مرت الشهور، وهدى بدأت تنعزل تدريجياً داخل البيت. أصبحت هادئة تماماً، مبتعاتبش ومبتطلبش حاجة شخصية. لو جيت بتلاقي كل الترتيبات جاهزة والولاد نايمين، ولو خرجت بتودعني بهدوء من غير ما تسأل عن وجهتي أو وقت رجوعي. كنت مطمئن تماماً لوجودها ومقتنع إنها مستسلمة للواقع. لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند أقاربنا، والموقف اللي حصل يومها غيّر مجرى كل شيء.
كنا مجتمعين وسط العائلة، ومروة بتتكلم باعتزاز عن نجاحها في العمل ومقتنياتها الثمينة الجديدة، وسط اهتمام الحاضرين. وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها اضطرت تيجي لأن ابننا الصغير تعب فجأة وارتفعت حرارته جداً، ومكنتش عارفة توصلي لأن هاتفي كان في وضع الصامت. دخلت هدى بملابسها البسيطة وملامحها المرهقة من القلق والسهر على الطفل. مروة أول ما شافتها، سكتت وظهر على وجهها الاستياء والتعالي لأن وجودها أثر على الأجواء. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبنبرة عتاب حادة وغاضبة، أخذت هدى على جنب وقالت لها: “إيه اللي جابك هنا بالشكل ده؟ كان المفروض تفضلي تتصلي بدل ما تحرجينا قدام الناس!”.
أنا وقفت، وبدل ما أهتم بمراتي وبابني المريض وأتحرك بسرعة لعلاجه، بصيت لهدى بضيق ولوم وقلت لها: “مش عارفة تتصرفي بهدوء؟ جاية تقطعي مناسبتنا؟ ارجعي الشقة فوراً واستنيني هناك ولما أرجع هنتكلم في التصرف ده”. هدى بصت لي نظرة عمري ما هنساها. مكنتش نظرة ضعف ولا حيرة زي قبل كده. كانت نظرة إنسانة أدركت الحقيقة كاملة ومبقاش فارق معاها أي شيء من اللي حواليها. بصت لصفاء ولمروة وللحضور بنظرة استغناء تام وانسحبت في هدوء.
انسحبت هدى من الصالة وهي شايسة ابننا على كتفها، بخطوات هادية وثابتة خلت كل اللي في القاعة يسكتوا فجأة. صوت كعب جزمتها البسيطة على الرخام كان بيتردد في ودني كأنه دقات ساعة بتعلن نهاية مرحلة. صفاء أختي حاولت تلطف الجو بضحكة صفرا وقالت للضيوف: “معلش يا جماعة، أصلها بتتوتر بسرعة ومبتعرفش تتصرف في المواقف البسيطة”، ومروة رفعت كتافها بلا مبالاة ورجعت تكمل كلامها عن البراندات والمشاريع. أنا قعدت، بس مكنتش مرتاح.. في حاجة اتهزت جوايا، النظرة اللي هدى بصتهالي مكنتش نظرة واحدة مكسورة، كانت نظرة حد “رمى حمول الدنيا كلها ورا ضهره”.
سيبت العزومة بدري على غير العادة وروحت على شقة هدى عشان أفرغ غضبي وأثبتلها إني صاحب القرار. فتحت الباب بالمفتاح، كنت مجهز كلام قاسي وناوي أوريها إن تصرفها ده كان إحراج ليا. ناديت: “هدى!”.. ومفيش رد. دخلت الصالة، كانت مترتبة بطريقة غريبة، كل حاجة في مكانها بدقة مبالغ فيها، والبيت هادي سكونه يخوف.
دخلت أوضة الأطفال، لقيت السراير مترتبة وملاياتها مشدودة، ودواليب الأولاد مفتوحة على مصراعيها.. وفاضية تماماً، مفيش فيها ولا قطعة هدوم واحدة. جريت على أوضة النوم، فتحت دولاب هدى.. مكنش فيه غير العباية القديمة اللي صفاء كانت بتعايرها بيها، محطوطة على شماعة في النص، وفوق الكومودينو كان محطوط مفتاح الشقة، ومعاه ورقة مطبقة بانتظام، وجنبهم علبة قطيفة صغيرة فيها دبلتي وخاتم جوازنا.
فتحت الورقة بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بسطرين اتنين بخط واضح وثابت: “أنا مكنتش محتاجة منك غير السند اللي يطمني، وإنت كنت أول واحد بيك.سرني عشان يرضي كبرياؤه. البيت ده بتاعك بكل عزه اللي عايرتني بيه، والأولاد معايا.. ودلوقتي هتشوف مين فينا اللي كان مقوم التاني.” في اللحظة دي اتعصبت، رفعت التليفون واتصلت بيها.. مغلق. اتصلت بأخوها البسيط اللي كنت بتعالى عليه، رد عليا ببرود غير معتاد: “هدى وأولادها في مكان آمن يا بشمهندس، والورقة هتوصلك من المحامي رسمي.. متتعبش نفسك وتيجي هنا عشان هي مش عندي”.
قفلت السكة وأنا بستشيط غضب، كلمت صفاء أختي وحكيتلها وأنا بزعق، صفاء ضحكت وقالتلي ببرود: “سيبها تتربى يا كريم! دي حركات ستات عشان تلوي دراعك وتطلب مصروف أكبر.. هتروح فين بالعيال؟ يومين وتلاتة وتلاقيها بتبوس إيدك عشان ترجع تاكل في شقتك الكبيرة”. صدقت كلام صفاء، وقررت أطنش ومسألش، وقولت لنفسي: “أنا عندي مروة، شريكة حياتي اللي تشرف”. نقلت كل حاجتي وعيشتي لشقة مروة بشكل كامل. وأول أسبوع عدى، بدأت الحقايق تبان من غير رتوش.
اكتشفت إن مروة مش زي ما كنت متخيل في البيت.. مروة بتصحى متأخر، بتطلب أكل ديليفري جاهز تلات مرات في اليوم، الهدوم بتتراكم في الغسالة بالأيام ومفيش زرار بيتقطع إلا وبيترمي القميص كله، ولو طلبت منها كوباية شاي كانت تقولي بحدة: “أنا مهندسة وبشتغل وبتعب زيك وبدفع نص إيجار الشقة، مش شغالة عندك عشان أخدمك، جيب واحدة تساعدنا”. المرتب اللي كنت فاكر إنه هيعمل معايا وفر، لقيته بيتشفط في خروجات الساحل، وسفريات، ومجاملات، وهدايا لأهلها عشان البرستيج، لدرجة إني بدأت استلف وأسحب من مدخراتي اللي كنت محوشها السنين اللي فاتت عشان أواكب طلباتها اللي مبتخلصش.
مرت ٦ شهور، والبيت مع مروة اتحول لساحة خناق يومي على مين يدفع إيه، ومين يغسل الأطباق، ومين مسؤوليته البيت. وفوق كل ده، بدأت أقارن غصب عني بين ريحة الأكل الدافي اللي كانت هدى بتستقبلني بيه بعد يوم شقا طويل، وبين البيت البارد اللي بدخله دلوقتي وألاقي مراتي حاطة الهيدفون وبتكلم زمايلها في الشغل ومش معبراني. لحد ما جه اليوم اللي هدم كل حاجة.
كنت ماسك إدارة مشروع هندسي كبير في شركتي، وكنت محتاج أتعاقد مع شركة توريدات وديكورات لتجهيز مبنى إداري ضخم. المدير التنفيذي جمعنا وقالي: “يا كريم، إحنا وقعنا عقد مبدئي مع شركة جديدة ماسكاها رائدة أعمال شابة، عملت ضجة في السوق في شهور قليلة بتصميماتها وأسعارها الممتازة، والمفروض نقابلها بكرة عشان نوقع العقود النهائية”. تاني يوم، دخلت قاعة الاجتماعات الكبيرة في الشركة، كنت لابس أشيك بدلة عندي عشان أثبت وجودي كمدير للمشروع، والمدير دخل ومعاه سيدة أنيقة جداً.. لابسة بدلة رسمية راقية وشيك، ورافعة راسها بثقة تامة ووراها اتنين محامين وسكرتيرة.
أول ما بصيت في وشها، الدم جمد في عروقي، والقلم اللي في إيدي وقع على الترابيزة. “هدى؟!” نطقت الاسم من غير ما أحس، بصوت طالع من قاع حلقي. هدى بصتلي بابتسامة هادية وباردة جداً، ولا كأنها تعرفني، مدت إيدها للكل وسلمت عليا ببرود رسمي وقالت: “أهلاً بحضرتك يا بشمهندس كريم، يشرفني التعامل مع شركتكم”. أنا كنت قاعد في الاجتماع عقلي شغال زي الإعصار.. هدى؟ هدى اللي دبلوم؟ هدى اللي ملهاش لازمة وكنت بعايرها إنها هتضيع من غيري؟ طلعت إزاي هنا؟ وبقت مين؟
بعد ما الاجتماع خلص والمدير شكر فيها بحرارة ومضى العقد، استنيت لما الكل خرج ووقفت قدامها وقافل الباب، قولت بصوت بيترجف: “هدى.. إيه اللي بيحصل ده؟ إنتِ إزاي هنا؟ ومنين؟ وفين ولادي؟”
هدى قفلت ملفها بهدوء تام، وبصتلي في عيني، ولأول مرة أشوف فيها الهدوء اللي مفيش وراه أي خوف، وقالتلي: “عايز تعرف إزاي يا كريم؟ طول السنين اللي كنت إنت وأختك صفاء بتعايروني فيها بالدبلوم وبتقعدوا تتباهوا بشهاداتكم، أنا مكنتش قاعدة باكل وأشرب بس.. أنا كنت بدرس إدارة أعمال وتصميم داخلي أونلاين من وراك، كنت بسهر لما تنام وأذاكر عشان أثبت لنفسي مش ليك إني أقدر. دهبي البسيط اللي كنت مستهون بيه، بعته من وراك وعملت بيه ورشة صغيرة مع ابن عمي اللي شغال في المقاولات..
طول سنين جوازنا وأنا بحوش من تعبي وببني نفسي طوبة طوبة، لأنك من أول يوم حسستني إني في أي لحظة هترمي في الشارع، فكان لازم أبني السقف اللي هيحميني أنا وعيالي”. بلعت ريقي بصعوبة وسألتها: “ليه مقولتليش؟ ليه خبيتي؟” ابتسمت بسخرية: “أقول لمين؟ للراجل اللي كان بيفرح لما أخته تذلني؟ أقول للراجل اللي لما قولتله ابني سخن وبيمو.ت زعقلي وقالي ‘قطعتي لمتنا’؟ إنت مكنتش شايف فيا غير جارية تطبخلك وتخدمك ببلاش وتفرد عضلاتك عليها.. إنت كنت بتدور على واجهة، وأنا كنت بدور على راجل وأمان، ولما ملقيتوش، بقيت أنا الأمان لنفسي ولعيالي”.
خرجت هدى وسابتني في القاعة مش قادر أقف على رجلي.
المصيبة مكنتش هنا وبس.. في نفس اليوم بالليل، روحت البيت لقيت خناقة كبيرة بين مروة وصفاء أختي. صفاء كانت جاية تشتكي إن مروة مش بتحترمها وكلمتها بأسلوب وحش لما صفاء طلبت منها خدمة في شغلها. مروة وقفت في نص الصالة وصرخت في وش صفاء وقدامي: “إنتِ فاكرة نفسك مين يا صفاء؟ إنتِ جاية تتأمري عليا في بيتي؟ أنا مش زي الغلبانة هدى اللي كنتوا دايسين عليها بالجزمة وساكتة، أنا أصرف على عيلتكم كلها بشغلي! وإنت يا كريم.. أنا مش طايقة العيشة البخيلة دي، ولا هفضل متحملة ديونك اللي مش بتخلص، البيت ده مش شغال، وكل واحد يروح لحاله!”.
مروة طلبت الطلا.ق في نفس الليلة وسابت البيت، ورفعت قضايا بمؤ.خرها ونفقتها كاملة.. صفاء قعدت تعيط وتقولي: “الحقني يا كريم.. طلقها، وهات هدى ترجع تلم البيت والعيال، دي طلعت هدى هي اللي شايلة ومستحملة!”. بصيت لصفاء بوجع وندم عمره ما هيمو.ت، وقولت بصوت مك.سور: “هدى مكنتش محتاجة تتربى يا صفاء.. هدى كانت نعمة من ربنا وإحنا اللي كنا عميان بغرورنا الكداب. هدى بقت في مكان إنتِ نفسك متحلميش توصليله، ومبقاش عندها وقت حتى تبص ورائها”.
خسرت هدى، وخسرت ولادي اللي كبروا وشافوا أمهم بطلة ناجحة وأبوهم راجل اتخلى عنهم في أضعف لحظاتهم. هدى كملت وبنت إمبراطوريتها بنجاح وشياكة، وأنا بقيت عايش بين شقة فاضية وديون ملهاش آخر.. وعرفت متأخر جداً، إن القيمة الحقيقية مش في الشهادة اللي متعلقة على الحيطة ولا في البرستيج الكداب، القيمة في الأصل، والمعدن، والقلب اللي يصونك وإنت بتبنيه مش وإنت بتهده.