عريس يكتشف قبل ساعات من الفرح إن عروسته وصاحبه الأنتيم متفقين عليه عشان يستغلوا فلوسه، فيقرر ينفذ الانتقام قدام كل الناس في القاعة. كان «عمر» يقف أمام المرآة في غرفته بفندق القاعة الفخمة، يصلح ربطة عنقه بابتسامة لا تسعها الدنيا. اليوم ليس مجرد يوم عادي، إنه اليوم الذي سيجمعه بـ «فريدة»، الفتاة التي أحبها من كل قلبه، وبوجود «كريم»، صديق عمره وأخيه الذي لم تنجبه أمه، والذي كان يقف بجانبه طوال أشهر التحضير لزفافهما.
عمر، الشاب السكندري الناجح الذي بنى شركته الخاصة في مجال التكنولوجيا من الصفر، كان يرى في هذا اليوم تتويجاً لرحلة تعبه. كل شيء كان مثالياً… حتى مرت ثوانٍ معدودة قلبت حياته رأساً على عقب. اللحظة التي انهار فيها العالم
قبل حفل الزفاف بساعتين فقط، خرج كريم من الغرفة ليعالج أمراً طارئاً مع منظمي الحفل، ونسي هاتفه المحمول على الطاولة. رن الهاتف بإشعار رسالة صوتیة على تطبيق “واتساب”. كان عمر ينوي تجاهله، لكن اسم المنسل “فريدة” جعل الفضول يراوده، خاصة بعد أن لمح بداية الرسالة على الشاشة القفل: “تأكد إنه مش حاسس بحاجة قبل ما يدخل القاعة…”.
شعر عمر ببرودة تسري في جسده. فتح الهاتف بكلمة السر التي يعرفها بحكم صداقتهما العميقة، وشغل الرسالة الصوتية. جاءه صوت فريدة متوترًا وواضحاً: “كريم، أنا خايفة جاداً! عمر بدأ يسأل عن الحسابات الجديدة اللي طلبنا نفتحها للشركة. اتأكد إن عقود التنازل اللي كتبتها مضيها وهو مش مركز في الزحمة. المهم نخلص الفرح ده بسرعة ونحط إيدنا على نص الأصول، وبعدها الطلاق يتحسب صح زي ما اتفقنا.” ثم جاء رد كريم الصوتي، بكل برود ونذالة:
“اهدئي يا فريدة، عمر بيثق فيا أكتر من نفسه، وفاكر إنك ملاك. فلوسه وكروت البنوك والأسهم هترجع لنا سوا. هو مجرد العجل اللي هيسحب الفاتورة، بس كملي الدور لغاية ما المأذون يمشى.” سقطت قطرات من العرق البارد على وجه عمر. لم يصرخ، لم يبكِ، ولم يكسر الزجاج. بل حدث شيء أغرب… انطفأت النار في صدره وحلت محلها برودة كالجليت. نزل عليه ثبات انفعالي رهيب. تمتم لنفسه: “تريدان العرض؟ إذن سأعطيكما عرض العمر.”
الهدوء الذي يسبق العاصفة
أعاد عمر الهاتف إلى مكانه بالضبط. وعندما دخل كريم الغرفة وهو يبتسم ابتسامته المزيفة، استقبله عمر بهدوء تام وابتسامة دافئة، بل وقام بمعانقته قائلاً: “أنا مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه النهاردة يا كريم، أنت أكتر واحد خايف على مصلحتي.” ارتبك كريم لثانية، لكنه سريعان ما استعاد قناعه وقال: “أنت أخويا يا عمر، وفريدة تستاهل كل خير.” في هذه الأثناء، اتصل عمر بمدير أعماله الخاص وشخصين من رجاله المخلصين في الشركة، وأعطاهم تعليمات سرية وصارمة بدقة شديدة:
إلغاء جميع التوكيلات التي يحملها كريم فوراً. تجهيز العرض التقديمي (Presentation) الخاص بشاشات العرض الكبرى في القاعة. استدعاء المأذون ودعوته للجلوس في مكان خاص حتى يأتي دوره. ساعة الصفر: في القاعة الكبرى
كانت القاعة تعج بأكثر من 500 مدعو من رجال الأعمال، الأقارب، والأصدقاء. الموسيقى صاخبة، الأضواء ساحرة، والأجواء تتزين بالورد الأبيض. نزلت فريدة بفستانها الأبيض الطويل، تبدو كالأميرات، يسير بجانبها كريم ليوصلها إلى عرشها، بينما كان عمر ينتظر عند المنصة ببدلته السوداء الأنيقة، يوزع الابتسامات بثبات أذهل الجميع.
جاءت لحظة كتب الكتاب. صعد كريم وفريدة وعمر إلى المنصة، وجلس المأذون وسط تصفيق الحضور. أمسك المأذون بالميكروفون وقال: “على بركة الله، أين دفتر المأذون والشهود؟” تقدم كريم وهو يحمل ملفاً أوراقاً فضياً، ووضعه أمام عمر بابتسامة خبيثة: “يلا يا عريس، بصم هنا الأوراق دي الأول الخاصة بالمؤخر والشروط المتفق عليها، وبعدها نوقع على الدفتر.” أخذ عمر القلم، ونظر إلى فريدة التي كانت تنظر إليه بلهفة مشوبة بالتوتر، ثم نظر إلى كريم.
ابتسم عمر ابتسامة عريضة، وأخذ الميكروفون من المأذون وقال بصوت جهوري هز أرجاء القاعة: “مساء الخير جميعاً.. أهلاً بيكم في ليلة فرحي.. بس قبل ما نوقع، حابب أوريكم فيديو صغير عملته هدية لمراتي المستقبليّة وصاحب عمري، يعبر عن مدى التقدير اللي بينّا.” الانكشاف العظيم
ساد الصمت القاعة، وظنت فريدة أنه مفاجأة رومانسية فابتسمت بخجل. لكن عمر أشار بيده، وفجأة انطفأت أنوار القاعة كلها، وأضاءت الشاشات العملاقة الأربع المنتشرة في الزوايا.
لم يكن الفيديو ذكريات جميلة… بل كان تسجيلاً صوتياً مكبراً بأعلى صوت للرسائل المتبادلة بين كريم وفريدة! ضجت القاعة بالصوت الذي ملأ المكان: “تأكد إنه مش حاسس بحاجة قبل ما يدخل القاعة… المهم نحط إيدنا على نص الأصول…”
“عمر مجرد العجل اللي هيسحب الفاتورة…” ولم يتوقف الأمر عند ذلك! بل ظهرت على الشاشات مستندات ملونة ومسربة من هاتف كريم تشمل: صور محادثات كشفت خططهم لتحويل أموال الشركة. صور ورقية لعقود التنازل المزورة التي حاول كريم جعل عمر يوقعها منذ لحظات!
شحب وجه فريدة حتى صار كالأموات، وسقط بوكيه الورد من يدها. أما كريم، فحاول الركض باتجاه أجهزة الصوت لإيقاف التردد، لكن اثنين من رجال أمن القاعة (الذين استأجرهم عمر خصيصاً) اعترضا طريقه وأمسكاه بقوة. الضـ,ـربة القاضية
انقلبت القاعة إلى حالة من الذهول والصدمة. الهمسات تعالت، وعائلات العروسين كانت في حالة ذهول تام. وقف عمر وسط هذا الضجيج، ونظر إلى فريدة الصامتة من الهول، ثم التفت إلى كريم، وقال عبر الميكروفون بمنتهى الثقة والهدوء:
“كنتم فاكرين إنكم أذكياء؟ وراسمين الخطة بالمليم؟ الفلوس اللي كنتم مستنيين تاخدوها النهاردة، أنا نقلتها بالكامل لحسابات مشفرة خارج مصر من ساعة واحدة بس. والعقود اللي كريم كان جايبها عشان أوقع عليها من غير ما أقرأ، كانت محاولة استغلال ورشوة صريحة… وجميع المحاضر والبلاغات وصلت للنيابة العامة دلوقتي بتهمة النصب والتزوير.” التفت عمر إلى المأذون وقدم له اعتذاراً راقياً، ثم التفت إلى الجمهور وقال: “أنا بعتذر لكل الحضور الكريم على الوقت ده، العشاء مفتوح على حسابي، واعتبروا الليلة دي مش ليلة زفاف… دي ليلة تنظيف حياتي من الخونة!”
النهاية
خلع عمر وردة العريس من جيب بدلته، ألقاها عند قدمي فريدة المنهارة بكاءً، ثم مشى بثبات نحو الباب الخارجي وسط ذهول وتصفيق حار من بعض الحاضرين الذين أذهلهم تصرفه وشجاعته. عند الباب، كانت سيارات الشرطة قد وصلت بالفعل بناءً على البلاغ المقيم مسبقاً، لتقبض على كريم وفريدة بتهم التزوير والشروع في النصب. ركب عمر سيارته، أنزل الزجاج، واستنشق هواء الليل النقي. كان قد خسر حبين في ليلة واحدة، لكنه كسب حريته وكرامته للأبد.