
عربية زياد كانت بتاكل الطريق أكل، السرعة عدت المية وأربعين وعينيه مركزة على الشارع بشرار بيطلع منها، قلبه بيدق بسرعة مش طبيعية.. إحساس الظابط اللي جواه بيقوله إن كل ثانية بتعدي بتفرق في حياة إنسانة ملهاش ذنب في أي حاجة. وصل قدام عمارة خالة فرح، فرمَل بعنف خلى العجل يصرخ في الشارع الهادي، نزل من العربية ورزع الباب وراه، طلع السلم طيران متجاهلاً وجع دراعه المتصاب تماماً. وقف قدام الشقة وداس على الجرس بإصرار متواصل وخبط على الباب بقوة.
جوه الشقة، ريم كانت واقفة في الصالة بتعدل شعرها ومبسوطة، اتخضت من صوت الخبط الجامد.. أمها خرجت من المطبخ وهي ملهوفة وبتمسح إيديها في الفوطة:
— “مين اللي بيكسر الباب كده عالصبح؟ استر يا رب!” ريم قربت من العين السحرية وبصت.. شهقت ورجعت لورا خطوتين ورجلها بتخبط في بعض:
— “ده.. ده زياد باشا يا ماما!” أمها اتلخبطت وفتحت الباب وهي متوترة:
— “أهلاً يا ابني.. خير في إيه؟ بتخبط كده ليه؟” زياد دخل خطوة جوه الشقة بكل هيبته، ملامحه كانت حادة وعينيه بتدور في كل ركن كأنه بيمسح المكان، بص لخالة فرح وقال بصوت جهوري يرعب:
— “فرح فين؟”
خالتها اتلعثمت وعينيها زاغت:
— “فرح؟ فرح.. نزلت بدري على كليتها يا ابني..” زياد بص في عينيها مباشرة بنظرة فاحصة، وبعدين بص لريم اللي كانت واقفة بعيد ووشها مخطوف وبتبلع ريقها بصعوبة. ابتسم بسخرية باردة تخوف وطلع تليفونه من جيبه:
— “كليتها؟ تمام.. الرسالة دي مبعوتة من تليفونها من عشر دقايق بالظبط، فرح كانت معايا امبارح وعارف كويس أسلوبها في الكلام.. الرسالة دي مش فرح اللي كتباها.. والموبايل ده اتفتح هنا في الشقة.”
قرب خطوتين من ريم اللي رجعت لورا ولزقت في الحيطة، زياد وطى صوته لنبرة فحيح مرعبة:
— “أنا ظابط مباحث يا شاطرة.. وفاهم كل حركة عين وكل رعشة إيد.. التليفون فين؟ وفرح راحت فين؟ انطقي قبل ما تلاقي نفسك في القسم بتهمة بلاغ كاذب وخطف!” ريم انهارت من الرعب وعينيها دمعت بخوف وقالت وهي بتترعش:
— “أنا.. أنا مليش دعوة.. عمي هو اللي جه الصبح.. جه هو وابن عمها عواد وخطفوها بالعافية وركبوها العربية عشان يرجعوها البلد يكتبوا كتابها على عواد!”
خالتها صرخت في بنتها:
— “بتخرسي يا ريم!” لكن زياد مسمعش باقي كلام الخالة، الكلمة نزلت على ودنه زي الصاعقة.. “يكتبوا كتابها على عواد.. رايحين الصعيد!” مسك ريم من دراعها بنظرة حارقة:
— “تليفونها فين؟”
ريم شاورت وهي بتعيط على الأوضة: “تحت السرير.. والله تحت السرير..” زياد دخل الأوضة في ثانية، جاب التليفون وحطه في جيبه، وبص للاثنين وقال بنبرة حاسمة وصوت يزلزل الحيطان:
— “وحياة كل حرف فرح نطقته وهي مظـ,ـلومة.. لو شعرة واحدة اتمست منها، مش هسيب حد فيكم.. حسابكم معايا بعدين.”
نزل على السلم جري، ركب عربيته وطلع تليفونه التاني واتصل بوالده اللواء فؤاد. — “أيوة يا بابا.. فرح في خطر، أبوها وابن عمها خطـ,ـفوها وطالعين بيها على طريق الصعيد عشان يجوزوها غصب.. أنا محتاج كمائن طريق الصعيد الشرقي والغربي يتقفلوا حالاً، وأنا وراهم بالعربية!” اللواء فؤاد حس بجدية الموقف ومن غير تردد قال:
— “اهدى يا زياد ومتتهورش.. خمس دقايق وإشارة هتنزل لكل كمائن الطريق بتفتيش عربيات الصعيد وتوقيفهم.. وخلي عينك في وسط راسك.” زياد داس بنزين للآخر والعربية انطلقت كالصاروخ باتجاه بوابات طريق الصعيد.
على طريق الصعيد الصحراوي
عربية عواد كانت ماشية بسرعة جنونية، الصحراء ممتدة على الجنبين والشمس بدأت تعلى في السما. فرح كانت قاعدة ورا منهارة، وشها شاحب من كتر العياط، باصة لكفوف إيديها اللي بتترعش.. حاسة إن الدنيا كلها اسودت في وشها، مفيش حد ينقذها من الكابوس ده.. مفيش أمل. عواد بص في المراية وضحك باستهزاء:
— “وفري دموعك دي يا بت عمي.. البلد كلها جاهزة، والمأذون هيكون مستنينا في المندرة.. هتدخلي داري ومش هتخرجي منها تاني لا لكليات ولا لبندر!”
والدها بص قدام ومردش، بس ملامحه كانت قاسية ومليانة غضب وتعصب أعمى. فرح مسحت دموعها وحاولت تستجمع أي شجاعة باقية جواها وقالت بصوت مكسور ومخـ,ـنوق:
— “حرام عليك يا بابا.. أنا بنتك.. والله العظيم ريم كدابة.. والله ما عملت حاجة غلط، ليه تضيعني بايدك؟ ليه تظلمني بالطريقة دي؟” أبوها لف وشه ليها وقال بحزم:
— “الشرف مفيش فيه مفاهمة يا فرح.. سترتك في بيتك ومع ابن عمك هي اللي هتغسل كلام الناس.. اقفلي خشمك لحد ما نوصل!”
فرح غمضت عينيها واستسلمت للوجع، وفي سرها كانت بتدعي من كل قلبها وبتهمس باسم واحد بس.. “يا رب.. يا رب يا زياد الحقني..” وفجأة.. وقبل ما يدخلوا على مدخل المحافظة، عواد هدى السرعة وهو مستغرب:
— “إيه ده؟ الكمين ده مش عادته يوقف العربيات الملاكي كده ليه زحمة؟” فرح فتحت عينيها وبصت لقدام.. لقت كمين شرطة ضخم، عربيات أمن مركزي وضباط مسلحين قافلين الطريق وبيفتشوا العربيات بدقة. عواد بدأ يتوتر، وأبو فرح قال:
— “متخافش يا واد عمي، إحنا معانا بطايقنا وبنتنا معانا.. خليك هادي.”
وقف عواد قدام الظابط، الظابط بص جوه العربية وشاف فرح وهي منهارة وعينيها باين عليها الرعب، وقبل ما عواد ينطق، صوت سارينة عربية بوليس جاية من ورا بسرعة البرق قطعت كل حاجة. عربية زياد وقفت وراهم مباشرة، الباب اتفتح ونزل زياد بهيبته وعينيه اللي بتقدح نـ,ـار، الظباط في الكمين أول ما شافوه أدوا له التحية:
— “تمام يا زياد باشا.. العربية اهي.” فرح أول ما شافت وشه، قلبها رجع يدق من تاني، صرخت بصوت مسموع من ورا الإزاز:
— “زيـــاد!”
زياد قرب من باب العربية وفتحه بإيده السليمة، بص لعواد وأبوها بنظرة خلت الدـ,ـم يتجمد في عروقهم، وقال بصوت هز المكان كله:
— “انزل يا عواد من العربية.. بالذوق بدل ما أنزلك بطريقتي.. وفرح هتنزل معايا.” الحـلقـات كـامـلة مـن هنـا