روايات

كانت «فاطمة» تعيش حياة هادئة مع زوجها «محمود»،

كانت «فاطمة» تعيش حياة هادئة مع زوجها «محمود»، تملأ البيت دفئاً وحباً. رزقهما الله بأربعة بنات، كنّ زينة الحياة الدنيا وبهجة البيت. كانت فاطمة ترعى بيتها وزوجها بكل تفانٍ وإخلاص، ولم تكن تقصر في حق من حقوقه قط.
أما محمود، فمع مرور السنين، بدأ شبـ,ـح الرغبة في إنجاب “الولد الذي يحمل اسمه” يسيطر على تفكيره، متأثراً بضغط من أهله وكلام المحيطين به. لم يكن يرى أن بناته نعمة، بل كان يرى أن غياب الولد هو نقص في رجولته.

زواج جديد وبداية الجفاء
تحت وطأة إلحاح عائلته ورغبته الملحة، قرر محمود أن يتزوج بأخرى تُدعى «سوسن»، على أمل أن تذيقهم طعم إنجاب الذكور. في البداية، كان محمود يحاول العدل شكلياً، لكن قلبه كان قد بدأ ينزاح تدريجياً نحو بيته الجديد.
مرت الشهور، وحدث ما كان يرجوه محمود؛ حملت زوجته الثانية ووضعت مولوداً ذكراً أسماه «حمزة».
التغير الجذري والجفاء القاسي
منذ لحظة ولادة حمزة، انقضى العهد القديم في حياة محمود. نسي الرجل العشر سنوات التي عاشها مع فاطمة، وتجاهل تماماً وجود بناته الأربع اللاتي كنّ يركضن لاحتـ,ـضانه كلما عاد من العمل.
الهـ,ـروب من المسؤولية:

أصبح محمود يقضي كل وقته في البيت الثاني بحجة متابعة ولده، بينما هجر بيت فاطمة تماماً ولم يعد يزورهم إلا لماماً وبوجه عبوس.
التقتير المادي والنفسي: لم يكتفِ بالتجاهل العاطفي، بل بدأ يقلل من النفقات على فاطمة وبناتها، موجهًا كل دخله ورعايته واهتمامه لحمزة وأمه، متناسياً قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ…} وفي العدل بين الأولاد.
قسوة القلب والجزاء
كانت فاطمة ترى هذا التحول القاسي بقلب مفطور، لكنها لم تضعف؛ بل تحولت إلى أب وأم في آنٍ واحد، كرست حياتها لتربية بناتها وتعليمهن، وكنّ هنّ السند والونس لها في وحدتها.

مرت الأيام، وكبر الولد حمزة، ولكنه نشأ في بيئة مليئة بالدلال الزائد والتفاخر، بعيداً عن التربية السليمة، بينما كبرت بنات فاطمة وأصبحن متفوقات في دراستهن وأخلاقهن، يملأن البيت علماً وأدباً وبرّاً لأمهن.
وحين تقدم العمر بمحمود وضعف بدنه، وجد نفسه غريباً في بيته الثاني؛ فلم يجد من حمزة الذي بنى عليه أحلامه سوى الجفاء والانشغال عنه بحياته الخاصة، بينما بناته اللاتي تجاهلهم لسنوات طويلة كنّ أول الساعين لرعايته والوقوف بجانبه في مرضه، ندم حين لا ينفع الندم، وأدرك أن الأبناء الحقيقيين هم من أحسن تربيتهم، لا من حملوا الاسم فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى