روايات

صوت الباب وهو بيتكبّس بقوة في نص الليل كان المرادف الوحيد

صوت الباب وهو بيتكبّس بقوة في نص الليل كان المرادف الوحيد للرعب اللي بتعيشه سارة من يوم ما أحمد راح. أحمد ما ماتش بس في الحادثة على طريق السخنة.. أحمد أخد معاه كل الأمان اللي كانت عايشة فيه. تسع شهور بس مروا على غيابه، ومكنش لحق يسيب ورا شريط زكريات طويل في البيت، لكنه ساب أربع حيطان بيلموا كل ذكرياتهم الحلوة، وبيت عيلة في المحلة هو اللي اشتغاله بفلوس شقاه وغربته ست سنين في الخليج.

سارة قامت من السرير وهي بتترعش، لبست طرحتها بسرعة وفتحت الباب السلك من غير ما تفتح الباب الخشب. على الباب كان واقف سامح، أخو أحمد الكبير، وعينيه زايغة من الغضب والغل، ووراه أخوه الصغير محمود. “افتحي يا سارة.. الكلام بيننا طال وما بقاش فيه وقت للحياد.” قالها سامح بصوت واطي ومخيف، كأنه بيتكلم بلسان القوة اللي بيستمدها من كلمة “إحنا رجالة العيلة”. سارة وقفت ورا السلك بجمود: “الساعة اتنين بالليل يا حمايا.. أظن الأصول بتقول الكلام يكون بالنهار وفي حضور بابا.”

محمود ضحك بتهكم وهو بيسند على حيطة السلم: “أبوكِ؟ أبوكِ الراجل المريض اللي مش قادر يشيل نفسه؟ يا بنت الحلال صفي نيتك.. الشقة دي شقة أخونا، وبيت العيلة باسمه واسم أبونا، والفلوس اللي في البنك نصها شقى أخونا ونحن أحق بيها. القانون والأصول بتقول إنك مالكيش غير التُمن في التركة كلها.. التُمن يا سارة!” سارة حست بغصة في حلقها، لكنها بلعتها بقوة وقالت: “والشقة دي مكتوبة باسمي بيع وشراء من أحمد قبل ما يسافر آخر مرة.. والبيت أحمد باني دورين فيه بفلوسه والورق معايا.”

هنا قرب سامح من الباب السلك لحد ما ألمسه بصوابعه، وابتسم ابتسامة مرعبة: “الورق يتبل ويشرب ميته.. أحمد مات وما سابش ولد، يعني مالكيش سند هنا. قدامك طريقين يا بنت الناس وما فيش تالت: يا إما تتجوزي محمود.. ونسيبك قاعدة في شقتك، والفلوس تفضل تحت إيدنا وفي العيلة وما تطلعش لبره.. يا إما تحزمي هدومك وتطلعي بلبسك اللي عليكِ، وتسيبي المفاتيح، والفلوس والورق اللي معاكِ هناخدهم بالقانون.. وبغير القانون لو اضطرينا!”

سارة حسّت الأرض بتلف بيها. تتجوز محمود؟ الراجل اللي كانت بتشوف فيه الأنانية والطمع من يوم ما دخلت العيلة دي؟ يتجوزها عشان ياخد شقا عمر جوزها المرحوم؟ “أنا مش هاتجوز حد.. وأحمد مالوش شهرين متوفي، أنتوا إيه؟ ما فيش في قلوبكم رحمة؟” سامح ض.رب الباب الخشب بقبضته ض.ربة هزت العمارة كلها: “الرحمة للشهداء يا حلوة! قدامك أسبوع واحد.. تردي علينا بقرارك. لو جيتي معانا بالمعروف، محمود هيكتب عليكِ وينقل كل حاجة باسمه وحقك محفوظ معاه.. لو رفضتي، اعتبري نفسك مطرودة، والشرطة والقضايا مش هتلحقك مننا.”

مشوا وسابوها واقفة في الصالة، الضلمة حواليها خناق. سارة ما بكتش. دموعها كانت جفت من يوم الحادثة. قعدت على الأرض وفتحت الخزنة الصغيرة اللي أحمد كان معلمها الرقم السري بتاعها. طلعت منها أوراق الملكية، وفلاشة صغيرة أحمد كان قايلها قبل ما يسافر بأسبوع: “يا سارة، لو جرالي حاجة في يوم من الأيام، الفلاشة دي والورق ده أمانتك.. إخواتي مش هيسيبوكي لو عرفوا إن البيت فيه سر.” في اللحظة دي، سارة قررت إنها مش هتهرب، ومش هتستسلم..

حطت الفلاشة في اللاب توب، وشغلت الملف الوحيد اللي عليها. كان فيديو مسجله أحمد بصوته قبل وفاته بأسابيع، وقبل ما ينطق بأول كلمة في الفيديو، سمعت صوت حركة بره الشباك.. صوت حد بيطلع على المواسير عشان يدخل من بلكونة الشقة! تدخل الأحداث في منحنى جديد تمامًا؛ حيث يتغير مسار حياة «منه الله» ظهور شخصية غيرت كل الموازين… «المعلم صابر العطار».

كان «المعلم صابر» رجلًا خلت منه الخديعة، في أوائل الأربعينيات، يبدو عليه الوقار والهيبة، صاحب كلمة مسموعة وسوق الفاكهة الكبير تحت أمره. رجلٌ بنا نفسه بعرقه، يزن الرجال بعقولها، ويقدر النساء بأصلهن. عرف قصة «منه الله» وما لاقته من ظلم وألم بعد وفاة والديها ومعاملة بيئتها السابقة، فلم يجد فيها إلا الجوهرة المصونة التي تستحق أن تُحمل على الرؤوس. تقدم لخطبتها رسميًا وبأصول المجالس، وحين حاول إخوة زوجها السابق التقليل منها أو الوقوف في طريقها طمعًا في حقوقها أو بسطًا لسلطتهم الزائفة عليها، وقف لهم المعلم صابر كالطود الشامخ.

في مجلس مهيب جمعهم في كبير المنطقة، جلس المعلم صابر، جلبابه الأنيق يلتف حوله، وعيناه تنظران بثبات يربك الحاضرين. حين بدأ إخوة الزوج بالمماطلة والتطاول بالكلمات، وضع المعلم صابر يده على الطاولة ب هدوءٍ أشد من العاصفة وقال بنبرة هزت أركان المكان: «سمعوني كويس يا رجالة… منه الله من اليوم دي في حمايا وتحت اسمي. اللي يفكر يمس طرفها بكلمة أو يحاول يضايقها في حق من حقوقها، يبقى بيلعب مع السوق كله ومع المعلم صابر شخصيًا. بنت الأصول اللي ملهاش سند، أنا سندها وبظهرها بعد ربنا… وحقها ياخده القانون ورجالتي لو لزم الأمر!»

الجمت كلماته وهيبته الشديدة ألسنتهم، فلم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنت شفة، وعلموا أن خلفها جبلًا لا يمكن زحزحته. تزوجت «منه الله» من المعلم صابر، لتبدأ معاً حياة ملؤها الاحترام والأمان، وجد فيها الزوج والسند والعوض الصادق عن كل ليلة عاشتها في حزن وخوف، ورأت في عينيه تقديرًا لم تره من قبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى