فبقيت أرمي لها مصاريف البيت والعيال بنشفان ريق، وكل ما تطلب مصاريف زيادة عشان طلبات الولاد اللي بتكبر، كنت بزعق وأقولها: “أنا مش ملاحق على مصاريف الشقتين! لمي إيدك شوية، أنتِ قاعدة في البيت مبتعمليش حاجة ومبتصرفيش على لبس وخروج زي غيرك”.
كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي السكينة، تبلع غصتها وتسكت وهي باصة في الأرض. الإهمال مكنش بس في الفلوس، ده كان في وجودي نفسه. بقيت لما أروح عندها، أقعد باصص في تليفوني، بكلم مروة أو بتابع شغلي، ولو هدى حاولت تفتح معايا أي موضوع يخص البيت أو العيال، كنت بصدها ببرود:
“مش فاضي دلوقتي يا هدى، دماغي مش قايدة”.
أختي صفاء كانت دايماً تتصل بيا وتسألني عن الأحوال، ولما أقولها إني سايب هدى ومقضي كل وقتي مع مروة، كانت تضحك وتقولي: “أهو ده الصح يا كريم.. سيبها كدة مركونة على الرف عشان تعرف قيمتك، وتعرف إنك لولا كرمك وفلوسك مكنش هيبقى ليها سقف يداريها. هي أخرها تربي العيال، إنما الواجهة والشياكة لمروة”. كلام صفاء كان بيملا راسي بالغرور، ويخليني أشوف إن إهمالي لهدى ده حق من حقوقي، وهي لازم ترضى بيه وتستحمله وهي ساكتة لأن ملهاش بديل.
مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي.
ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.
لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها…
والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.
كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل.
وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.
دخلت هدى الصالة بعبايتها البسيطة ووشها المرهق من قلة النوم والهم. مروة أول ما شافتها، سكتت ولت بؤها، وبصت لي بنظرة كلها قرف وتعالي وكأن هدى حشرة دخلت بوظت برستيجها. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبصوت واطي مليان غل وزعيق، أخدت هدى على جنب وقالت لها: “أنتِ إيه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟ مكسفتيش وجايلنا وسط الناس بعبايتك دي؟ مكنش فيه تليفون تغوري تتصلي بيه بدل ما تعرينا!”.
أنا وقفت، وبدل ما أخد مراتي وأم عيالي في حضني وأطمن على ابني اللي بيموت من السخونية، بصيت لهدى بغضب وقلت لها: “أنتِ معندكيش دم؟ جاية لحد هنا تقطعي علينا لمتنا؟ اطلعي برة واستنيني في الشقة، ولما أرجعلي حساب تاني معاكي على الجنان ده”.
هدى بصت لي.. النظرة دي عمري ما هساها. مكنتش نظرة كسرة ولا قلة حيلة زي كل مرة. كانت نظرة واحدة شافت جثتي قدامها ومبقاش يعني لها وجودي أي شيء. بصت لصفاء ول مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة،
#الكاتبه_امانى_سيد
مين عايز يكمل القصه المشوقة دى يعمل لايك ويكتب تم ومننساش نذكر الله بصت لصفاء ولمروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة، وشالت الولد اللي كان بينهج على كتفها، وخرجت من الباب من غير ما تنطق حرف واحد.. حتى ممسحتش دمعة يتيمة نزلت على خدها وهي نازلة على السلم.
أنا رجعت قعدت وسطهم، بس القعدة كلها سمِجت. مروة فضلت تبرطم عن المنظر والبرستيج، وصفاء تكمل زنها المسموم: “أحسن عشان تتربى ومتعملش الشويتين دول تاني”. حاولت أبان بارد ومش فارق معايا، بس صورة ابني وهو دبلان في حضنها ونظرة عينيها كانت بتنهش في نافوخي. أول ما روّحت شقة مروة، ماليش عين أنام.. القلق أكلني، فنزلت في نص الليل ورحت على شقة هدى عشان “أعاتبها” وأثبت إني المسيطر.
فتحت الباب بالمفتاح.. الشقة كانت غرقانة في ضلمة وسكون غريب. ناديت: “هدى؟” مفيش رد. دخلت أوضة العيال، لقيت السراير فاضية ومترتبة، والدواليب مفتوحة على مصراعيها ومفيش فيها فتلة واحدة تخصها أو تخص الولاد. على ترابيزة السفرة، لقيت ورقة بيضاء محطوط فوقها دبلتي ومفتاح الشقة، ومكتوب فيها سطرين بخط إيدها الهادي: “أنا مكنتش محتاجة مهندس ولا كمبوند يا كريم.. أنا كنت محتاجة راجل يسندني مش يكسرني. ابني راح المستشفى مع أهلي اللي بجد، وورقة طلاقي توصلني على بيت أبويا، والعيال هربيهم بكرامة، حتى لو في أفقر حارة”.
في اللحظة دي بس، بدأ الكابوس اللي بنيته بإيدي. رحت وراها حارة أبوها، متخيل إني بكلمة أو بشوية فلوس هكسر مناخيرهم وأرجعها، لقيت أخوها البسيط اللي كنت بتريق عليه واقفلي على الباب زي الصخرة، قالي بلهجة قطعت نفسي: “أختنا دخلت بيتك وهي شارياك، خرجت منه وهي قرفانة منك.. ملكش حريم عندنا يا باشمهندس”.
ومن هنا، بدأت حياتي التانية تنهار بسرعة مكنتش أتخيلها. “مروة”، المهندسة الشيك اللي كنت فاكرها الواجهة والستر، اتغيرت معايا تماماً بعد ما فلوسي قلت بسبب قضايا النفقة ومصاريف الشقتين. مكنتش بتستحمل مني كلمة، وبدأت تعايرني بفشلي، وتطلب طلبات فوق طاقتي، وشغلها وطلعاتها مع أصحابها بقوا أهم مني ومن البيت. بقيت أرجع شقتها ألاقي البيت يضرب يقلب، ومفيش لقمة دافية ولا كلمة تطيب الخاطر، ولو اعترضت تقولي ببرود: “أنا مهندسة وبشتغل ومرتبي زي مرتبك، مش جايبني عشان أخدمك، هاتلك شغالة”.
وساعتها بس، اختفت أختي صفاء.. لما لجأت لها أشتكيلها من نكد مروة وقسوتها، قالتلي بنفاذ صبر: “وأنا مالي يا كريم؟ أنت اللي اخترت وجوزتك مهندسة زي ما كنت عايز، شيل شيلتك بقى ومتقرفناش بمشاكلك”. صفاء اللي كانت بتشعلل النار، كانت أول واحدة تبعد وتسيبني أتحرق لوحدي.
مرت سنة كاملة، شفت فيها أسود أيام حياتي. طلقت مروة بعد ما استنزفتني مادياً ونفسياً، وبقيت قاعد في شقتي الفاضية، باصص للحيطان اللي كانت هدى ملياها دفا وبركة. عرفت بالصدفة إن هدى فتحت مشروع صغير لأكل البيتي والحلويات من بيت أهلها، المشروع كبر وربنا فتحها عليها وبقت معتمدة على نفسها ومبسوطة، والضحكة اللي كنت بطفيهالها رجعت لوشها من تاني وسط ولادي اللي كبروا بعيد عني.
أدركت متأخر جداً إن الشهادة والفلوس عمرهم ما كانوا مقياس للأصل والتربية. أنا مكنتش “كتير على هدى”.. الحقيقة المرة اللي هعيش بيها عمري كله، إن هدى وأصلها وطيبتها كانوا كتير أوي على واحد زيي ميعرفش يصون النعمة.