كل يوم جمعة، الشيخ كان بيخ.تفي من البيت لمدة 3 ساعات بالظبط، ويقفل موبايله، وكمان كان بيمنع الحراسة بتاعته إنها تمشي وراه. مراته كانت متأكدة إن جوزها متجوز عليها أو في واحدة تانية في حياته، لحد ما في يوم قررت تتنكر في هيئة السواق بتاعه وتروح معاه بنفسها… لكن عمرها ما كانت تتخيل إن اللي هتكتشفه عن جوزها هيكون سر مرعب بالشكل ده! ليلى كانت متجوزة الشيخ كريم بقالها 7 سنين.
ومن برّه، كانت حياتهم باينة إنها مثالية بكل معنى الكلمة. بيت ضخم، سفر كتير، وحياة مرفهة، وحتى خناقاتهم كانت نادرة جدًا. لكن من كام شهر، ليلى بدأت تلاحظ حاجة غريبة في تصرفات جوزها. كل يوم جمعة، وفي نفس المعاد تقريبًا، كريم كان بيخرج من البيت ومايرجعش غير بعد 3 ساعات بالظبط. مع إن الحراسة بتاعته كانت بترافقه في كل مكان تقريبًا، إلا إن في المشاوير دي تحديدًا، كان بياخد معاه السواق الشخصي بس.
وقبل ما يخرج، كان دايمًا بيقفل موبايله. في الأول، ليلى ما اهتمتش أوي. لكن مع تكرار الموضوع، بدأت تحس إن في حاجة مش طبيعية بتحصل. وفي يوم سألته: — إنت رايح فين تاني؟ رد عليها بهدوء: — عندي اجتماع مهم. قالت له: — طب ما آخدني معاك، أنا أصلًا معنديش حاجة أعملها. أول ما سمع كلامها، ملامح كريم اتغيرت. وقال لها بحزم: — لأ يا ليلى، ده اجتماع شغل. مفيش أي داعي إنك تيجي معايا.
ليلى ماجادلتوش، لكن من اللحظة دي بالذات، بدأت الشكوك تدخل دماغها. وبقت تسأل نفسها: “هو بيخبي عني إيه؟” الجمعة اللي بعدها، حصل نفس الموضوع. كريم خرج الساعة 2 الضهر، ورجع بعد 3 ساعات بالظبط. ساعتها ليلى قررت تعرف الحقيقة بنفسها. استنت السواق، أمير، على جنب، وعرضت عليه مبلغ كبير من الفلوس. وقالت له: — أنا عايزة أعرف بس بتروحوا فين كل يوم جمعة. أمير رفض فورًا. — آسف يا مدام، بس مقدرش أقول لحضرتك.
— أنا مرات صاحب الشغل! — عارف يا مدام… بس الأستاذ كريم بنفسه أمرني إني ماقولش لأي حد أي حاجة عن المشاوير دي. ساعتها ليلى بدأت تتأكد أكتر إن في حاجة خطيرة بتحصل. على مدار أسبوعين، حاولت تعرف الحقيقة بنفسها، لكن كل محاولاتها فشلت. لحد ما، ومن غير ما تتوقع، جالها الحظ. في صباح يوم جمعة، أمير اتصل وقال إنه تعبان ومش هيقدر ييجي الشغل. كريم طلب منهم يلاقوا سواق بديل.
وأول ما ليلى سمعت الكلام، خطرت في دماغها فكرة مجنونة! راحت جابتملابس السواق القديمة التي تركها أمير في غرفة الخدم صدفة قبل أسابيع، ولبستها بسرعة، ووضعت قبعة الصيد فوق شعرها، ونظارات شمسية سوداء ضخمة تخفي وجهها تماماً، ودهنت وجهها برفق ببعض ألوان المكياج لتبدو بلحية خفيفة وشحوب يعيق أي تدقيق من بعيد، خاصة أن كريم غالباً ما كان يركب في المقعد الخلفي وينغمس في أوراقه ولا يلقي بالاً لوجهه السواق، أو هكذا كانت تتمنى.
في تمام الساعة الثانية ظهراً، وقفت ليلى بقلب يدق بجنون خلف مقود سيارة “المرسيدس” الفاخرة الخاصة بجوزها. البداية المرعبة والانطلاق نحو المجهول فتح كريم باب القصر، وخطا بخطواته الثقيلة المعتادة، وركب في المقعد الخلفي دون أن ينطق بكلمة واحدة، واكتفى بالقول بصوت جاد وحازم: — اتحرك يا أمير، على المكان القديم. بلعت ليلى ريقها بصعوبة بالغة، وهزت رأسها ببطء محاولة تقليد صوت أمير وسكوته الدائم، وقالت بخشونة مصطنعة: — حاضر يا باشا.
انطلقت السيارة خارج بوابات القלصر الفارهة. في البداية، سارت ليلى في الشوارع الرئيسية، وكان قلبها يكاد ينخلع من مكانه خوفاً من أن يكتشف أمرها في أي لحظة. لكن ما إن تجاوزوا شوارع المدينة المأهولة، حتى بدأ كريم يوجهها ببرود: — ادخل من الشارع الجانبي، اللي بعد المصنع المهجور. طاعت ليلى الأوامر، ودخلت في طريق ترابي وعر تكثر فيه الحفر والشجيرات الميتة. كلما ابتعدوا عن العمران، كلما زاد شعورها بالقبضة في صدرها. أين يمكن أن يكون هذا الاجتماع المهم؟ لا فلل، لا شركات، لا تجمعات سكنية… مجرد صحراء جرداء تحيط بها تلال صخرية داكنة موحشة.
نهاية الطريق والسر المظلم بعد مسيرة استمرت لأكثر من نصف ساعة في طرق فرعية، أمرها كريم بالتوقف أمام سور حديدي ضخم وعالي، يحيط بمجمع قديم يشبه المصانع الحربية المهجورة أو المعتقلات القديمة، لا يظهر منه سوى مبنى خرساني ضخم ومظلم بلا نوافذ واضحة، تحيط به أسلاك شائكة مرعبة. نزل كريم من السيارة بسرعة، وقال وهو يغلق الباب بحذر: — استناني هنا بالظبط، ومتحركش العربية، ولا تنزل تحت أي ظرف.. وماتنساش، اقفل موبايلك.
لم يمنحها فرصة للرد، وابتعد بخطوات سريعة نحو بوابة حديدية صغيرة جانبية فتحها ببطء بمفتاح ضخم، ثم اختفى داخل المبنى المظلم وأغلق الباب وراءه بقفل حديدي كبير. ظلت ليلى وحدها في السيارة، الصمت يطبق على المكان كأنه قبر. المو.ت الخا.نق والغموض جعلا فضولها القاتل يتغلب على خوفها. فتحت باب السيارة بهدوء شديد، وتسللت على أطراف أصابعها نحو السور الخارجي. مفاجأة خلف الجدران الخرسانية بحذر شديد، اقتربت ليلى من نافذة عالية وحديدية في مؤخرة المبنى، ورفعت نفسها على أطراف أصابعها لتسترق النظر عبر الزجاج الغائم المغبر.
ما رأتْه جعل الدم يجري عائداً في عروقها وتسمرت في مكانها غير مصدقة عينيها: لم يكن هناك أي “اجتماع عمل” أو “شركة سرية”.. كان المبنى عبارة عن سجن سري ضخم ومخيف! وفي وسط قاعة واسعة ومظلمة، كانت هناك أقفاص حديدية ضخمة صدئة. وما زاد رعبها جنوناً.. هو رؤية أشخاص مكبلين بالقيود داخل تلك الأقفاص، ملامحهم شاحبة للغاية، وثيابهم ممزقة، ويبدو عليهم الإرهاق الشديد وكأنهم محتجزون منذ أسابيع أو شهور!
والأدهى من ذلك كله.. كان زوجها “كريم”، الرجل الهادئ الطيب الذي تعيش معه، يقف وسط القاعة، ويده تمسك بـسوط جلدي غليظ، ويأمر بصوت مرعب ومخيف رجلين ضخمي البنية بارتداء ملابس سوداء لإخفاء ملامحهم، بتعذيب أحد المحتجزين بوحشية بالغة! السقوط في الهاوية سمعت ليلى صوت زوجها وهو يقول بنبرة جليدية لم ترها فيه طوال سنين زواجهما: — اتكلم.. الفلوس اللي سرقتها من حساباتي السرية فين؟ لو ما نطقتش دلوقتي، الساعات دي هتبقى آخر ساعات في عمرك!
ارتجفت ليلى رعباً، وسقطت عصا صيد السمك التي كانت تحملها على الأرض بصوت خفيف، لكن صداه ترددت أصواته في سكون المكان المرعب! توقف كريم عن الكلام، ورفع رأسه فجأة نحو النافذة التي تختبئ خلفها ليلى، وعيناه اشتعلتا بشرود وغضب أعمى وهو يصرخ بصوت رعب الحاضرين: — مين هناك؟! كيف ستنجو ليلى من هذا الفخ المرعب بعد أن كشفت الوجه الحقيقي لزوجها السجان؟ هل سيراها كريم، وما هي عواقب هذا السر المظلم؟