تاني يوم، النكد كبر تحت في الدور الأول. سمعت صوت شيماء وهي بتزعق في التليفون مع سامح (أو سامعاني وأنا نازلة أجيب عيش)، وكانت بتقول له بصوت عالي متعمد: “يا أخويا مراتك ولا كأنها فارقة معاها! دي عايشة حياتها ولا كأنك مسافر تتغرب عشانها، وباتت بره أو قافلة تليفونها!” طبعاً شيماء كانت بتجس نبض عشان تعمل مني شيطان رجيم. بس أنا نزلت بثبات عجيب، دخلت على حماتي في الصالة وأنا متبسمة وبكل برود أعصاب قلت لها:
-
“صباح الخير يا أم سامح.. معلش امبارح نمت بدري أصل الضغط كان واطي، وسامح فضل يرن ورايا كتير، بس قلت أرتاح عشان مأزعجوش في شغله.” حماتي بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بابتسامة صفراء: “أه.. ما هو سامح اتصل بيا وقال لي إنك مكنتيش بتردي.. ربنا يهدي الحال.”
التكات اللي عملناها جابت نتيجة أسرع ما كنت أتخيل. بعد تلات أيام بس من التجاهل والبرود المحسوب، جه اتصال فيديو كول من سامح. فتحت وأنا قاعدة بكل هدوء ولابسة فستان شيك ومروقة البيت. سامح بص في الكاميرا بلهفة وعينيه فيها عتاب، وقال بصوت مليان اشتياق وخوف:
-
“إنتي جرالك إيه يا سمر؟ إيه الغياب ده كله؟ وأهلي بيقولوا إنك… وإنك مش مهتمية!”
هنا بقى كانت لحظة الحسم.. بصيت له بنظرة حزن مكسور، ودمعتين نزلوا في وقتهم الصح (عشان الفن بقى)، وقلت له بصوت خافت:
-
“أهتم؟ هو أنا ليا غيرك يا سامح؟ بس… بس غصب عني. أصل اللي بيسمعه الواحدة وهي قاعدة في بيت عيله بيخلي روحها تطلع. مش هقولك غير إنك لما تنزل الإجازة وتبقوا قاعدين مع بعض، اسألني براحتك.. أنا مش عايزة أشتكي من حد، ربنا يعلم أنا صابرة عشان بحبك قد إيه، بس كفاية لحد هنا.”
قفلت السكة بهدوء قبل ما يسألني تفاصيل أكتر! سامح ائتجنن! الواد اتجنن تماماً.. الجملة بتاعتي “لما تنزل اسألني” مع جو الشك اللي أهله زرعوه، خلت عقله يتلخبط تماماً. مبقاش عارف أهله بيكدبوا عليه ولا إيه النظام، وبدأ يشك في كل كلمة بتقولها أمه وأخته.
تاني يوم الصبح بدري، واحنا قاعدين.. سمعنا صوت جرس الدور الأول بيرن بعنف، وصوت شنطة بتتفتح، وصوت خطوات سريعة على السلم.. يا ترى مين اللي جه مفاجأة من فرنسا من غير ما يقول لحد؟ وسامح هيعمل إيه أول ما يدخل ويلاقي أهله في وش بيطاردوا خطتهم؟ الخطوات اللي على السلم كانت سريعة، وواضح إن صاحبها طالع وعصابه فايتة آخرها. قلبي بدأ يدق بجنون، وجريت بصيت من الباب المرأب بتاعة الشقة.
يا نهار أبيض! ده سامح! سامح بنفسه قدام باب شقة أهله في الدور الأول، وماسك شنطته بإيد، والتليفون بالإيد التانية! نزل عليّ الخبر زي الصاعقة.. هو نزل إزاي؟ وفاجأة كده من غير ما يقول حد؟ معقولة كلمتي البسيطة على الفيديو كول والدموع اللي نزلت في وقتها خلت الهواجس تاكل دماغه لدرجة أنه ساب شغله وحجز أول طيارة ونزل يكشف المستور؟ سمعت صوت حماتي وهي بتفتح الباب، وفجأة صرخت بصوت عالي من الخضة:
-
“سامح؟! إنت… إنت جيت إمتى يا ابن بطني؟ مفاجأة إيه دي؟!”
سامح ما ردش عليها التحية، ولا حتى دخل سلم عليها زي العادة. صوته طلع ناشف وحاد لدرجة إنه جاب آخر البيت، وسمعته كويس وهو بيقول لها:
-
“سيبك من المفاجأة يا أما.. وعينك في عيني كده.. هو إيه اللى بيحصل هنا? وإيه الكلام اللى كنتوا بتسمعوهولي فى التليفون على مراتى ليل نهار؟ وليه شيماء كانت بتقول لكل الناس وأم عبير إنها مطلقة قبل ما أصلًا أنزل؟!”
حماتي وشيماء اتفاجئوا بالخبطة اللي جت على دماغتهم من غير ما تحسب لها حساب. بقوا يبصوا لبعض ووشهم جاب ألوان، وحماتي بلعت ريقها وبدأت ترتجف وتترعش وتتكلّم بصوت مهزوز:
-
“إنت… إنت بتقول إيه يا سامح؟ مين دي اللي بتتبلى علينا؟ دي سمر الحرباية هي اللي…”
قاطعها سامح بصوت زعق فيه لدرجة هز الحوائط:
-
“مفيش حد حرباية غيركم! أنا سكت كتير وكنت بقول أهلي وبيخافوا مصلحتي، بس لما توصل إنكم تلعبوا في بيتي ومراتي من ورايا عشان تجوزوني بنت خالتي، يبقا قسماً بالله ما هرحم حد فيكم!”
أنا كنت واقفة فوق سامعة كل كلمة، ودموع الفرحة نزلت من عيني مش حزن، لأ.. دي دموع الانتصار. الخطة جابت نتيجة أسرع وأقوى مما كنت أتخيل!
سامح سابهم وهما مذهولين مش عارفين ينطقوا بكلمة، ولقيت خطواته بتطلع على السلم ناحية الدور التالت بسرعة. جريت على المراية صلحت طرحتي بسرعة، وقفت ورا الباب بستناه. دوبك ثواني.. ولقيت باب شقتي بيتفتح بعنف. دخل سامح وعيونه حمرا من التعب والسفر والغضب، وبمجرد ما شافني، جري عليّ وحض.نني جامد كأنه كان تايه ولاقى أمانه! مسك وشي بين إيديه وقال بصوت مكسور:
-
“حقك عليا يا سمر.. سامحيني.. كنت غبي وسمعت كلامهم وكنت فاكرهم بيحبوني، بس شفت بعيني وسمعت بوداني وهما بيدبروا لكل ده عشان يخربوا بيتنا.. سامحيني يا حبيبتي، أنا عرفت قيمتك بجد.”
ابتسمت له بهدوء، ومسحت دموعه بإيدي وقلت له:
-
“حمد لله على سلامتك يا سامح.. البيت نور، وكل حاجة تهون عشانك، المهم إنك فتحت عينك ورجعت لصوابك.”
من اليوم ده، بيت العيلة اتقلب فوقاني تحتاني. سامح خد موقف قاطع من أمه وأخته، وعرفهم إن مراته خط أحمر، وإن اللي يلعب في بيته ملوش مكان عنده. وبعدها بفترة قصيرة، أخدني ونزلنا قعدنا مع بعض فترة إجازته كلها برا البيت خالص، لحد ما رجعنا فرنسا أنا وهو، وبقينا لوحدنا ملكين لمملكتنا بعيد عن السم والشر والكدب اللي كان محاط بينا من كل ناحية!