روايات

 الليلة اللي صاحبتي أصرت فيها تاخد أوضة ولادة VIP في أغلى مستشفى

“يعني قلبها بيقف، إحنا فتحنا قيصري طوارئ عشان ننقذ الجنين قبل ما الأكسجين يتقطع عنه تماماً.. بس المشكلة دلوقتي مش هنا.” قرب مني ومدلي إقرار: “النزيف مش راضي يقف، وعضلة القلب مش مستجيبة للصدمات الكهربائية بكفاءة. عندنا دقيقة واحدة ناخد فيها قرار.. نضحي بالأم عشان نلحق نطلع الجنين سليم، ولا نوقف النزيف بكل الطرق حتى لو ده كلفنا حياة الطفل؟ ومفيش ضمان إنها تعيش برضه.”

الدنيا لفت بيا. شريط تلات سنين جواز عدى في ثانية واحدة. ندى وهي بتبكي في حضني بعد كل تحليل حمل سلبي.. ندى وهي بتستحمل نظرات أمي القـ,ـاتلة في كل عزومة عيلة.. ندى في الليلة الأخيرة لما طلبت الطلاق وهي بتقولي: “سليم، إنت من حقك تكون أب.. وأنا مش هقدر أديك ده.. سيبني أمشي قبل ما نكره بعض.” وفوق كل ده.. ليلة الوداع اللي نسينا فيها كل وجعنا.

مسكت الدكتور من ياقة البالطو الأبيض، وقربت وشي منه وصوتي كان بيهمس بفحيح قـ,ـاتل: “الولد يخرج سليم.. وندى تخرج عايشة. لو حد فيهم حصله حاجة، المستشفى دي بكل اللي فيها هيتحولوا لرماد قبل الفجر. فاهم؟” الدكتور بلع ريقه برعب، وهز راسه وسحب الإقرار من إيدي وجري على العمليات. مرت ساعتين. أطول ساعتين في تلاتين سنة عشتهم على الأرض. كنت قاعد على الأرض في الممر، ضهري مسنود على الحيطة الساقعة، رافض أقعد على أي كرسي. حسام كان واقف بعيد مأمن المكان، ويارا كانت اختفت بعد ما فهمت إن اللعبة أكبر منها بكتير.

وفجأة.. السكون اتقطع بصوت بكاء ضعيف. صوت بكاء طفل. اتنفضت من مكاني ووقفت على رجلي في ثانية. الباب اتفتح، وخرجت ممرضة شايلة لفة خضراء صغيرة، وشها كان مجهد بس ابتسمت بتعب أول ما شافتني: “مبروك يا أستاذ سليم.. ولد زي القمر. بس لازم يدخل الحضانة فوراً عشان نتأكد من وظايف الرئة.” قربت خطوة، إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها ألمس خده الصغير.. كان دافي، ملامحه كانت نسخة مصغرة مني، نفس شكل العينين ونفس علامة صغيرة فوق حاجبه. دمعة واحدة نزلت من عيني غصب عني، ومسحتها بسرعة قبل ما حد يشوفها. “وأمه؟” سألت بصوت مخنوق.

ابتسامة الممرضة اختفت، ونكست راسها: “النبض رجع ضعيف جداً.. نقلوها العناية المركزة الفائقة، الـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا إذا كانت هتفوق من الغيبوبة ولا لأ.” دخلت العناية بعد ما لبست العازل الطبي. الأجهزة كانت بتصفر برتم بطيء ومنتظم، خراطيم وأسلاك مالية جسمها النحيف. وشها اللي كان دايمًا مليان حيوية وضحك، كان شاحب كأنه تمثال من شمع. قعدت على الكرسي جنب سريرها، ومسكت إيدها الباردة بين كفوفي، وبدأت أدفيها بأنفاسي. “ليه يا ندى؟” همست وأنا بضغط على صوابعها، “ليه خبيتي عليا؟ كنتي فاكرة إني مش هقف في ضهرك؟ كنتي فاكرة إني هسيبك تمـ,ـوتي لوحدك؟”

حسام خبط على الباب خبطة خفيفة، دخل ووقف على بعد مسافة، وفي إيده شنطة جلد صغيرة: “باشا.. الشنطة دي كانت معاها في الإسعاف. الممرضات سلموهالي مع متعلقاتها الشخصية.” أخدت الشنطة وفتحتها. كان فيها بطاقتها، وشوية مسكنات.. ونوتة صغيرة بغلاف أسود. فتحت النوتة بإيدين بتترعش، والصفحات كانت مكتوبة بخط إيدها الهادي، بس الحروف الأخيرة كانت مهزوزة من التعب والوجع. قلبت الصفحات لحد ما وصلت لآخر صفحة.. كان مكتوب بتاريخ من تلات أيام بس:

“سليم.. لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة، وابنك جه للدنيا. عارفة إنك هتبقى مصدوم، وغضبان، وهتسأل ألف سؤال.. بس الحقيقة أبسط وأقسى بكتير من اللي تتخيله. أنا مكنتش عقيمة يا سليم. التحاليل اللي كانت بتطلع سلبية طول سنين جوازنا مكانتش بتاعتي.. مامتك كانت بتبدل التحاليل بالاتفاق مع دكتورتي، وكانت بتديني أدوية توقف التبويض في العصير اللي كانت بتصر أشربه كل ما نزورها، عشان مكنتش شيفاني من نفس مستواكم، وكانت عايزة تجوزك يارا بنت شريكك في البورصة.

عرفت السر ده بالصدفة في نفس الأسبوع اللي قررت أطلب منك الطلاق فيه، لما لقيت الروشتات والتحاليل الأصلية في خزنة والدتك. ولما حملت منك في ليلتنا الأخيرة.. الدكتور قالي إن قلبي مش هيستحمل الحمل بعد السموم والأدوية اللي كنت باخدها لسنين. خيروني بين حياتي وبين الجنين.. وأنا اخترت حتة منك تعيش، حتى لو كان التمن إني أمـ,ـوت. متظلمش ابنك يا سليم.. احميه منهم.. احميه من أهلك.”

الكلام اتشوش قدام عيني من كتر الغضب. الورقة اتكرمشت في قبضتي لحد ما صوابعي ابيضّت، ونار جهنم ولعت جوايا. كل السنين اللي شفت فيها ندى بتمـ,ـوت بالبطيء وبتبكي عند رجلي وبتحس بالنقص.. كل الليالي اللي قضيتها أهدي فيها وأقولها “مش مهم العيال المهم إنتي”.. كانت مؤامرة رخيصة من أقرب الناس ليا. صوت صفارة جهاز القلب في العناية علي فجأة وبدأ يعلن عن تسارع في النبض. بصيت لندى.. صوابعها اتحركت حركة خفيفة ولمست كفي. جفونها اتهزت ببطء، وفتحت عينيها بتعب شديد، بصتلي للحظة ودمعة نزلت على خدها، وهمست بصوت شبه مسموع: “سليم… الولد… عايش؟”

ميلت عليها، بوست راسها وضغطت على إيدها بقوة خلتها تحس بوجودي: “ابننا عايش يا ندى.. وهتربيه معايا. ومفيش مخلوق على وش الأرض هيلمس شعرة منك تاني.” وقفت وبصيت لحسام اللي كان واقف عينه على الأرض ومستني أوامري. صوتي رجع أبرد وأقسى من الحديد: “حسام.” “تحت أمرك يا باشا.” “اقفل المستشفى دي بحراسة كاملة.. مفيش دبانة تدخل ولا تخرج إلا بعلمي. والبيت الكبير.. تجمّد كل حسابات الوالدة البنكية فوراً وتسحب كل الحراسة من هناك. الحساب هيبدأ الليلة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى