“أمي ادّعت إنها ‘نسيت’ بنتي اللي عندها ثلاث سنين في المول لمدة ساعتين، عشان كانت مشغولة بتشتري حاجات لولاد أختي. أفراد أمن المول لقوا بنتي الصغيرة واقفة لوحدها وبتعيط بانهيار. ولما واجهت أمي، قالتلي بكل برود: ‘البنت كانت في أمان، أنتِ بتكبري الموضوع على الفاضي.’ ما تجادلتش معاها.. عملت مكالمة واحدة بس في السر بالليل، وبعدها بدقايق، لقيت على موبايلي 68 مكالمة فائتة—وعلى نص الليل، كانت العيلة كلها واقفة عند باب بيتي.”
الجزء الأول مكالمة مركز أمن المول جتلي وأنا بخلص شوية شغل في المطبخ.
رقم غريب ظهر على شاشة الموبايل. كنت هكنسل، بس في حاجة خلت قلبي يقف قبل ما أرد حتى.
– “حضرتك والدة الطفلة فريدة؟”
قمت وقفت بسرعة والكرسي اتزحلق على الأرض بصوت عالي:
– “أيوة أنا.. خير؟”
اللي بيكلمني أعرّف نفسه إنه مدير أمن مول العرب. صوته كان هادي ومحترم، بس كل كلمة طالعة منه كانت بتضيق الأنفاس عليا.
فريدة بنتي—عمرها 3 سنين—لقوها واقفة لوحدها جنب بوابات الخروج اللي عند منطقة المطاعم. كانت بتبكي بانهيار ومش عارفة تقول اسم اسمها الكامل حتى.
أفراد الأمن أخدوها لمكتب الأمن، وعملوا أداءات ومناشدات في الإذاعة الداخلية للمول أكتر من مرة.. وكانوا بقالهم ساعتين مستنيين حد يجي يستلمها!
أمي هي اللي كانت مفروض واخدة بالها منها.
مش فاكرة إزاي مسكت مفاتيحي، ولا فاكرة إزاي سُقت العربة.. كل اللي فاكراه إني كنت بجري جوه المول، وسط المحلات والزحمة، لحد ما وصلت للممر الأبيض اللي مكتوب عليه “مكتب الأمن”.
فريدة كانت قاعدة على كرسي بلاستيك ومتغطية ببطانية بطاطين أطفال. أول ما شافتني صرخت: “ماما!” وجريت على حضني.
جسمها كله كان بيترعش.. مسكت فيا وهي بتهمس:
– “كنت عارفة إنك هتيجي.”
– “أنا هنا يا حبيبتي.. أنا معاكي خلاص.”
مشرف الأمن سلمني تقرير مطبوع. الصفحة الأولى كان فيها الوقت اللي لقوا فيه فريدة، المكان، ولستة بالنداءات اللي اتعملت في الميكروفون.
وفجأة.. باب المكتب اتفتح.
دخلت أمي وهي شايالة في إيدها 6 أكياس هدايا ماركات وشنط محلية كبار.
ما جرتش على فريدة.. ما رمتش الشنط من إيدها ولا سألت هي كويسة ولا لأ.. كانت باينة متضايقة ومستفزة!
– “أوه يا أميرة.. خلاص بقى، ما تفروريش الموضوع! البنت كانت بأمان، أنتِ بتكبري الموضوع على الفاضي.”
بصلتها وأنا مش مصدقة:
– “كنتِ فين يا أمي؟”
– “كنت بشتري الجواكت لولاد أختك ندى.” (التوأم يوسف وعمر).
رفعت كيس من الشنط كأن ده يبرر اللي حصل:
– “المحل كان زحمة جداً، وفريدة أكيد زوغت مني وأنا بحاسب.”
– “ساعتين يا أمي؟! نسيتيها ساعتين؟”
– “الأطفال بيتحركوا وبيسرحوا عادي!”
مشرف الأمن اتنحنح وقال بنبرة رسمية:
– “يا فندم، الحفيدة اتلاقت جنب بوابات الخروج الخارجية للمول، وإحنا أذعنا اسمها في الإذاعة الداخلية كذا مرة.”
أمي أخدت نفس بزهق وحركت إيدها:
– “ما سمعتش حاجة!”
بصيت على أكياس الشراء..
الفاتورة كانت طالعة من كيس منهم، والوقت المطبوع عليها كان بعد نص ساعة كاملة من أول نداء تم في الإذاعة!
وقبل ما أرد، موبايل أمي رن.. ندى أختي.
أمي ردت وفتحت الميكروفون عشان إيدها مليانة شنط.
– “جبتي البوتات المقاس المضبوط للولاد؟”
ندى سألتها، فأمي ردت:
– “أيوة، الأسود.”
– “تمام.. هي أميرة عاملة زيطة ليه هناك؟”
أمي بصتلي وقالت:
– “مضايقة عشان فريدة تسربت منها وقعدت تدور عليها.”
ندى أخدت نفس باستهزاء:
– “هي أكيد غيرانة عشان اشتريتي حاجات لولادي أنا وما اشتريتيش لفريدة!”
إيد فريدة الصغيرة مسكت في قميصي أكتير.. كنت مستنية حد فيهم يسأل: “البنت كويسة؟”
ولا واحدة فيهم سألت.
في اللحظة دي.. الغضب اللي جوايا تحول لسكوت تام.
الجزء الثاني: كفاية طيبة وسكوت
على مدار 33 سنة، كنت أنا دايماً “الابنة العاقلة والمطيعة”.
أبسط إنجاز لندى كان بيتعمل له حفلة، وأي مشكلة عندها كانت بتوقف حياة العيلة كلها. ولادها بياخدوا أغلى الهدايا، الخروجات الخاصة، واهتمام أمي كله.. بينما بنتي كانت بتكتفي بإنها تتفرج من بعيد.
لما كنت بلاحظ وأتكلم، أمي كانت بتقولي:
“أنتِ حساسة زيادة عن اللزوم!”
ولما كنت بسكت، كانت بتقول: “أنتِ أصيلة وعاقلة.”
أنا استحملت يتعمل معايا كده.. بس مش هسمح بإنهم يعلّموا فريدة إنها مالهاش قيمة!
طلبت من مشرف الأمن صور وتفاصيل التقرير كله:
– “محتاج صورة من تقرير الواقعة، سجل النداءات، ورقم المرجعي لكاميرات المراقبة.”
أمي ضحكت باستهزاء:
– “أنتِ اتجننتي رسمي!”
ما رديتش عليها.
شلت فريدة للباركينج، قعدتها في كرسي الأطفال وثبت الحزام وهي ماسكة في إبهامي وبتقول بصوت خايف:
– “ما تمشيش وتسبيني..”
– “أنا مش هروح في أي حته يا حبيبتي.”
– “تيتا مشيت وسابتني..”
قلبي اتعصر.. فريدة في نظرها ما “تاهتش”.. الشخص اللي كان مسئول عنها هو اللي اختفى وسابها.
أمي حصلتنا على الباركينج:
– “أنتِ كده بتمكني الخوف جواها! العيال بياخدوا انطباعهم من الكبار.”
– “البنت كانت لوحدها ساعتين!”
– “المفروض تتعلم تقعد جنب الكبار وما تبعدش.”
– “دي عندها 3 سنين!”
– “ولاد ندى عمرهم ما عملوا كده وهم في سنها!”
قفلت باب العربية وقبل ما أركب قلتلها:
– “إياكي تتصلي بيا النهاردة.”
وشها اتغير وقالت بحزم:
– “مش من حقك تمنعيني عن حفيدتي عشان غلطة بسيطة!”
– “من حقي أحدد مين أمين يقعد مع بنتي ومين لأ.”
– “أنتِ بتعملي كل ده عشان الشوبينج والهدايا صح؟”
ركبت عربيتي ومشيت.
الجزء الثالث: المكالمة القاضية
في البيت، لفيت فريدة ببطانيتها الصفراء وشغلتلها الكارتون، فضلت ماسكة فيا لحد ما نامت على كتافي.
أول ما نامت، مسكت تقرير الأمن وقريته بالورقة والقلم.. التوقيتات كانت كابوس:
الساعة 1:18 ظهراً: فريدة اتلاقت عند البوابة.
الساعة 1:23 ظهراً: أول نداء اتعمل في الإذاعة.
الساعة 1:47، 2:16، و 2:41: توقيتات عمليات الشراء اللي أمي عملتها بالفيزا!
الساعة 3:05: أمي دخلت مكتب الأمن!
الفواتير ما كانتش مجرد أوراق شراء.. دي كانت إثبات إنها كانت كملت لف وشراء هدايا وواقفة بتدفع في الكاشير، في نفس الوقت اللي فيه أفراد الأمن بيدوروا في المول على أهل طفلة مرعوبة!
الموبايل بدأ يتهز برسايل منهم:
أمي: “أنتِ كسفتيني وإحرجتيني قدام الناس!”
ندى: “بلاش دراما، هي ماما كانت قاصدة يعني؟”
أمي: “كلميني لما تعقلي وتطلعي من الهستيريا دي.”
ندى: “الولاد زعلانين لأنك بوظتي الخروجة عليهم!”
ولا رسالة واحدة بتطمن على فريدة.. ولا كلمة!
شلت فريدة طلعتها سريرها وقعدت جنبها لحد ما سابت كمي وهي نايمة.
نزلت المطبخ، جمعت صور التقرير، صور الفواتير، ورقم تفريغ الكاميرات في ملف واحد.. وعملت مكالمة واحدة بس.
رد عليا خالي حسين.
خالي حسين هو اللي ماسك إدارة أصول وميزانية العيلة، وتوزيع الأرباح والشركات من وقت وفاة بابا. المصروف الشهري لأمي بيطلع عن طريقه، وحتى خط الائتمان والتسهيلات البنكية لشركة ندى الخاصة للتسويق—اللي دايماً بتتباهى إنها ناجحة بجهدها الذاتي—كانت بضمان أصول العيلة وتحت إشرافه.
عمر طلب منه قرش زيادة، ولا عمري اشتكيت له من تفرقة أمي بيني وبين ندى.
قريت له التقرير بالوقت والتاريخ..
بالضبط زي ما مكتوب.
لما خلصت، قعد ساكت كام ثانية.. وبعدين قال:
– “فريدة كويسة يا أميرة؟”
– “أيوة.. نامت.”
– “وأختي كملت شراء بعد الإذاعة ما اشتغلت؟”
– “الفواتير بتأكد ده.”
– “ابعتيلي كل حاجة فوراً.”
– “بعتولك على الواتساب.”
سمعت صوت الكيبورد بتاعته وهو بيفتح الملفات، وبعدها نبرة صوته اتغيرت خالص.. نبرة حازمة جداً:
– “أنا أسف يا أميرة.. أسف إن ده حصل مع بنتك.”
دي كانت أول كلمات تعاطف أو اهتمام أسمعها من حد في العيلة دي كلها.
سألته:
– “حضرتك هتعمل إيه؟”
– “هعمل اللي المفروض يتعمل.”
– “أنا مش طالبة منك تعاقبهم يا خالي..”
– “أنتِ بلغتي عن واقعة مثبتة برسميات.. وأنا من حقي كمسئول عن أموال العيلة أراجع إزاي الفلوس دي بتتصرف ومين جدير بالإدارة ومين لأ.”
وسكت ثانية وقال:
– “ما ترديش على حد فيهم النهاردة.. وقفلي أبواب بيتك كويس.”
بعد 10 دقائق بس من انتهاء المكالمة.. الموبايل بدأ يترج على الترابيزة وما بطلش:
مكالمة من أمي..
مكالمة من ندى..
رسائل ورا بعض:
”أنتِ قلتي إيه لحسين؟!”
”كارت الفيزا بتاعي اتوقف!”
”حساب الشركة بتاع ندى اتقفل والتسهيلات اتجمدت!”
”الحقي الصيبة دي، أصلحي الموضوع فورا!”
”أنتِ بتخربي العيلة عشان سوء تفاهم بسيط؟!”
الرسايل والمكالمات ما كانتش بتبطل.. 68 مكالمة لم يُرد عليها.
ولا رسالة واحدة من الـ 68 كانت بتسأل: “فريدة عاملة إيه دلوقت؟”
وعلى الساعة 12 بالليل.. سمعت صوت خبط متواصل على باب بيتي، وكانت العيلة كلها واقفة بره!الجزء الرابع: المواجهة عند عتبة الباب
لم تكن الطرقات على الباب مجرد استئذان، بل كانت أشبه بمحاولة اقتحام.
نظرتُ من خلال كاميرا المراقبة عند المدخل؛ أمي تقف وفي عينها غضب أعمى، خلفها ندى تروح وتجيء وهي تجري مكالمات مائوسة على هاتفها، وزوجها “سامح” يقف بجانبهما متكتف اليدين وعلامات الانهيار تصبغ وجهه.