الدم اتجمد في عروقي. عمي فتحي مش بس بيأكد كدبة شاهيناز.. ده عمي فتحي هو اللي محبوك اللعبة كلها من تحت لتحت! أبويا قرب من التليفون، وهز رأسه لي عشان أخليه يكمل كلام. “طب والأوراق اللي تامر وشاهيناز بيدوروا عليها يا عمي؟” سألته. ضحكة قصيرة وباردة طلعت من عمي فتحي:
“أوراق إيه يا بنتي؟ مجدي الله يرحمه مكنش حيلته حاجة في الآخر.. الشركة والورش كلها كانت مرهونة لي من سنة 96.. الأوراق اللي مع تامر دي حقي أنا. والمرحوم كتر خيره سابلي الأهم.. الشنطة الحديد.”
عمي فتحي سكت لحظة، وبعدين نبرته اتغيرت وبقت صريحة ومباشرة زي حد ب يهدد بمسدس:
“الشنطة مع مجدي قبل ما يمـ,ـوت يا ندى.. أو بالأحرى، الشنطة معاكي إنتي في زايد. شاهيناز وتامر أذكى من إنهم يسيبوا تفصيلة زي دي.. البوليس اللي وقفهم في البنك ده لعبتي أنا عشان ألمهم قبل ما يهبصوا في حاجة مش بتاعتهم. قدامك نص ساعة يا ندى.. جيب الشنطة وتعالي على مكتب الجنازات في السيدة.. وإلا العزا اللي هنعمله بالليل للحاج مجدي على الورق.. ممكن يبقي حقيقة وفعلي ليكي ولأبوكي اللي استخبى عندك!”
السكة اتفلت. التليفون وقع من إيدي على أرضية المطبخ. أبويا ما اتخضش.. بالعكس، مسك الشنطة الحديد من على الترابيزة، وحط صوابعه على القفل الرقمي، وبدأ يلف الأرقام بسرعة وثبات: 1 – 9 – 9 – 6. القفل اتكتك.. والشنطة اتفتحت. أنا قعدت على الكرسي ومش قادرة أتنفس: “بابا.. عمي فتحي عارف إنك عندي! وعارف إنك حي! وهو اللي ممشي شاهيناز وتامر!” أبويا فتح غطا الشنطة.. جوة مكنش فيه فلوس ولا عقود شقق.
كان فيه مسدس أسود قديم نوعه “حلوان”، ودفتر مذكرات جلده متآكل، وفلاشة كمبيوتر حديثة جداً.
أبويا مسك المسدس وشده، الصوت المعدني يرعب. حطه في جيب الروب الكحلي، وبعدين مسك الفلاشة ورماها لي. “فتحي فاكر إن تلاتين سنة زمالة هتخليني أأمن له،” أبويا قال وهو بيطالعني بعيون أبرد من التلج. “فتحي مش بس سـ,ـرق شركتي في 96 يا ندى.. فتحي هو اللي قتـ,ـل أمك وسجلها قضية قضاء وقدر.. عشان كان فاكر إن الـ CD اللي جوة الفلاشة دي مات معاها.” أنا اتسمرت في مكاني: “أمي؟!”
أبويا مسك إيدي وقومني من على الكرسي بكل قوته:
“شاهيناز وتامر ما يعرفوش حاجة، هما مجرد كلاب فلوس فتحي بيحركهم عشان يوصل للشنطة دي. فتحي مش جايلنا النيابة يا ندى.. فتحي جاي هنا. ورجالته بره العمارة من قبل ما الشمس تطلع.” في اللحظة دي بالظبط.. سمعنا صوت أسانسير دورنا وهو بيفصل عند باب الشقة.. وبعده صوت خبطتين خفاف ورزان جداً على الباب الخشب. صوت عمي فتحي جه من ورا الباب، رايق وهادي:
“افتح يا مجدي.. القهوة بتبرد.”
أبويا ما ترمش له عين. بصل ببرود تام، حط إيده في جيب الروب على المسدس، وشاور لي بأصبعه إن أعين الفلاشة في جيبي وما أطلعش أي صوت. الخبط على الباب اتكرر.. أهدى، وبنغمة أتقل:
“افتح يا مجدي.. شاهيناز وتامر في العربية تحت مع رجالتي، ومفيش نيابة ولا حاجة، دي كانت تمثيلية عشان أربيهم بس. الشنطة دي حقي وحق السنين اللي فاتت.” أبويا قرب من الباب بالراحة، وفي لحظة خاطفة، شد الباب وفتحه بيده الشمال، وإيده اليمين طلعت المسـ,ـدس الحلوان وحط بوزه في زور فتحي مباشرة!
عمي فتحي اتفاجئ، رجع خطوة لورا ووشه اصفر، بس محاولش يهرب. ابتسم ابتسامة صفرا وهو بيبص للمسدس:
“عايز تقـ,ـتل أنتيمك يا مجدي؟ بعد العمر ده كله؟” “إنت اللي قـ,ـتلت صاحبك من تلاتين سنة يا فتحي،” أبويا رد بصوت واطي ومزلزل. “يوم ما حطيت لمراتي دوا يوقف قلبها عشان كانت هي الوحيدة اللي كشفت لعبتك في الورش، وعملت لي فيها الصاحب الوفي اللي بيدفنـ,ـها بيديه!”
فتحي ابتسامته اختفت، وبص بعين فيها غل:
“مرتك كانت هتهد كل اللي بنيناه! وكانت هتودينا في داهية بسبب الأوراق دي! سلمني الفلاشة وال دفتر يا مجدي.. العمارة تحت فيها ست رجالة، لو ما نزلتش بالشنطة في خلال دقيقتين، مش هيرحموا البت.” في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينات بوليس ضخمة بتهز الشارع تحت العمارة، وأصوات صريخ شاهيناز جاية من الميكروفون بتاع عربية شرطة! فتحي اتخض ولَف راسه ناحية الشباك.
أبويا استغل اللحظة، وداس بركبته في بطن فتحي ووقعه في الأرض، وطلع تليفونه القديم من جيبه وهو حاطط رجله على صدر فتحي:
“فاكر البلاغ اللي شاهيناز عملته الصبح للبنك؟ أنا اللي أمنت إن النيابة توصل للتزوير بتاعها الحقيقي، وبدل ما أبعتلهم ورق البنك.. بعتلهم نسخة من الفلاشة على إيميل الأموال العامة بالفجرية قبل ما أصحى أشرب القهوة مع ندى.” فتحي بدأ يتنفس بالعافية، وعينيه مقلوبة من الرعب:
“إنت… إنت بلغت عن نفسك وعن شاهيناز؟!”
“شاهيناز وتامر هيتربوا في السجن كم سنة على التزوير،” أبويا قالها وهو بيثبت المسدس في وش فتحي. “أما إنت يا فتحي.. فالنيابة العامة ومعاها مباحث الجنايات زمانهم طالعين الأسانسير دلوقتي بحكم ضبط وإحضار في قضية قتـ,ـل عمد مقفولة من سنة 96.. الفلاشة عليها التسجيل الصوتي الكامل لإنهاء حياتها وصوتك وإنت بتبتزه عشان الورق.” صوت الأسانسير وصل الدور بتاعنا، وأبوابه اتفتحت بقوة.
رجال الشرطة والنيابة جرو في الطرقة وحاصروا باب الشقة، والمسدسات كلها اتوجهت لفتحي اللي كان ممدد في الأرض مش قادر ينطق، ودموعه بدأت تنزل من الخوف والعجز.
أبويا نزل المسدس بالراحة، وسلمه للضابط وهو بيقول بجمود:
“المتهم جاهز يا حشرة.. والورق والأدلة كلها تحت إيدكم.” الظباط كلبشوا فتحي وسحبوه للشارع، وفي السكة شفناه بيبص لشاهيناز وتامر وهم راكبين بوكس الشرطة مقبوض عليهم، والكلابشات في إيديهم والزهول مغرق وشوشهم. أبويا لف لي، وشه كان حزين بس رايق، كأن جبل ثقيل انزاح من على صدره بعد تلاتين سنة.
قرب مني، وطبطب على كتفي بالراحة، وأخد فنجان القهوة بتاعه من على الترابيزة، وشرب آخر بق فيه.
“السر اندفـ,ـن خلاص يا ندى..” أبويا قالها وهو بيبص للشمس اللي بدأت تشرق فوق زايد. “ودلوقتي بس.. نقدر ناكل الطعمية ونشرب القهوة في هدوء.”