هناء كانت نازلة على السلم ببطء، و نفسها رايح من كتر العياط لكن رجليها وقفت فجأة قبل ما توصل لباب الشقة بخطوات.. الباب كان موارب، وصوت الضحكات العالية والكركرة اللي طالعة من جوه خليتها تتجمد في مكانها لما سمعت صوت غادة سلفتها بتقول لحماتها بصوت خافت
ـ والله يا ماما أنتي صاحبة فضل علينا، وريهام أختي مش ناسية لك الجميل ده أبداً.. لولا وقفتك جنبها وتليينك لدماغ سامح، ما كانش زمانه خد الخطوة دي ولا اتجوزها.
الحاجة صفية بضحكة نصر وراحة):
ـ يا بت يا غادة، أنا يهمني مصلحة ابني..
سامح ابني راجل، وعايز ست تعينه وتقف جنبه، ست فايقة تعرف تعمل القرش، مش واحدة زي هناء، ليل نهار يا بابا الحقني يا بابا اديني. هناء طيبة وبنت حلال وكل حاجة، بس غلبانة قوي والراجل اللي زي سامح عايز اللي تشد معاه، وريهام أختك ما شاء الله عليها، لهلوبة وبتعرف تجيب القرش من بوق السبع، و بعدين أنا شايفة بعيني لولا وقفتك مع جلال مكنش زمانه وصل للأمة دي كلهاحكايات نورهان العشري
هناء كانت واقفة ورا الباب، ملامحها بدأت تتخشب، والدموع جمدت في عينيها من الصدمة و خصوصا لما سمعت رد غادة:
ـ بس يا ماما مش خايفة هناء تعرف؟ دي لو عرفت إن سامح اتجوز أختي، ومن وراها، وبفلوس أبوها اللي خدها.. دي ممكن تروح فيها!
الحاجة صفية بصوت كله قسوة:
ـ تروح ولا تيجي، هي اللي عملت في نفسها كدة.. واحدة بتدي جوزها فلوس أبوها من غير ما تضمن حقها، تبقى مغفلة! وبعدين المراد اتحقق خلاص، سامح اتجوز اللي تليق له، وريهام دلوقت مراته، وبكرة تشوفي هتعمل إيه في الـ ٢٥٠ ألف دول، دي هتشغلهم وتكبرهم وتخلي سامح ده باشا.. أما هناء، فآخرها تقعد تربي العيال وتاكل وتشرب، ولو مش عاجبها، الباب يفوت جمل!
غادة بخُبث:
ـ ده أنا سمعتها وهي بتعيط امبارح بالليل من بلكونة المطبخ الظاهر أبوها مبهدلها عشان الفلوس صعبت عليا والله.
الحاجة صفية بحدة:
ـ تصعب عليكي إيه يا خـ,ـايبة؟ تعتبرهم ورثها فيه، و بعدين هي كدا كدا من اقل حاجة تقلبها نواح و أنا كنت بسايسها بس عشان خاطر القرشين اللي مع أبوها، ولما القرش جه، خلاص بقى متقرفناش، و بعدين أبوها آخره يهدد يعني هيحبس بته ولا جوزها!
هناء في اللحظة دي، حست إن الأرض بتلف بيها.. كل ذكرى حلوة مع حماتها، كل مرة سهرت فيها تخدمها وهي تعبانة، كل سر حكتهولها، كان بيعدي قدامها زي السكاكين.
الصدمة كانت أكبر من قدرتها على البكى خرجت الكلمات من على لسانها موجوعة لما همسات:
ـ بقى أنتي يا حاجة صفية ياللي كنتي بتقولي عليا بنتك اللي ماخلفتهاش! معقول تعملي فيا كدا؟ بتبيعيني عشان خاطر ريهام وأختها؟ وبفلوس أبويا؟طب والله ما هسيبكوا تتهنوا بيها….
تفتكروا هناء هتعمل ايه عشان ترجع حقها
حكايات_نورهان_العشري
مين عايز يكملها الحزن خلاص اتوغل جوه روح هناء، بس الوجع لما بيوصل لآخره بيولد قوة جبارة اسمها “الانتقام ببرود”.. الدموع نشفت في عينيها، ورجعت شقتها وهي بتتحرك زي الميكانيكا، مفيش أي ملامح على وشها غير الجمود.
مسكت تليفونها ورنت على أبوها.. الحاج جابر رد بصوت كله عصبية:
ـ خير؟ جيتي بالفلوس ولا راجعة تزيدي في النكد؟
هناء بصوت هادي وثابت بطريقة أرعبته:
ـ الفلوس هترجعلك يا بابا، وتالت ومثلث.. وكل مليم سامح خده منك هيرجع لحد عندك، ومعاه فوائده كمان. بس ليا عندك طلب واحد.. وصلات الأمانة اللي معاك ضد سامح، اوعى تتنازل عنها، وسيبني أنا أدير اللعبة دي بطريقتي.. واعتبر فرح دنيا هيبقي أسطورة ومحدش هيقدر يكسر عينك.
الحاج جابر استغرب نبرة بنته وقال بشك:
ـ أنتي ناوية على إيه يا هناء؟
ـ ناوية أجيب حقك وحقي، ووريني بقى الشطارة اللي مرات أخويا وأختها فالحين فيها، هندخل معاهم ملعبهم وبطريقتهم! قفلت هناء مع أبوها، وبدأت خطتها الصح.. نزلت من غير ما تحسس حد بحاجة، راحت دايرة حكومية ومكاتب محاماة معارف لأبوها من تحت الطاولة، وبدأت تحسب خطواتها بدقة. في الوقت ده، كان سامح عايش في العسل مع ريهام في الشقة الجديدة، عمالين يخططوا إزاي يستثمروا الـ 250 ألف جنيه في مشروع جديد، وحاجة صفية وغادة مباركين الجوازة وواقفين في صفهم ضد هناء اللي مفكرينها “غلبانة ومش هتعمل حاجة”.
بعد أسبوع بالظبط، كان سامح قاعد في المحل بتاعه، لقى قوات تنفيذ الأحكام والشرطة داخلين عليه وبكل برود بيطلعوا أمر ضبط وإحضار وبلاغ نصب وتبديد في وصلات أمانة بـ “مليون جنيه” مش 250 ألف بس! (هناء بمساعدة محامي شاطر قدرت تثبت بالمستندات إن سامح استغل صفته ونصب على العيلة في أضعاف المبلغ بحجة التجارة الوهمية). سامح اتجنن واتصـ,ـدم وهو متلبس، وعمال يزعق:
ـ مليون إيه وبلاغ إيه؟ أنا جوز هناء.. أبو مراتي مكنش هيعملها!
الظابط رد ببرود:
ـ أبو مرتك لأ.. بس مراتك هي اللي بنفسها مقدمة البلاغ ومعاها التوكيلات وورق الشركة اللي أنت كاتبها باسم ريهام أخت مرات أخوك!
الخبر زي الصاعقة نزل على بيت الحاجة صفية وغادة وريهام.. سامح اتقبض عليه واتحبس على ذمة التحقيقات، والمحل اتشمم بالجبر والقهر، وريهام أول ما سمعت إن الفلوس اتحفظت على ذمة القضايا وبقت في خطر، هربت وسابت سامح في مصيبته، وقالت لأختها غادة بإنانيّة: “أنا مالي ومال راجل فاشل هيدخل المحاكم!” في نفس الوقت، كان فرح “دنيا” أخت هناء قايم ومكسر الدنيا، والحاج جابر واقف في قمة فخرة وسعادته، وبنته هناء واقفة جنبه بفستان سهرة فخم، وشياكة طاغية، وبابتسامة نصر هزت الكل.
الحاجة صفية دخلت القاعة بكسرة وعيونها في الأرض، وبصت لهناء وهي مش مصدقة إن الغلبانة الطيبة عرفت تكسر عين الكل وترجع حق أبوها وحقها في رمشة عين. قربت هناء من صفية وقالت بصوت واطي وهادي وهي بتبتسم بثقة:
ـ الباب فعلاً يفوت جمل يا حاجة صفية.. بس الجمل النهاردة هو اللي داس على الكل!