أمي وقفت على رجليها بالعافية، سندت على عكازها، وصوتها طلع بيترعش من القهر: “عروسة مين يا فاجر؟! مرات مين دي اللي داخل بيها عليا وفارد ضهرك؟! ومريم؟ الغلبانة اللي قفلت عليها بابك وسيبتها تخدمني وتخدم تراب رجلي وإنت بايعها ومخطط لغدرك من ورا ضهرنا؟” رديت ببرود، بنفس المنطق اللي كان مسيطر على تفكيري ومقنعني إني صح: “يا أمي إنتي كنتي عايزة واحدة تخدمك وتعيش معاكي وماتسيبكيش، وأنا جبتلك مريم ووفيت بشرطك وريحتك.. وزهرة دي اللي بحبها، جهزتلها شقتها من تعبي وشقايا وملكش دعوة بيها، أنتوا الاتنين واخدين طلباتكم، يبقا إيه اللي مزعلكم بقا؟”
هنا مريم اتحركت خطوة واحدة لقدام.. كانت بتترعش، وصوتها طلع مخنوق بالدموع اللي حبستها بالعافية وقالتلي: “هو أنا.. هو أنا مكنتش بني آدمة عندك يا أستاذ؟ أنا جيت من دار أيتام، قولت ربنا عوضني بأهل وسند، قولت هخدم أمك بعيني عشان رضاها من رضا ربنا، وكنت بصبر على برودك وأقول مسيره يلين ويحبني.. طلعت واخدني صفقة؟ شغالّة بلقمتها ومكتوبة على ورق عشان تداري بيها على جوازتك؟” زهرة زعقت بضيق: “اتكلمي بأدب يا بتاعة إنتي واعرفي مقامك، إنتي هنا عشان تخدمي وبس، ولولا جوزي كان زمانك لسه مرمية في الملجأ!”
أول ما زهرة نطقت الكلمة دي، أمي مشيت خطوتين وضر.بت بالقلم.. مش مريم، ضر.بتني أنا! قلم نزل على وشي رن في الصالة كلها. أمي بصتلي بعينين مليانة غضب وقالت: “الملجأ اللي بتتكلموا عنه ده طلع أشرف منك ومنها! البنت دي اللي بتقول عليها خدامة، كانت بتقعد تحت رجلي تدلكلي جسمي بالساعات، كانت تصحى في نص الليل على كحتي تديني العلاج وتدعيلي بدموعها، عمرها ما اشتكت ولا طلبت جنيه! دي بنتي اللي مخلفتهاش.. وأنت؟ أنت مش ابني، والبيت ده متدخلوش تاني لا أنت ولا الست هانم بتاعتك!”
أنا اتصدمت.. كنت فاكر أمي هتفرح إني ريحتها وفي نفس الوقت اتجوزت، مكنتش متخيل إنها هتقف في صفي ضد مريم كده. بصيت لمريم، لقيتها دخلت أوضتها بهدوء، لمت شنطتها الصغيرة اللي كانت جاية بيها من الدار—شنطة يد دوبك فيها كام طرحة وهدومها البسيطة—وطلعت بيها وهي بتبوس راس أمي وتقولها: “سامحيني يا أمي، كان نفسي أفضل جنبك بس خلاص مليش مكان هنا.” أمي مسكت فيها وعيطت: “مكانك في قلبي وع راسي يا بنتي، لو حد هيخرج من البيت ده يبقا هو ومراته!”
مريم بصتلي النظرة الأخيرة.. نظرة خلت بطني تكركب لأول مرة، وقالتلي: “ورقة طلاقي توصلي للدار.. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيب حقي منك، لأنك استغليت ضعفي ويتمي.” وفتحت الباب ونزلت من غير ما تلتفت وراها. أمي بصتلي وقالتلي كلمة واحدة قبل ما تقفل باب أوضتها بالمفتاح: “امشي من وشي يا قاطع الرحم.. روح عيش في عزك وشقتك الجديدة، بس افتكر إن اللي يبني بيته على ك.سر خاطر يتيمة، بيته هيتهد على دماغه.”
نزلت أنا وزهرة.. زهرة كانت عمالة ترغي وتشتكي من بهدلة أمي ليها وتقولي: “شفت مامتك عملت إيه؟ هي متستاهلش أصلًا اللي عملته عشانها، يلا نروح شقتنا ونعيش حياتنا ونكبر دماغنا منهم.” ركبنا العربية وروحنا الشقة الفخمة اللي فرشتها بكل مليم حيلتي. المفروض دي كانت أسعد ليلة في عمري.. لكن البيت كان بارد، وفرحة زهرة اللي كانت مالية الدنيا حسيتها فجأة مصطنعة ومزعجة. مرت الأيام والشهور، والحياة مكنتش زي ما رسمتها خالص.
زهرة بعد الجواز اتغيرت 180 درجة، اتعودت على الطلبات والمصاريف اللي مش بتخلص، وبدأت الخناقات على أتفه الأسباب. مكنتش بتعمل كباية شاي لنفسها، وكل ما أطلب منها حاجة تقولي: “أنا متجوزاك عشان تدلعني، مش عشان أخدمك، هاتلي شغالة.” وفي الشغل، خسرت مشروعي الكبير واتعرضت لأزمة مالية طاحنة خلتني على الحديدة، ولما وقعت في الضيقة، أول واحدة اتخلت عني وطالبت بالطلاق ومؤخر الصداق والقايمة كانت زهرة، حب عمري اللي بعت الكل عشانها! روحت بيت أمي مكسور، عيني في الأرض، خبطت على الباب وأنا مش قادر أرفع راسي.. فتحتلي أمي، وشها كان باين عليه التعب، بس دخلتني وماتكلمتش.
ولما دخلت الصالة، لقيت مريم.. كانت قاعدة بتراجع حسابات محل صغير أمي كانت ساعدتها تفتحه بعد ما رجعتلها واعتذرت منها زمان. مريم كانت لابسة شيك، وشها منور، وعينيها فيها عزة نفس وراحة غريبة، مريم مكنتش البنت المكسورة اللي سبتها في الملجأ، مريم بقت صاحبة عمل وشخصية ناجحة، وبقت هي السند الحقيقي لأمي وبنتها اللي بتصرف على البيت برضا. بصيت لمريم، وحاولت أقول أي كلمة، قولت بصوت مبحوح: “مريم.. أنا.. أنا ندمان على كل اللي عملته.. الدنيا دارت بيا وربنا عاقبني و..”
مريم قاطعتني بهدوء تام، ابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش حتى كره وقالت: “متقولش حاجة يا أستاذ، ربنا عادل وكل واحد بياخد نصيبه على قد نيته. أنا سامحتك عشان أريح قلبي، بس مكانك في حياتنا مش موجود، تقدر تطمن على والدتك وتمشي عشان ورايا شغل.” وقفت في نص الصالة—نفس المكان اللي وقفت فيه من سنتين وأنا ماسك إيد زهرة وبتباها بانتصاري—بس المرة دي، كنت لوحدي تمامًا، خسران كل حاجة.. خسران أمي، وخسران البنت اللي ضيعت عمري وراها، وخسران إنسانة أصيلة ربنا كان باعتها رحمة ليا فدست عليها برجلي.