتُ عائلة كانت ترى وجودي مجرد هامش ورعايتي مجرد تحصيل حاصل.. لكنني كسبتُ حماية طفلتي، وكسبتُ احترامي لنفسي، وعلمتُ فريدة أن صوتها وحقها في هذه الحياة لا يمكن أن يُباع أو يُنسى في ممر مول.. مقابل أي ثمن.